رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 2 محرم 1427هـ - 1 فبراير 2006
العدد 1713

دوركهايم صاحب "الوقائع الاجتماعية" مازال مؤثرا
قل لي من أنت.. أقل لك في أي مجتمع تعيش!

                                                                                  

 

أناهيد الحردان – لندن

منح "ديفيد إميل دور كهايم" الفرنسي علم الاجتماع موضوعه ومنهجه، ولهذا يعتبر الأب المؤسس لهذا العلم بعد أن صرف الشطر الأعظم من حياته في إقامة قواعده كفرع معرفي مستقل، كان أول عالم اجتماع محترف يضع كتاباً في قواعد منهج علم الاجتماع في العام 1895، ويصدر أول مجلة متخصصة في هذا المضمار، وما إن توفي في العام 1917 حتى كان قد أرسى المفاهيم الأساسية التي لم تبل جدتها الأيام·

في العام 1883 حدد "دوركهايم" موضوعه ونطاق تحليله في أطروحة دكتوراه فوصفه في البداية على أنه "العلاقات بين الفرد والمجتمع" ثم وصفه لاحقاً على أنه "العلاقات بين شخصية الفرد والتضامن الاجتماعي"· وعلى أساس هذا التحديد الثاني خطط مبكراً حدود مادة موضوع علم الاجتماع، فأعطى لمصطلح "التضامن الاجتماعي" معنى الوحدة المعنوية والأخلاقية التي تضمن بقاء واستمرار المجتمع سواء كانت هذه الوحدة ملموسة أو غير ملموسة·

وستمهد موضوع رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الطريق لأول وأكبر أعماله تأثيراً، وهو "تقسيم العمل الاجتماعي" ( 1893) يقول في مقدمة هذا الكتاب: "إنه بالدرجة الأولى محاولة للتعامل مع وقائع الحياة المعنوية، وفق منهج العلوم الوضعية" وهكذا، ومنذ بداية حياته كعالم اجتماع، حاول "دوركهايم" تمييز علم الاجتماع كحقل معرفي مستقل أولاً، وحاول تطبيق منهج مميز في هذا الحقل المعرفي ثانيا كما هو واضح في كتاب "تقسيم العمل" وليتوسع في هذا التطبيق لاحقاً في كتاب "قواعد ومنهج علم الاجتماع" فيذكر في مقدمته: "نود أن نشرح هنا نتائج عملنا في علم الاجتماع التطبيقي شرحاً تاماً، وأن نطرحها للنقاش، ومع أن هذه النتائج مطروحة ضمنياً في كتاب "تقسيم العمل" إلا أننا وجدنا فائدة في إيضاحها مجدداً، وإعطائها صيغة مستقلة في هذا الكتاب"· علم اجتماعه المتميز ومنهجه، بما في ذلك تطرقه الى الوقائع الاجتماعية، إذن هي مجمل عمل "دوركهايم"·

سنركز هنا على نظرته أو رؤيته لماهية الوقائع الاجتماعية، المعنوية والمادية على حد سواء، وعلى أهميتها في التطور اللاحق لعلم الاجتماع نظرية وتطبيقا، لقد ناقش هذا العالم فكرته المبكرة عن الوقائع الاجتماعية في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي" ثم وسعها في كتاباته اللاحقة، فما هي هذه الفكرة؟·

ينظر "دوركهايم" إلى الوقائع الاجتماعية كسلسلة متصلة الحلقات، تكون في أحد طرفيها "الأساس الذي يشكل الحياة الاجتماعية"، مثل عدد السكان والجغرافية الاجتماعية، وما إلى ذلك وعند نقطة من نقط هذه السلسلة طرح "دوركهايم" بأن هناك وقائع اجتماعية ذات شكل مؤسساتي، مثل القواعد الأخلاقية، والقانونية والعقائد الدينية والنظم المالية·· إلخ، ومثل الثوابت الراسخة والممارسات القائمة في أساس المجتمع السياسي ككل، أو في واحد من المجموعات الفرعية التي تؤلفه، وأخيراً هناك في آخر السلسلة وقائع اجتماعية لا تتخذ الصيغة المؤسسة، ولكن تكون لها مع ذلك الهيمنة نفسها التي للمؤسسة على الفرد، ولها صفة موضوعية، وتمثل هذه تيارات اجتماعية، هي تيارات الأفكار والآراء والانفجارات العابرة التي تقع في البنية الفوقية"·

