أكثر من التخلي عن أولاد الحارة
نشمي مهنا
"أولاد حارتنا"، رواية نجيب محفوظ التي خصّتها جائزة نوبل بالذكر، ضمن مجمل أعماله الروائية، والمنشورة على حلقات بصحيفة "الأهرام" قبل 47 عاما، عادت لتثير لغطا من جديد، بدأ بإعلان مجلة "الهلال" إعادة نشرها ضمن سلسلة إصداراتها الشهرية، ثم تراجعها بعد تهديد "دار الشروق" بمقاضاتها باعتبار الأخيرة الناشر الحصري لشيخ روائيينا العرب·
إلا أن أمر النشر لم يعد الآن بيد "الهلال" ولا "الشروق"، ولابيد شيخنا نفسه بعد أن فرط بحقه كاملا، ووضعه بتصرف الأزهر، وبتصرف نقاده الدينيين!
يقول الخبر، إن نجيب محفوظ اشترط موافقة صريحة من الأزهر قبل موافقته على إعادة النشر، كما طلب وتمنى أن يكتب د· أحمد كمال أبو المجد مقدمة جديدة للرواية·
مفاجأة، أن يجرؤ كاتب على مثل هذا التنازل باهظ الثمن· وتسليم جهة دينية حقاً لا تملكه أساسا، بل نقول، هو ذاته لا يملك حق الاسترضاء والمساومة والانكسار بعد كل هذه السنوات التي حولت الرواية الى قضية، وأحداثها الى فكرة، وشخوصها الى رموز سجينة بين دفتي كتاب، ولا نقبل - كقراء كتابة ومؤيدي فكرة - أن يطلب منهم الآن اعتراف ذليل واستجداء صفح ومغفرة، كي يُفرج عنهم·
شيخنا الكبير أخطأ بالأمس، حينما طالب رئيس الجمهورية برفض استقالة وزير الثقافة فاروق حسني التي تقدم بها و"مسرحها" بعد حادثة بني سويف· وشيخنا اليوم يتجاوز ذلك الى الخطيئة، ذلك بمحاولاته إيهامنا بوجود "إسلام معتدل" يمهر له مقدمة الرواية، مثلما كان يردد قبل سنوات اسم محمد الغزالي كشيخ "اعتدال" وهو يعلم أنه أحد أعضاء اللجنة الأزهرية التي أوصت بمصادرة الرواية عام 1959، ويعلم أيضا علاقة الشيخ الراحل "المعتدل" بحادثة اغتيال فرج فودة الذي قال يوم مقتله إنه لم يأمر ولم يفتِ بقتله·· لكنه يستحق القتل!
"الاعتدال" الذي يطلب شيخ الروائيين العرب مهادنته وكسب رضاه ورضا تابعيه أنطق أحد مشايخنا في الكويت أيام صدور الفتوى الخمينية بحق صاحب "الآيات الشيطانية" فقال: "لو أن الحكم بالقتل نُفذ في نجيب محفوظ حين كتب لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي"·
خطيئة الشيخ العجوز أنه أصبح كمن يشد على يد المفتي، ويهز رأسه بالقبول أمام الفتاوى القاتلة، بل، وكأنه يؤكد للمفتي وتلامذته المتأهبين أن الإرهاب·· لا بد أن يأتي بنتيجة، حتى لو بعد 50 عاما!
قرار نشر "أولاد حارة" نجيب محفوظ بيد السلطة السياسية، وسواء جدت أو ناورت برميه بحضن السلطة الدينية، هو في حاليه إدانة لكاتب تخلى عن "أولاده"، كما أن القرار بائت، وغير مجد، فالرواية شبعت إصدارا وتكرارا من مطابع بيروت منذ أوائل الستينيات·
لكن، وفي كل الأحوال، يخفي هذا الجدل الدائر تحت فوضاه قضيتين: الأولى أن السلطات السياسية في الدول العربية تتعامل مع قضايا حرية الكتابة والنشر "بصنبور"، تغلقه متى أرادت التحالف والهدوء، وتفتحه متى شاءت المناكفة، فمن خبر إعادة نشر الرواية المحفوظية تتسرب نوايا عن رغبة السلطة بإحراج "الإخوان" وتحجيمهم أمام جماهيريهم التي أكثرت مقاعدهم في البرلمان في الانتخابات الأخيرة· والثانية: أن الحريات تظل عزلاء، لا أحد يطالب باسترجاعها لذاتها·
وها هي حرية الكتابة مثالها الأوضح، حيث تقمعها السلطات، وترتاب منها الجماهير، ويتخلى عنها كاتبها طوعا!
nashmi22@hotmail.com