
· الزهار: نريد هدنة لعشر سنوات نرتب أوضاعنا الداخلية
· التجربة الديمقراطية في فلسطين تفوقت على نظيراتها في المنطقة بما في ذلك لبنان والعراق
· قطع المساعدات الأوروبية أكبر مكافأة لمتطرفي إسرائيل
بقلم: جوناثان ستيل
الانتصار الذي أحرزته حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة يمثل أفضل الأنباء الواردة من الشرق الأوسط منذ فترة طويلة· لقد كانت هذه الانتخابات أكثر إثارة للإعجاب في الأداء الديمقراطي من أية انتخابات أخرى في المنطقة، وتفوقت على الانتخابات اللبنانية والعراقية في نسبة المشاركة في الاقتراع وفي مدى وجهات النظر التي مثلها المرشحون·
ففي حين تعين على الأحزاب العراقية التي تعارض الاحتلال أن تخفف من لهجتها أو حتى تخفي وجهات نظرها، كان بوسع الفلسطينيين المؤيدين للمقاومة المسلحة لاستراتيجيات إسرائيل التوسعية، الترشح علانية· صحيح أن مرشحي حركة حماس لم يجعلوا من العلاقة مع إسرائيل محورا لحملاتهم الانتخابية، بيد أنهم ركزوا على إصلاح السلطة الفلسطينية· ولكن قليلا من الناخبين لم يكن يعرف بعداء "حماس" المستحكم للاحتلال وبسجلها في مقاومته·
وكانت انتخابات يوم الأربعاء الماضي في فلسطين مميزة أيضا في أنها لا تدين بشيء لجهود واشنطن "الانتقائية" لتعزيز الديمقراطية في العالم العربي· بل على العكس من ذلك، شكلت دليلا إضافيا على أن المجتمع المدني في فلسطين أكثر حيوية من أي مكان آخر في المنطقة وأن السياسات الفلسطينية لها ديناميكيتها الخاصة التي لا تُمليها الضغوط الخارجية بل الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن العادي الذي يعيش ظروفا بائسة· فالديمقراطية قبل كل شيء ليست سوى عملية توفير منبر حر للتعبير عن الآمال والمخاوف والنقاش السياسي والبحث عن حلول متفق عليها·
ردود سلبية
لقد كان من المتوقع أن تكون ردود فعل إسرائيل والولايات المتحدة سلبية على فوز "حماس"، ولكن يتعين على الحكومات الأوروبية اتخاذ مواقف أكثر إيجابية· لقد تميزت المواقف الأولية للأوروبيين بالحذر، فقد أشادوا بالعملية الديمقراطية ولم يتخذوا موقفا من النتائج· والآن، وبعد أن هدأ غبار الانتخابات، وبدأت "حماس" ترتب أولوياتها للحكم، يتعين على الأوروبيين أن يحللوا بهدوء، لماذا فازت الحركة في الانتخابات·
وقد تسنى لي أن التقي بالقيادي في حركة حماس محمود الزهار من بين الكثير من هؤلاء القياديين الذين التقيتهم في الصيف الماضي في غزة· واكتشفت أن هؤلاء الأشخاص يختلفون عن الجهاديين المنضويين تحت لواء بن لادن الذين تحركهم الأيديولوجيا أو الرغبة بالمخاطرة· ويشعر الزهار، مثله مثل بقية مواطني غزة، بفداحة الاحتلال، فقد قتل نجله وأصيبت زوجته بالشلل جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت اغتياله في عام 2003· ونجا الزهار من الهجوم بالصدفة لأنه كان في حديقة المنزل لحظة الهجوم· ومع ذلك، تزعم الزهار الجهود العام الماضي، لإقناع زملائه بالموافقة على التزام "حماس" بالهدنة أو بفترة من التهدئة مع إسرائيل· وطوال 11 شهرا لم تنفذ الحركة أية عملية انتحارية· وهذا ليس بالإنجاز البسيط الذي كثيرا ما يتجاهله الدبلوماسيون الأجانب·
والأسباب التي ساقها الزهار لمثل هذا الموقف لم تكن تكتيكية فقط، يعني حرمان شارون من ذريعة للتراجع عن خط الانسحاب من غزة·
فهو يتبنى استراتيجية وقف المواجهة مع إسرائيل لفترة طويلة حتى يتمكن الفلسطينيون من ترميم البيت الداخلي ويحققوا شيئا من الوحدة وتنظيف مؤسساتهم· وهو يشعر أن الحكومات الغربية تقدم المساعدات وتستخدم مسألة المفاوضات مع إسرائيل كأداة لفرض الشروط والضغوط وليس من أجل إحقاق العدالة·
