· تبعية ديوان المحاسبة لمجلس الأمة رمزية لا تعني التدخل في سير عمله
· مصلحة شخصية وآنية يجري تحقيقها بتخريب مؤسسة رقابية تدعم الشفافية
كتب محرر الشؤون المحلية:
يدور الخلاف الحاصل بين لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بمجلس الأمة من جانب وديوان المحاسبة على اقتراح بعض أعضاء اللجنة المذكورة والذي ينص على: "لأعضاء مجلس الأمة أن يطلبوا من خلال رئيس المجلس، أي بيانات أو معلومات أو مستندات عن سير العمل في ديوان المحاسبة وعلى رئيس الديوان الاستجابة لهذه الطلبات"·
ويدور هذا الخلاف حول تفسير نص المادة (151) من الدستور، والقانون رقم 30 لسنة 1964 بإنشاء الديوان والذي أكد من خلال مواد مختلفة فيه (4، 36، 41، 47) وغيرها على استقلالية هذه الجهة في إدارة شؤونها وشؤون موظفيها·
ولا يغيب هنا قبل الدخول في توضيح ماهية هذه القوانين أن نلفت نظر القارئ الى الصراع الذي دار ولا يزال بين أعضاء لجنة الشؤون التشريعية أنفسهم والتصريحات والردود على التصريحات الصحافية التي كان أطرافها كل من رئيس اللجنة د· فهد الخنة (صاحب مشروع الوسيلة الذي أشارت له "الطليعة" في عددها السابق، وأصدر ديوان المحاسبة تقريره بشأنه ولفت النظر الى مخالفات صريحة فيه، وبين النائب عبدالله الرومي عضو اللجنة والذي تمسك بمقولة (استقلالية الديوان)، وإن مقترح اللجنة سالف الذكر ما هو إلا تدخل في شؤون هذا الجهاز وتجريح في فكرة استقلاليته، وما موضوع تبعية الديوان لمجلس الأمة إلا تبعية رمزية كما تبين مناقشات المجلس التأسيسي·
ومن المناسب هنا - وعلى عجالة - أن نذكر بأنه سبق أن طرحت أفكار نيابية ظاهرها دعم ديوان المحاسبة، وكان أبرزها منح صلاحية الإحالة الى النيابة لأي جهة إذا ثبت تجاوزها إداريا وماليا ومخالفتها للقوانين المرعية، إلا أن هذا المقترح لم يجد من يدفع به بشكل جدي، وكان ذلك أفضل في رأي البعض، إذ إن الشروع في منح هذه الصلاحية سيدخل الديوان طرفا في الصراعات السياسية بين أصحاب المصالح والقوى المتنفذة، ويجعل من احتمالات التدخل لتخريب هذا الجهاز من خلال إجراء تعديل على قوانينه أمرا محتملا·
واليوم نحن أمام محاولة لكسر استقلالية الديوان ولكن يبدو أن هذه المحاولة تتعلق بظرف محدد ونفعي يقف وراءه صاحب مصلحة، وهو لا يقل خطورة عن رغبة البعض بمنح صلاحية الإحالة الى النيابة إذ إن الموقف الحالي يتلخص في رغبة بالتعديل في صورة استقلالية الديوان من أجل مصلحة اقتصادية واضحة وجلية، وعليه كان موقف النائب عبدالله الرومي واضحا عندما اعترض على وجود النائب صاحب المشروع أثناء مناقشة (استقلالية الديوان) في اللجنة، وهو تصرف حصيف ومطلوب·
وأمام طلب اللجنة التشريعية والقانونية يبقى أن توضح أمور عدة وهي أن المعلومات والبيانات والمستندات المنصوص عليها في الاقتراح والتي تطلب من الديوان تقديمها تخص (سير العمل في ديوان المحاسبة) ولا تتعلق بموضوع عام، كالطلب في التحقيق في مخالفات محددة، كما سبق أن قام بهذا الجهد في قضية التعدي على أملاك الدولة·
ثانيا، فكلمة (سير عمل الديوان) تعني الأدوات التي يستخدمها في تفعيل نشاطه وقيامه بواجباته، وهذه القضية فيها من الخطورة الكثير على استقلالية ديوان المحاسبة، ونذكر هنا - والشيء بالشيء يذكر - عندما تقدمت الحكومة بطلب تفسير ماهية السؤال البرلماني، وجاء رد المحكمة الدستورية محملا بشروط رأى البعض أنها أفقدت السؤال البرلماني أهميته وأفرغته من محتواه، وخاصة ما يتعلق ببند حرية الوزير في تقديم المستندات الداعمة لأسئلة النواب، ومعلوم أن السؤال البرلماني أداة منصوص عليها دستوريا ولائحيا ولا مجال للخوض في كيفية تعامل الوزراء معها، وينطبق طلب اللجنة التشريعية والقانونية هنا في التدخل في سير عمل الديوان على هذه الواقعة·
على الجانب الآخر، حددت المادة (99) من الدستور والمواد المكملة له في اللائحة الداخلية لمجلس الأمة شروط السؤال البرلماني، ومنها أن يكون السؤال يتعلق بشأن عام أو مسألة عامة، وطلب اللجنة التشريعية في الخلاف الدائر اليوم ما هو إلا طلب مبهم، ويفتح الباب مستقبلا للتدخل في أمور إدارية بحتة في الديوان الذي يظل من الأجهزة القليلة والنادرة التي ظلت بعيدة عن التجاذب السياسي بين الحكومة والبرلمان طوال أكثر من 40 سنة، وهو يمثل مركزا لتطبيق الشفافية المالية للدولة، ومن غير الحكمة خدش هذه الميزة من أجل مصالح آنية ضيقة·
المادة (151) ومناقشات المجلس التأسيسي حول استقلالية ديوان المحاسبة
(مادة 151)
ينشأ بقانون ديوان للمراقبة المالية يكفل القانون استقلاله، ويكون ملحقا بمجلس الأمة، ويعاون الحكومة ومجلس الأمة في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها في حدود الميزانية، ويقدم الديوان لكل من الحكومة ومجلس الأمة تقريرا سنويا عن أعماله وملاحظاته·