مفارقة العقاد
من الطرائف الدالة على حدّة نفور العقاد من الشعر الجديد أنه رفض تمثيل شعراء الشعر الحر المصري في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقدت دورته الأولى في دمشق، بعد الوحدة، ولم يوافق إلا بعد أن طمأنه يوسف السباعي، وأكد له أن صلاح عبدالصبور وأحمد المعطي حجازي لن ينشدا إلا شعرا عموديا، منظوما في أعاريض الخليل، وكان من نتيجة ذلك قصيدة صلاح عبدالصبور عن أبي تمام وقصيدة حجازي "تموز"· وكلتاهما قصيدتان عموديتان، ومحاولتان لإثبات قدرتهما على النظم بالأعاريض الخليلية، وأن إيثارهما الشعر الحر ليس عجزاً عن القول الموزون المقفى أو التفوق بمقياس العمود القديم· ولكن عندما حاول الشاعران في الدورة الثانية لمؤتمر الأدباء العرب، في دمشق كذلك، أن يدفعا بقصيدتين لهما من الشعر الحر الذي أصبح مقبولاً لدى مجموعات وطوائف عدة مناصرة لجديد الشعر الجديد، مع مطلع الستينات، رفض العقاد، وهدد بالانسحاب، والاستقالة من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، فتوسط يوسف السباعي، وطلب من الشاعرين الاعتذار عن الإلقاء بحجة مرض طارىء، لئلا يستقيل العقاد العملاق الذي لم يكن أحد يجسر على إغضابه، وأفلح توسط يوسف السباعي، وعاد الشاعران من دون أن يلقيا شعراً·
··· مفارقة العقاد الذي بدأ ثائراً مدافعاً عن الحرية الإبداعية، الى جانب دفاعه عن الحرية الاجتماعية والسياسية، وانقلب مع الزمن الى معاد للحرية التي طالب بها في شبابه، وحرّمها على الأجيال الشابة التي جاءت بعده·
شأنه في ذلك شأن الثائرين الذين انتهوا الى نقيض ما بدؤوا منه، وذلك في دلالة ثقافية تستحق لفت الانتباه الى تكرارها·
د· جابر عصفور - "الحياة"