رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 ذي الحجة 1426هـ - 25 يناير 2006
العدد 1712

هناك خيار ثالث بين النصر والهزيمة في العراق

                                                     

 

·         لا وجود لجيش عراقي وطني بل ميليشيات شيعية وكردية

·         قد تظل هناك حاجة لإبقاء قوات أمريكية في الكويت والشمال الكردي

 

* بقلم: زبنغيو بريجنسكي *

"أجهزوا عليهم"·· الرئيس بوش عن المتمردين في العراق في صيف عام 2003·

"التمرد في النزع الأخير"·· نائب الرئيس ديك تشيني في صيف عام 2005·

"هناك خياران أمام بلادنا الآن: النصر أو الهزيمة"·· الرئيس جورج بوش في ديسمبر 2005·

وهكذا، فإن التحولات في خطاب إدارة بوش تتحدث عن نفسها· ومع قليل من الحظ وبعملية مفتوحة لاتخاذ القرار داخل البيت الأبيض، وشجاعة سياسية أكبر من جانب زعماء الحزب الديمقراطي وبتشجيع من بعض الزعماء العراقيين، فإن الحرب يمكن (وينبغي لها) أن تنتهي خلال عام واحد·

وفي الواقع، فإن "النصر أو الهزيمة" هو خيار استراتيجي زائف، فباستخدام هذه الصيغة، يجعل الرئيس الأمريكي شعبه يعتقد أن خياره الوحيد هو "إما البقاء حتى النصر" أو "الانسحاب والهزيمة"· لكن الخيار الحقيقي والعملي هو "مواصلة النهج الراهن دون انتصار" أو الكف عن النهج الراهن دون هزيمة·

فالنصر كما يعرّفه البيت الأبيض وأنصاره، أي ديمقراطية علمانية مستقرة في دولة عراقية موحّدة مع سحق المتمردين على يد القوات الأمريكية بمساعدة القوات العراقية المنضبطة التي تلقت تدريبها على يد الأمريكيين، ليس محتملاً حدوثه·

فالقوات الأمريكية المطلوبة لتحقيق هذا الهدف يجب أن تكون أكبر بكثير من القوات المنتشرة في العراق حاليا، كما أن القوات العراقية التي من المفترض أن تساعد في هذه العملية يجب أن تكون لها حوافز أكبر· فالقوات الأمريكية المنتشرة حالياً في العراق (والتي سيتم تخفيضها عما قريب) ليست كبيرة بما يكفي لسحق التمرد أو وقف النزاع السني - الشيعي· فالمشكلتان تتفاقمان بشكل متزايد في ظل قوة احتلال عاجزة ومكروهة أكثر يوماً بعد يوم·

 

مصلحة مشتركة

 

وبالإضافة الى ذلك، ليس من المحتمل أن يتخلى الأكراد أو الشيعة عن مصالحهما الخاصة من أجل عراق موحّد وذي جيش حقيقي واحد· وكما أظهر الجدل الراهن بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، فإن القوتين المهيمنتين على المسرح السياسي العراقي الراهن وهما تحالف المتدينين الشيعة والانفصاليين الأكراد، تربطهما مصلحة مشتركة تتمثل في الحيلولة دون عودة الهيمنة السنية، ·مع اعتزام كل منهما الاحتفاظ بقوات خاصة من أجل تكريس مصالحهما المحددة والتي تأتي في معظمها على حساب السنة، والحديث عن جيش وطني حقيقي في هذا السياق، ليس سوى خدعة·

إن مواصلة السعي لتحقيق "النصر" بهذا الشكل يحتم على أمريكا دفع الثمن بالأرواح والمال، ناهيك عن تعزيز عداء المسلمين للولايات المتحدة والمزيد من تآكل شرعيتها الدولية وسمعتها الأخلاقية·

وبالمثل فإن تعريف إدارة بوش للهزيمة، مضلل أيضا، فالناطقون الرسميون وغير الرسميين يتحدثون عادة بشكل يعيد الى الأذهان التنبؤات المتشائمة التي تم التعبير عنها لتبعات الفشل الأمريكي في فيتنام، مثل نظرية سقوط أحجار الدومينو وانفجار المنطقة والمهانة التي ستلحق بقوة الولايات المتحدة، وزادوا على ذلك، احتمال أن يعبر المتمردون العراقيون المحيط الأطلسي ويشنوا الهجمات الإرهابية على الأرض الأمريكية،·

والخيار الحقيقي الذي يجب أن تواجهه الولايات المتحدة هو بين القبول بالحقائق العراقية المعقدة لما بعد صدام من خلال فك ارتباط عسكري سريع نسبياً، يشمل فترة انتقالية يتمكن خلالها العراقيون من إجراء الترتيبات السياسية المناسبة·