في كتاب "قواعد منهج علم الاجتماع" يطور "دوركهايم" هاتين النقطتين الأخيرتين على السلسلة المتصلة الحلقات للوقائع الاجتماعية إلى مدى أبعد، فيقدم مؤشرين للقياس يمكن أن يحددا الواقعة الاجتماعية ويقومان بتعريفها: الأول مقياس مفاهيمي يقيس الواقعة كواقعة خارجية، والثاني مقياس تجريبي مبني على الملاحظة يقيس الواقعة بكونها ملزمة أو غير ملزمة··

الطريقة الأولى، والتي تكون فيها الوقائع الاجتماعية خارجية بالنسبة للفرد، تعني أن كل فرد يولد في مجتمع ذي وظائف، مكتمل الثقافة والقيم والمعايير والعادات والموروثات وطرق الحياة··· وهكذا· هذا المجتمع يحدد وظيفة الفرد فيه (أو يحوله إلى كائن اجتماعي حسب التعبير المعاصر)، ونعني بالطريقة الثانية أن الفرد ليس سوى عضو في كل عضو يتألف منه المجتمع، أو هو عنصر ضمن جملة العلاقات التي تكوّن مجتمعاً من المجتمعات، ومن هنا يحدد "دوركهايم" الواقعة الاجتماعية بوصفها "كل طريقة، أداء تكون عامة في مجتمع معين وتكون في الوقت نفسه مستقلة بذاتها عن تمظهراتها الفردية"·

المؤشر الثاني في الإلزام المعنوي، أي ما يعرفه علماء الاجتماع المعارصون بأنه سيطرة اجتماعية رسمية وغير رسمية، سواء بوعي أو بلا وعي مفروضة ذاتيا عبر استدخالها، وهي إما فرضت رسميا عبر العائلة أو أي مؤسسة اجتماعية أخرى، أو عبر أجهزة الدولة أو المؤسسات الاجتماعية· وهنا يقدم "دوركهايم" تعريفاً آخر مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتعريف الأول للواقعة الاجتماعية بكونها "كل طريقة أداء ثابتة وغير ثابتة قادرة على ممارسة إلزام خارجي على الفرد"·

وبهذه الطريقة، يحدد أولا مادة موضوع علم الاجتماع بكونها الوقائع الاجتماعية (تقوم على مفهومه المبكر لمادة موضوع علم الاجتماع) ثم يقدم مؤشرين لتحديد ماهية الوقائع الاجتماعية، بالإضافة الى هذا يقدم "دوركهايم" بعد ذلك منهجه أو الطريقة التي يجب أن تدرس بها هذه الوقائع، فيقول بأن علم الاجتماع يقوم على أساس نظرة مفادها "أن الوقائع الاجتماعية يجب معاملتها معاملة الأشياء"، وهو ما يعني أن للظواهر الاجتماعية وجوداً خارجيا وموضوعيا بالنسبة لأفراد المجتمع، ويجب أن تدرس بصفتها هذه "مستقلة عن أدوات المراقب المفاهيمية"·

في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب القواعد، يحدد "دوركهايم" موقفه بالعلاقة مع الوقائع الاجتماعية التي تعامل كأشياء، ويكرر هذا الاقتراح الذي يشكل أساس علمه ومنهجه لاحقاً أيضا، يقول: إن الأشياء تتضمن كل موضوعات المعرفة التي لا يمكن أن تولدها الفاعلية الذهنية الخالصة، تلك التي تتطلب، من أجل مفهومها، معطيات من خارج الذهن، من الملحوظات والتجارب، تلك التي تبنى من أكثر السمات الخارجية مباشرة الى أقلها وضوحا وأكثرها عمقا·

إن معاملة وقائع نظام معين كأشياء إذن ليس أن توضع في فئة معينة من فئات الواقع بل أن يتخذ تجاهها سلوك فكري معين من حيث المبدأ بحيث نكون حين نقارب دراستها نجهل طبيعتها جهلا مطلقا، وبحيث أن سماتها المميزة مثل القضايا المجهولة التي تعتمد عليها، لا يمكن أن يكتشفها حتى الاستيطان البالغ الدقة·

إن الأهمية التي تكمن في نظرة "دوركهايم" الى الوقائع الاجتماعية في التطور اللاحق وتطبيقاتها ذات موقع مركزي، فحتى الآن، في مناقشة فكرته عن الوقائع الاجتماعية، فإن المصطلحات الاجتماعية المعاصرة مثل تحويل الفرد الى اجتماعي" والهيمنة الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية،

