
كشف مقال نشره أحد الباحثين الأكاديميين في صحيفة أمريكية بتاريخ 13يناير 2006 تفاصيل عملية تجسس قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي على المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد منذ العام 1971 حتى قبيل وفاته·
ففي مقال نشرته "كاونتر بانش" الإخبارية يتتبع الباحث ديفيد برايس أستاذ الأنثروبولجيا في جامعة سان مارتن في واشنطن المعلومات الواردة في تقارير "إف بي آي" التي استطاع الحصول عليها بعد مطالبة قانونية منه استنادا إلى مواد "قانون حرية الإعلام" مما وفر له 147 صفحة من ملف لإدوارد سعيد يضم 238 صفحة والذي حال قانون "باتريوت" الخاص باستثناءات الأمن القومي دون الاطلاع على الملف كاملا·
يقول برايس الذي ترجمت "الحياة" نص مقاله الذي أثار الكثير من ردود لأفعال في الصحف الأمريكية والمواقع الإلكترونية أن مراقبة "إف بي آي" لإدوارد سعيد كانت تدور في معظمها حول عمله القانوني ونشاطاته مع منظمات سياسية فلسطينية أو منظمات مؤيدة لقضايا العرب، ومراقبة اتصالاته مع فلسطينيين أمريكيين وغيرهم· وينقل قول زوجة سعيد السيدة مريم بعد معرفتها بتفاصيل هذه القضية: "طالما علمنا أن أي نشاط سياسي متعلق بالقضية الفلسطينية يخضع للمراقبة، حتى عندما نتحدث على الهاتف نقول "فليسمع المتنصتون هذا، فنحن ندرك أن هواتفنا تخضع للتنصت منذ وقت طويل، لكن ذلك لم يزعجنا أبدا لأن ما من شيء نخفيه"· يشير برايس الى أن فتح "أف بي آي" ملفا لإدوارد سعيد يعود الى فبراير من العام 1971 بعد تحقيق أمني محلي، وتم جمع معلومات عنه من قسم جوازات السفر في وزارة الخارجية ومن وكالات الأخبار، وكان أحد المخبرين قدم تسجيلا حول أنشطة سعيد خلال ترؤسه برنامجا ثقافيا لخريجي الجامعة العربية - الأمريكية في أكتوبر 1971 كان بعنوان "الثقافة والروح الانتقادية" وأدرجت السجلات حينها تحت عنوان "الاستخبارات الأجنبية" فئة 105، ورمز إليها "إس - الشرق الأوسط" إشارة الى إسرائيل·
ويقول كاتب المقال برايس إن الكثير من المعلومات في ملف سعيد ختمت بالسرية الى العام 2030، لكنه يورد الكثير من الفقرات المسجلة في تقارير المخبرين التابعين لمكتب التحقيقات تعود أغلبها الى بدايات السبعينيات كالتقرير الخاص بعمل سعيد في جامعة كولومبيا وعنوان سكنه ورقم هاتفه، ولائحة بالمكالمات الهاتفية، وما جاء فيها من ملاحظات أمنية حولها، وكذلك الى الفترة التي أعقبت حوادث الأولمبياد في ميونخ في عام 1972، ومعلومات أخرى حول سجلاته الانتخابية والمصرفية وبطاقات اعتماده، كما استطاع عملاء "أف بي آي" الحصول على بيانات أخرى من موظفين عاملين في جامعتي "برينستون" و"كولومبيا" ومكتب الخريجين التابع لجامعة "هارفورد" تتعلق بسيرته الذاتية وتحصيله العلمي·
ويقول برايس إن "إف بي آي" اشتبه في يناير 1973 باحتمال وجود صلات، تربط بين سعيد ونشاطات إرهابية عربية، إلا أنه يضيف "غير أنه غالبا ما يتم استعمال هذا الربط لإبقاء التحقيق جاريا" ويضم أحد التقارير (يوليو 1979) معلومات عن تحضير 36 شخصا المشاركة في "المؤتمر الأمريكي لفلسطين" الذي يعقد في أغسطس 1979 في فندق شورهام أمريكانا في واشنطن، مع الإشارة الى أن سعيد عضو سابق في مجلس المؤتمر ومنتسب الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي يهتم المكتب بملاحقة ومراقبة المتعاطفين معها، كما يشير التقرير الى أن أحد مخبري المكتب على صلة بمؤيدي حزب البعث العراقي·
ويشير برايس في مقاله الى أن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية ويبستر أوصى في 3 سبتمبر 1982 كل مالكي المكتبات في كوانتيكو باستعمال فهرس صحيفة "نيويورك تايمز" على الحاسوب، لتسهيل معرفة المراجع التي يرد فيها اسم إدوارد سعيد، مما أدى حينها الى إعداد تقرير يضم 49 مقالا في "نيويورك تايمز" يظهر فيها اسم سعيد إضافة إلى كتاباته في السياسة ونقد الكتب، ويلفت كاتب المقال الى "أن محرك البحث على الإنترنت (غوغل) الخاص بـ "أف بي آي" لطالما استعمل خدمة معلومات صحيفة "نيويورك تايمز" لجمع معلومات عن الأشخاص أو المنظمات"·
كما يتساءل "إن ملف سعيد لدى مكتب التحقيقات كما ورد اليّ لا يضم أي معلومات حول الاثنتي عشرة سنة المتبقية من حياته· وهذا ما يدعو الى التساؤل عما إذا توقف مكتب التحقيقات عن مراقبته أو أنه لم يتمكن من تحديد مكان هذه الملفات، أو أن المكتب لن ينشر هذه المعلومات، أو حتى نفى وجود هذه المعلومة في الملفات· ويبدو أن الاحتمالين الأخيرين هما الأقرب الى الحقيقة"·
كما يختتم مقاله بتساؤل آخر حول عدم عثوره على أي إشارة الى تحليل كتاب سعيد الأشهر والأهم وهو "الاستشراق"، خصوصا أن عالم الأنثروبولجيا في معهد هوفر ستانلي كورتز قال في شهادة له عام 2003 أمام اللجنة الفرعية للتعليم إن هذا الكتاب "أدى الى إضعاف مساهمة الباحثين الأمريكيين في دراسات الشرق الأوسط في حرب بوش على الإرهاب"·