
كتب عبدالله النيباري:
قرار مجلس الأمة الذي اتخذ بالإجماع وفقا لأحكام الدستور وقانون توارث الإمارة والذي ترافق مع وصول كتاب سمو الأمير الشيخ سعد بتنحيه عن مسند الإمارة لهو مفخرة تُسجل في تاريخ الكويت سيبقى موضع اعتزاز وافتخار في ذاكرة الكويتيين·
لقد جاء هذا القرار الدستوري السياسي بعد أيام عصيبة عاشتها الكويت، وينبغي أن نذكر أنه مما سهل عبور الأزمة بأقل الخسائر هو التوافق الذي تم بين قطبي الأسرة الحاكمة الشيخ صباح الأحمد والشيخ سالم العلي السالم في الربع الأخير قبل اللجوء الى الحسم بتفعيل الإجراءات الدستورية·
الاتفاق الذي تم بين القطبين في الساعة الحادية عشرة من مساء الاثنين كان بمثابة البلسم للتئام جرح الكويت الذي ظل مفتوحا على مدى تسعة أيام منذ غياب الأمير الراحل·
وكان مؤسفا أن يظهر الصراع وكأنه صراع على اقتسام السلطة والحكم ودور الأشخاص في إدارة دفة شؤون الدولة، واختصرت قضية ترتيب انتقال السلطة لا على أنها إجراءات لاستكمال آليات إدارة الدولة لتصبح مصالح وطموحات أشخاص بل على أنها أنصبة في كعكة الحكم·
لم يرد في توصيف أو تحليل أو تشخيص الأزمة مفردات تشير الى أهمية دور الشعب وقواه الاجتماعية والسياسية وأن الأمر في نهايته هو مصير الشعب الكويتي والوطن الكويتي وحسن إدارة شؤونه ومسار حياته، وحتى اللجوء الى الدستور نظر إليه مجرد سلاح وأداة من أدوات حسم النزاع حول الأنصبة في الحكم·
ومع كل ذلك فإن الذي حسم الصرع ويسر عبور الأزمة بأكبر درجة من التوافق هم أهل الكويت والدستور الذي كافحوا للحفاظ عليه والمؤسسة البرلمانية التي تمثل رأي الشعب·
فعندما نشخص العوامل التي دفعت أو قادت البلد الى التوافق والخروج من المأزق الذي عشناه الأيام الماضية سنجد أن هنالك أربعة عوامل رئيسية وهي:
1 - الدستور الكويتي الصادر عام 1962·
2 - المؤسسة البرلمانية·
3 - موقف رجالات الكويت·
4 - اتفاق الأسرة الحاكمة·
الدستور الكويتي
أهم ما برز في هذه الأزمة هو مكانة الدستور الكويتي لعام 1962 باعتباره المرجع الأساسي والأخير لمعالجة أي أزمة تتعرض لها البلاد، فقد أكد الجميع "رأي عام شعبي، قوى سياسية شخصيات اجتماعية واقتصادية، والكتاب والمعلقين" كلهم نادوا وأكدوا على ضرورة توافق الأسرة مع التقيد بأحكام الدستور وقانون توارث الإمارة واحترامهما نصا وروحا·
دور البرلمان
وأما البرلمان فكان المؤسسة التي أكد الجميع بأنها الملاذ الأخير وأنها المكان الذي سيحسم فيه الأمر إذا انسدت القنوات الأخرى·
لقد عبر الكثير من أعضاء مجلس الأمة بأنهم يفضلون أن تأتي الأسرة الى البرلمان متفقة لكي تسبغ الصيغة الدستورية والقانونية الشرعية على ما اتفقوا عليه، ولكن عندما بدا صعوبة الاتفاق في بعض المراحل مع اقتراب ساعة الحسم تأكد أن السلطة التشريعية سوف تتخذ قرارها بحسم الأمور وفقا لنصوص الدستور وقانون توارث الإمارة لما فيه مصلحة الكويت·
دور رجالات الكويت
الدور المهم الذي مهد الوصول الى التوافق هو دور أهل الكويت وهو دور لا يقل عن دور الأسرة بل يراه البعض أنه الدور الأهم لحلحلة المواقف·
فالاتصالات التي أجراها أهل الكويت وشخصياتها بالشيخ سالم العلي وهو القطب الأساسي في الأسرة الذي كان يتزعم الطرف المصر على تمكين سمو الأمير الشيخ سعد من أداء القسم أمام مجلس الأمة لكي يستطيع مباشرة صلاحياته، وهو ما كان يخشاه الطرف الثاني·
هذه الاتصالات كان لها دور حاسم في توفير جو الاتفاق، فقد التقى الشيخ سالم العلي بدعوة منه أو بطلب الآخرين، هم أعضاء مجلس الأمة محمد الصقر، وناصر الصانع، وأحمد السعدون ومشاري العنجري ومن الشخصيات الاجتماعية جاسم الصقر ويوسف إبراهيم الغانم وعبدالعزيز الشايع ويوسف النصف·