والخيار الثاني هو احتلال عسكري أمريكي غير كامل ولكن يدوم لسنوات ويجري خلالها السعي لتحقيق هدف ليس واضحا في أذهاننا·

ومن المشكوك فيه أن يستمر التأييد المحلي الأمريكي لمثل هذا الجهد العقيم في ظل شعارات حول كون العراق "الجبهة المركزية في الحرب العالمية على الإرهاب"·

 

ذريعة المقاومة

 

وبالمقابل، فإن من شأن فك ارتباط عسكري بالعراق مع نهاية عام 2006، يستند الى تعريف أكثر واقعية لما هو مطلوب تحقيقه في العراق، يمكن أن يؤدي الى طمأنة الأمريكيين بأن التوقف عن الانخراط لا يرقى الى درجة الهزيمة، ففي عراق يهيمن عليه الشيعة والأكراد - والذين يشكلون معا 75 في المئة من السكان - فإن الشعبين تجمعهما مصلحة مشتركة في استقلال العراق كدولة، فالأكراد يتعرضون في مناطقهم التي تتمتع بحكم ذاتي يتسم بما يشبه السيادة، للتهديد التركي دون وجود الولايات المتحدة، ويرفض شيعة العراق قبل غيرهم من العرب، أن يسيروا في فلك إيران·

وحين يدرك السنة أن الاحتلال الأمريكي يقترب من نهايته وأنهم سيواجهون - عما قريب  - تحالفاً طاغياً من الأكراد والشيعة، فسوف يكونون أكثر ميلاً للتأقلم مع الحقائق السياسية الجديدة، لا سيما حين يحرمون من ذريعة المقاومة ضد قوات الاحتلال الأمريكي·

وبالإضافة الى ذلك، من المحتمل نشر قوات أمريكية في الكويت وفي المناطق الكرددية شمال العراق كضمانة ضد أية اضطرابات مفاجئة قد تحدث· وحين تنسحب القوات الأمريكية من العراق يصبح من الأسهل الحصول على موافقة الدول الإسلامية للمشاركة في قوات لحفظ السلام في العراق - الأمر الذي سوف يساعد في تهدئة المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في المنطقة·

وعلى أية حال، وحين تصبح السياسات العراقية تدريجيا، أكثر تنافسية، فمن المؤكد أنه كلما أصبح القادة العراقيون يعتمدون على أنفسهم وليس على الولايات المتحدة، لتسويغ بحثهم عن السلطة، فسوف يطالبون، هم أنفسهم، بجدول زمني واضح ومحدد للانسحاب العسكري الأمريكي، وهذا أمر جيّد، وفي الواقع، يجب أن نشجعهم بهدوء على أن يفعلوا ذلك، لأن من شأن ذلك زيادة التأييد الشعبي لهم، وفي الوقت ذاته، يتيح للولايات المتحدة القيام بعملية إعادة تعريف هادئة لمفهوم "إنجاز المهمة"·

إن الخطوة الأولى الضرورية لتحقيق هذا الهدف تتمثل بخروج الرئيس من شرنقته السياسية، فعملية صنع القرار لديه وخطاباته هي نتاج لأفكار المحيطين به والذين يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عن حالة الفوضى التي وصل إليها العراق - فهؤلاء لديهم مصلحة خاصة من وضع ذلك التعريف للنصر، وهم يقومون بتعزيز قناعات الرئيس بدلاً من فلترة أحكامه· وربما كان الرئيس بحاجة ماسة لتوسيع دائرة مستشاريه· ولماذا لا يستشير بعض الجمهوريين والديمقراطيين المرموقين ممن لا يسعون لتولي مناصب عامة من أمثال وارن رودمان أو كولين باول أو لي هاملتون أو جورج ميتشيل، في ما يتعلق بتعريف النتيجة ممكنه التحقيق والمقبولة عموما، في العراق؟

وأخيرا، يتعين على القيادات الديمقراطية أن تتخذ مواقف أكثر شجاعة حول العراق· فأولئك الذين يأملون في الوصول الى السلطة عام 2008 لا يرغبون بشكل خاص، في القول صراحة وعلانية بأن إنهاء الحرب في العراق في وقت قريب مرغوب فيه وممكن التحقيق في آن واحد· فهم يخشون أن يتم تصنيفهم بأنهم غير وطنيين· ومع ذلك، فإن تحديد خيار عملي من شأنه أن يشكل تقريعاً فعالاً لأولئك الذين يلهثون وراء "نصر" يتعذر تحقيقه - فالولايات المتحدة بحاجة الى خيار حقيقي في مغامرتها المأساوية في العراق·

 

" عن: واشنطن بوست "

* مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر

طباعة  

الانسحاب العسكري في العراق لا يعني فك الارتباط به!
 
العرب على حق فنحن لا نهتم سوى بأمن إسرائيل والنفط