ولذلك، فهو يرغب في إقامة حكومة ائتلاف واسعة تتوجه الى العالمين العربي والإسلامي من أجل الحصول على الشراكة الاقتصادية والدعم الدبوماسي· وهذا أشبه ما يكون بـ "الأحادية الموازية" للسياسات الإسرائيلية أحادية الجانب· وقال لي الزهار إنه "في ظل عدم رغبة الإسرائيليين في التوصل الى اتفاق سلام والمواقف الأمريكية والغربية غير المتوازنة وتدخلاتها في كل دولة عربية، فإنه يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا في هدنة طويلة دون الاعتراف بإسرائيل شريطة التزامها بمثل هذه الهدنة· وقد يتغير كل شيء خلال فترة 10-20 عاما"·
صمام أمان
ولم يترك لدي الزهار أي شك بأن سيطرة حركة حماس على السلطة سوف تكون قريبة·
وأشار الى أن محمود عباس سيظل في منصبه لثلاث سنوات أخرى، وكأنه يشير الى أنه (أي عباس) سيكون واجهة ملائمة لمفاوضات حتمية لن تكون مثمرة مع إسرائيل وواشنطن· وقال "إنه لن يكون هناك تناقض بين المجلس التشريعي والرئيس، فنحن سنكون حراسا وصمام أمان ضد أي تفريط بالحقوق الفلسطينية"·
وبالإضافة الى الحذر إزاء فوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية، فإن الأولوية التالية للأوروبيين يجب أن تكون الحفاظ على استمرارية تقديم المساعدات الى السلطة الفلسطينية، لأن قطع هذه المساعدات سيكون بمثابة الجائزة لمتطرفي إسرائيل· فالاتحاد الأوروبي هو أكبر مانح للمساعدات الدولية الى السلطة الفلسطينية، وقد أخطأ مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد خافيير سولانا الشهر الماضي حين صرح في غزة بأنه "سيكون من الصعب جدا استمرار تدفق المساعدات والأموال الى السلطة الفلسطينية إذا شاركت حركة حماس في السلطة"·
ولكن بيانات الاتحاد الأوروبي تعقيبا على فوز "حماس" كانت محسوبة بدقة· وإذا كانت أوروبا تريد أن تضطلع بدور مستقل عن النهج الأمريكي المهيمن في الشرق الأوسط، فإنه من الحيوي استمرارها في تمويل السلطة الفلسطينية بصرف النظر عن وجود "حماس" في السلطة أو خارجها· فلا يمكنك استخدام أموال دافع الضرائب الأوروبي من أجل تقوية المؤسسات الفلسطينية وفي الوقت ذاته تقوم بما من شأنه إفشال الإصلاح· ويجب تشجيع "حماس" على أن تكون صادقة أكثر من الذين سبقوها في السلطة·
والأهم من كل ذلك، يتعين على الأوروبيين عدم التركيز على القضايا الخطأ مثل المقاومة المسلحة و"الحرب على الإرهاب"· فعمليات الاغتيال المستهدف ضد الناشطين الفلسطينيين والتي يسقط فيها مدنيون أيضا ليست أفضل من العمليات الانتحارية من الناحيتين الأخلاقية والقانونية، ويجب عدم النظر الى رفض حماس الاعتراف بإسرائيل باعتبارها مشكلة ملحة· فالتاريخ والسياسة الدولية لا يسيران في خطوات متزامنة· فقد ظلت إسرائيل لسنوات طويلة، ترفض حتى الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، تماما كما كانت تركيا ترفض الاعتراض بوجود الأكراد· وقبل 15 عاما فقط، لم يكن يسمح للفلسطينيين بأن يكون لهم تمثيلهم الخاص، وكانوا يشاركون في المؤتمرات الدولية ضمن الوفد الأردني·
والآن، تقبل إسرائيل بهدف إقامة الدولة الفلسطينية·
وربما توافق حركة حماس في النهاية على نزع سلاحها وتعترف بإسرائيل· وهذا سيكون تتويجا لعملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، ولا يمكن أن يكون الخطوة الأولى· فالأولوية اليوم هي قبول حقيقة أن الفلسطينيين قالوا كلمتهم بحرية، وهم يستحقون، لذلك، الاحترام والدعم·
" عن الغارديان "