· العراقيون بحاجة الى نسيان الماضي والتركيز على المستقبل
· بناء مؤسسات المجتمع المدني··المهمة العسيرة التي تنتظر الأمريكيين
· لماذا أصبحت الجامعات والمعاهد العراقية مسرحاً للقتال؟
* بقلم: أندرو إيردمان
انتخاب العراقيين لبرلمان جديد وفقا للدستور الدائم يمثل إنجازا مهما للشعب العراقي، الذي تحدى عنف الإرهابيين والترويع السياسي مرة أخرى وأظهر رغبته بمستقبل ديمقراطي· وعلى الأغلب أن تبدأ الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق خلال عام 2006، ولكن ذلك لا يعني أن الوقت قد حان لفك الارتباط بالعراق، بل على العكس، فهناك حاجة لانخراط أوسع وأكثر تنوعا مع المجتمع العراقي من أجل مساعدة هذا البلد على تطوير المؤسسات والممارسات والقيم الضرورية من أجل ديمقراطية حقيقية ودائمة·
وكما شدّد الرئيس بوش في خطاب التتويج الثاني، فإن تغييراً من هذا النوع من الطغيان الى الديمقراطية، هو تحدّ يرتبط بانتهاء جيل وبدء جيل جديد، ولا بد أن تكون الاستراتيجية الأمريكية في العراق على هذا النحو أيضا، وعلينا إعادة توجيه جهودنا ومواردنا في الوقت الذي نقلص من وجودنا العسكري هنا، وما من شك في أن احتياجات المؤسسات المدنية العراقية من وسائل الإعلام والجامعات الى الجمعيات المهنية والمنظمات غير الحكومية، هائلة وملحّة· وفي الوقت الذي قامت فيه المؤسسة القومية للديمقراطية وغيرها من المنظمات الأمريكية بعمل مهم على هذا الصعيد، إلا أن الجهود الأمريكية بشكل عام حتى الآن، لا تفي بالغرض·
والتعليم العالي هو مثال على ذلك، ففي بلد يبلغ فيه متوسط عمر الفرد 19,5 عام، تلعب الجامعات دورا حاسما في صوغ الرأي العام وخلق قادة المستقبل، وتدرك الأحزاب السياسية في العراق اليوم، كما أدرك حزب البعث قبلها ذلك، ولهذا السبب أصبحت الجامعات ساحة معركة قُتل فيها العشرات من الطلبة والأساتذة، وقد بدأت النخبة العراقية تظهر من البرامج الأكاديمية التنافسية كالطب والهندسة والعلوم وليس مصادفة أن يكون أول رئيسين للوزراء بعد إطاحة نظام صدام (إياد علاوي وإبراهيم الجعفري) طبيبين··
علاقات شراكة
ولكن بعد عقود من الإهمال وهجرة العقول والعقوبات، فإن الجامعات والكليات العراقية غير قادرة على تدريب أساتذة أكفاء للجامعات والمدارس للقيام بواجبهم في تدريس الجيل الجديد، وتكافح 20 جامعة عامة عراقية و40 كلية ومعهد فنيا من أجل تدريس أكثر من 250 ألف طالب سنويا، وهناك حاجة لمئات الملايين من الدولارات لإعادة النظام التعليمي الى ما كان عليه قبل أن يتولى صدام حسين السلطة كما أن هناك حاجة الى مليارات الدولارات للوصول بهذه المؤسسات الى المستويات الإقليمية كدولة قطر، على سبيل المثال·
فكيف يمكننا المساعدة في بناء عراق أفضل إن لم نركّز على الشريحة الأكبر من السكان، ألا وهي الشباب الذي لم يصل بعدد الى صياغة واضحة لرؤيته لبلده وسياساته - ولكن بالرغم من الأهمية الاستراتيجية للتعليم العالي، كان الدعم الأمريكي لها متواضعاً، فقد خصصت الوكالة الأمريكية للتطوير الدولي خلال الفترة من 2003 - 2005، مبلغ 20 مليون دولار فقط لبناء علاقات شراكة بين الجامعات الأمريكية والعراقية، وقد انتهى هذا البرنامج دون أن يكون له بديل، ولا توجد أي وكالة أمريكية تخصص أموالا للتعليم العالي في العراق لعام 2006، وقد أيدت السفارة الأمريكية في بغداد إنشاء جامعة أمريكية في السليمانية، لكن الدعم المالي لهذه الخطوة ليس مؤكدا·
وتقدم وزارة الخارجية الأمريكية بعثات دراسية لثلاثين طالبا عراقيا كل عام ليتلقوا العلم في الجامعات الأمريكية· لكن هذه البعثات تركزّ على العلوم الإنسانية والاجتماعية وليس الفنية أو العلمية، ولم تحاول المؤسسات التعليمية الأمريكية سدّ هذه الفجوة، إلا باستثناءات قليلة·
وإذا خُيّرنا بين تقديم طائرة عسكرية واحدة و250 بعثة دراسية سنويا، وكانت التكلفة واحدة، فما الذي علينا اختياره؟ إذا اخترنا التعليم، فيمكننا التواصل مع النخبة العراقية في جميع أنحاء البلاد من التكنوقراط في الحكومة الى الصحافيين الى الأطباء· فالمؤتمرات والحلقات الدراسية بدأت تعيد ربط العراقيين بالعالم الخارجي، ويمكننا إيجاد سبل جديدة لتجاوز الوضع الأمني الراهن من خلال زيادة استثماراتنا بشكل دراماتيكي في تكنولوجيا الاتصالات·