وقد نقل السادة الذين قابلهم الشيخ سالم العلي قناعتهم بعدم قدرة الشيخ سعد الصحية في تولي رئاسة الدولة، وأنه إذا لم يحصل توافق فإن الأمر سيحسم في مجلس الأمة وفقا لأحكام الدستور وتفعيل المادة الثالثة من قانون أحكام توارث الإمارة، وأن الخيار بات واضحا، إما تنازل وتنح اختياري بإرادة الشيخ سعد أو أن الأمر سيتم بتنحيته بقرار مجلس الأمة وفقا للمادة الثالثة من قانون أحكام توارث الإمارة، والأفضل لحفظ مكانة الشيخ سعد وكرامته هي التنحي الإرادي·
وكان من العوامل الحاسمة في إقناع الشيخ سالم العلي هو لقاء مجموعة التجار الصقر والغانم والشايع والنصف، ففي ذلك الاجتماع تحدث الشيخ سالم عن شكواه وتخوفه من الاستمرار في الانفراد في الحكم وتأثير صغار الأسرة الذين شكلوا بطانة معيقة للتفاهم وتهميش دور كبار الأسرة، وكان الرد بأن ما أدى الى تضخم دور الصغار وتهميش دور الكبار والانفراد بالحكم هو عدم التفاهم والتواصل بين الكبار وغياب ذلك هو الذي فتح المجال لعبث الصغار وتضخم طموحاتهم·
وفيما كرر الشيخ سالم العلي تفضيله لتولي رئاسة الوزارة شخصية من أبناء الشعب وهو ما سبق أن نادى به من خلال بياناته الصحافية أكد لدى سؤاله فيما إذا كان يرى أحد غير الشيخ صباح أصلح لتولي الإمارة أجاب بالنفي وبسؤاله ما إذا كان يتطلع لولاية العهد أجاب بالنفي أيضا، وعندها قيل له إن المسألة إذن محلولة بقيام الشيخ صباح بعد توليه مسند الإمارة بترشيح ثلاثة من ذرية مبارك تزكي الأسرة واحدا منهم يعرض على مجلس الأمة أو بعرض المرشحين الثلاثة على مجلس الأمة ليختار واحدا منهم·
يبدو أن هذا اللقاء الذي تم صباح الاثنين كان له الأثر الكبير في قيام الشيخ سالم العلي مساء ذلك اليوم بإرسال نجله فهد الى الشيخ صباح مقترحا اللقاء، فبادر الأخير الى زيارته في منزله في البدع وفي الساعة الحادية عشرة أعلن التوصل الى اتفاق بمبايعة الشيخ سالم للشيخ صباح أميرا للكويت، ولم يشترط الشيخ سالم أية شروط·
ثم أدلى (الشيخ سالم) ببيان لجريدة "القبس" بأنه نتيجة للتوافق التام الذي تم بينهما سيتوجهان الى قصر الشعب للتوصل الى الصيغة المقبولة من سمو الأمير للتنازل عن مسند الإمارة·
وبالرغم من أن عوائق معينة لم تمكن من الحصول على وثيقة التنازل إلا أن ذلك أصبح إشكالا إجرائيا، إذا حسم مجلس الأمة الأمر بالتصويت·
وهو ليس أكثر من عملية جراحية دستورية صغيرة في أجواء التوافق·
دور الأسرة الحاكمة
مما لا شك فيه أن تنادي الأسرة في دار سلوى ليلة الخميس الماضي ونهار الجمعة واتفاقهم على تأكيد ثقتهم بالشيخ صباح ودعمهم له بالمضي في تولي قيادة سفينة الوطن باعتبار فقدان سمو الأمير الشيخ سعد القدرة الصحية التي تمكنه من إدارة شؤون الدولة، هذا اللقاء أدى الى تضييق شقة الخلاف أو محاصرته·
إلا أن هذا الاتفاق يبقى عاملا ضاغطا من جهة وممهدا من جهة أخرى ولكنه ليس العامل الحاسم، فهو يمكن أن يصنف عملا سياسيا ضاغط باتجاه التسريع في حسم الأزمة، لكن القرار النهائي دستوريا يبقى من اختصاص مجلس الأمة، فالأسرة الحاكمة بأفرادها لها المكانة الاجتماعية والثقل السياسي إلا أنه فيما عدا سمو الأمير وسمو ولي العهد لا مكان لها في الدستور إلا من خلال أفرادها الذين يشاركون في الحكومة·
رب ضارة نافعة
قد يكون ما واجهناه في الأيام الماضية أمرا مقلقا لأهل الكويت كافة، تسعة أيام بقي الناس مشدودين للتغيرات المتلاحقة بل المتسارعة، قلوبهم ومشاعرهم على كرامة الرموز واستقرار بلدهم ومصالحهم، إلا أن هذه المعاناة لم تكن بلا دروس وعظات، أهمها تأكيد أهمية الدستور ودولة المؤسسات والقانون ودور أهل الكويت في تجاوز الأزمات، مما يذكرنا بدورهم التاريخي عام 1921 والوثيقة التاريخية التي نادت بضرورة إصلاح بيت الحكم وإنشاء مجلس الشورى من الكويتيين ليساعد الأمير في إدارة شؤون الدولة·