تستخدم في مناقشة أفكار جاءت قبل هذه المصطلحات المعاصرة، وهذا يسلط الضوء على إحدى الطرق ذات الأهمية المركزية في نظرات دوركهايم حول الوقائع الاجتماعية، في التطور اللاحق للنظرية الاجتماعية وتطبيقاتها·

لهذا السبب كما أن نظرات دوركهايم هي ضمن إطار أوسع يحتوي توسيعه وتطبيقاتها فقط، فإن نظرته الى الوقائع الاجتماعية ليست مركزية من حيث الأساس لكل من النظرية الاجتماعية وتطبيقاتها، ولكنها أيضا جزء من إطار أوسع ذلك الذي يؤسس هذه النظرية نفسها وتطبيقها·

ويصبح هذا أكثر ثباتا ودقة حين نفحص الكتب المدرسية المعاصرة في علم الاجتماع التي تعرف الطلبة بهذا الفرع المعرفي، والتي تتواشج فيها نظرات "دوركهايم" المتعلقة بالوقائع الاجتماعية بشكل يصعب فصله، ولها على النحو نفسه أهمية مركزية جوهرية في التطور اللاحق للنظرية الاجتماعية وتطبيقاتها·

في الكتب المدرسية، يقدم علم الاجتماع كنوع معرفي يحيط بـ "دراسة منظمة للمجتمع البشري" ويحمل التشديد على الدراسة المنظمة صدى محاولة "دوركهايم" لمعاملة وقائع الحياة المعنوية على أساس منهج العلوم الوضعية المشار اليه أعلاه، وضمن ذلك الوقائع الاجتماعية·

ولهذا فإن هذه النزعة الوضعية أو المقاربة العلمية للعالم الاجتماعي، كما عبر عنها أولا "أوجست كونت" وطورها دوركهايم في ما بعد، تشكل جانبا أساسيا في منهج علم الاجتماع·

ومع أن هذا المنهج الوضعي لعلم الاجتماع تم تحديه لاحقاً، وبخاصة من قبل علماء الاجتماع المدافعين عن الحقوق النسائية الذين شددوا على حاجة العالم الى اتخاذ مقاربة أقل انفصالا لكي يفهم المعاني التي ينسبها أفراد المجتمع إلى عالمهم، فإن أهميتها المركزية لاتزال بينة بذاتها حتى اليوم·

يضاف إلى هذا أن نظرية دوركهايم الاجتماعية، والتي تحتوي على نظرته الى الوقائع الاجتماعية، تقدم على أنها جزء من فكر مدرسة اجتماعية معروفة باسم "الوظائفية" والتي هي "إطار لبناء نظرية ترى المجتمع كنظام معقد تعمل أجزاؤه معا لتعزيز التضامن والاستقرار" ولأن مدرسة الفكر هذه ذات صلة وثيقة بالنزعة الوضعية، فقد خضعت للمراجعة أيضا إلا أن دوركهايم برز مركزيا بالنسبة لهذه النظرية الاجتماعية كما تطورت لاحقا على يد علماء الاجتماع الأمريكيين من أمثال تالكوت بارسونز والتي ظلت النظرة المهيمنة في علم الاجتماع حتى منتصف الستينات من القرن الماضي·

أخيرا، وربما الأكثر وضوحا، يظل تخطيط دوركهايم لحدود موضوع دراسة علم الاجتماع كدراسة للوقائع الاجتماعية في إطار نظريته الاجتماعية ومنهجها، موضوع الدراسة الرئيس لعلم الاجتماع، ويشكل بالفعل علة وجود علم الاجتماع حتى اليوم·

ولم تصبح مقبولة كموضوع لدراسة علم الاجتماع فقط، حيث نظم المعتقدات والعادات والمؤسسات في المجتمع (وقائع العالم الاجتماعي) بالطريقة نفسها التي فيها الكيميائيات موضوع دراسة علماء الطبيعة، ولكن أيضا الوقائع الاجتماعية غير الملموسة التي سلط دوركهايم عليها الضوء، تلك الأشياء التي لا يمكن أن تلاحظ أو تقاس"·

والخلاصة، فإن وقائع دوركهايم الاجتماعية تتكون من عناصر غير ملموسة وهذا جزء من أي مجتمع عضوي·

طباعة  

تجربة مثقف مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
المثقف والمؤسسة مساحات للصمت.. وأخرى للكلام