وعلينا توسيع برامج التدريس وتوفير المعدات لرؤساء التحرير والصحافيين والناشرين العراقيين، وينبغي أن نزيد تمويلنا للمؤسسة القومية للديمقراطية والمعهد الأمريكي للسلام والمنظمات الأخرى التي تقدم المساعدة للعراقيين من أجل بناء المؤسسات المدنية·
ولكن يجب ألاّ تتحمل الحكومة الأمريكية كل هذه الأعباء وحدها، ويمكن لكل الأمريكيين من أساتذة ومستشارين إداريين وموظفين في البلديات، المساهمة في ذلك ويجب على المزيد من المؤسسات والمنظمات أن تحذو حذو مركز حل الصراعات الدولية التابع لجامعة كولومبيا الذي يعمل مع قادة المنظمات المدنية في المناطق العراقية التي تعتبر آمنة نسبيا ويجب على النقابات العمالية الأمريكية والجمعيات المهنية والمؤسسات التعليمية والصحافيين ونشطاء حقوق الإنسان والعلماء ومديري الشركات بناء صلات مع نظرائهم العراقيين·
ثمن باهظ
وحتى الآن، لم يقدم الكثير من الأمريكيين الذين عارضوا الحرب يد المساعدة للشعب العراقي بعد انتهاء هذه الحرب· والآن، ولا سيما بعد الانتخابات البرلمانية وفقا للدستور الجديد، فإن الوقت قد حان للتركيز على مستقبل العراق وترك سياسات الماضي جانبا·
إن من شأن استراتيجية تركزّ على بناء مجتمع مدني في العراق، أن تمهد الطريق للتعاون بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ولمشاركة دولية أوسع ولنكن صريحين في هذا الأمر، فإذا لم تتول الولايات المتحدة العبء الأكبر فلن يحدث أي تقدم وقد دفع بعض شركائنا ثمنا باهظا جراء انخراطهم في العراق، الناتو ينشغل بأفغانستان وتواجه ألمانيا وفرنسا وغيرهما تحديا داخليا·
وينظر البعض الى دعواتنا لتركيز الجهود على تحسين الحياة المدنية في العراق من جذورها، باعتبارها غير واقعية وربما مفرطة في مثاليتها، لكن مثل هذه الاستراتيجية تمثل ردا واقعيا على التحديات التي نواجهها نحن وحلفاؤنا العراقيون·
فالمسؤولون العراقيون الذين يتولون مواقعهم وفقا للدستور الجديد، سوف يسعون على الأرجح، الى تعزيز مصالحهم على المستوى الشخصي أو الحزبي أو الطائفي أو الإثني أو القبلي، كما فعل أسلافهم في الحكومات الانتقالية السابقة، وسوف تكون بعض التكتيكات وحشية وسوف تستمر الميليشيات في نشر الخوف وسوف يحاول الإسلاميون إسكات الأصوات العلمانية، وسوف يواصل المتمردون السنة شن الهجمات التي ستثير ردود فعل انتقامية عليها ويجب ألا تكون لدينا أي أوهام بشأن الاحتمالات القائمة للمستقبل·
وفي الوقت الذي نعمل اليوم مع زعماء الأحزاب، فإن جيلا جديدا هو الذي سوف يقرر شكل العراق الجديد، والقوى التي نأمل أن تسود في المجتمع العراقي هي المختص بأدب شكسبير الذي أصبح رئيسا لتحرير صحيفة، والمهندس الذي يقود منظمة تكرس جهودها لنشر الإنترنت بين الطلبة، إن دعم نجاح كل هؤلاء ليس ترفا، بل ضرورة للنجاح الاستراتيجي في المدى البعيد·
ويجب علينا ألا نقلل من شأن تماسك الشعب العراقي أو تعمى أبصارنا عن دروس التاريخ، لقد لعبت آلات النسخ دور سلاح ماض ضد الطغيان السوفييتي في الماضي، وساعدت النقابات العالمية الأمريكية شقيقاتها خلف الستار الحديدي لتصبح قوى مستقلة لقيادة التغيير· وأصبح كاتب مسرحي قبع سنوات طويلة خلف القضبان رئيسا لجمهورية التشيك وعززت المجموعات الشبابية الصربية الانتفاضة السلمية التي أطاحت سلوبودان ميلوسوفيتش· وقد ألهمت صور ذلك النجاح النشطاء في أوكرانيا ودول أخرى·
لقد كانت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس محقة في تركيزها على أن عملية التحوّل السياسي في العراق لن تكون بـ "خط مستقيم" بل إنها ستكون طويلة وشاقة ودموية كما أنها لن تكون مأمونة العواقب· وسوف تواجهنا نكسات كثيرة حتى لو نجحنا في كبح جماح التمرد ولكن العقبة الكأداء التي تواجهنا الآن في العراق تتركز في السؤال ليس متى ننسحب، بل كيف نوسع ونعمّق انخراطنا هناك·
" عن: إنترناشيونال هيرالد تريبيون "