ألم آخر
قبل فترة قرأت مقالة للشاعر السوري "المتألم دائما" نزيه أبو عفش في جريدة "الحياة"، يرد فيها على الكتاب اللبنانيين، ويعنفهم، وينعتهم بالجبن والدجل والانتهازية والعمالة للغرب، قائلا ما معناه: إن هؤلاء الكتاب "أي اللبنانيين" لم يجرؤ واحد منهم على انتقاد النظام الأمني السوري في لبنان عندما كانوا هناك· وبمجرد أن غادروا كتب هؤلاء عن سورية وعن نظامها· كان بودي لو قرأ شاعرنا الحزين والمتألم كتاب صديقنا محمد أبي سمرا، لعله كان يعدل عن رأيه، ويخجل قليلا من كونه، كسوري، لا يعرف حتى الآن أن هناك في بلده الصامد مشكلة كردية، أو على الأقل مشكلة أكراد، يعيشون مجردين من كل حقوق المواطنة ويعيشون بلا أوراق في بلدهم، يعيشون بطريقة لم تعد ترضى بها حتى البهائم، "مع احترامي الشديد لأبناء شعبي"· ترى لماذا لم يكتب يوما أبو عفش عن هؤلاء، على الأقل من منطلق وطني سوري؟ إما أنه يخاف، وتلك نقيصة، وإما أنه لا يعترف هو الآخر بهم "وتلك عنصرية"، وإما أنه لم يسمع بهم أصلا "وهذا عار عليه"·
طه خليل - "المستقبل"
* * *
ثلاث ورديات عمل
أتسكع في وسط البلد مثل سائح، بعد أن صرت من سكان الضواحي، أتجه الى "مقهى الروضة" وأجلس طويلا برفقة شعراء شباب وسياسيين محبطين، ومفكرين يعملون "على القطعة" في الصحف العربية: راديكاليون هنا، وإسلاميون هناك، ومعارضون هنا، وموالون هناك، على كل حال هم يشبهون سائق التاكسي في العمل على العداد·
جيوبي خاوية، بعد أن تحول دخلي بأكمله الى أقساط شهرية للبنك العقاري· غير أن هذا الأمر لا يهم كثيرا، فأنا أعمل بما يعادل ثلاث ورديات عمل، وفي الصباح أتمتع بمنظر المطر، وأتذكر لحظات سعيدة عابرة، هي مزيج من طفولة بعيدة في قرى مهملة، وسفر وقصص حب غامضة، وشهوات، وانتهاكات، وخوف مزمن مزروع في الخلايا·
ماذا لو كنت في بلد آخر؟ هل سيختلف نصي عما هو عليه اليوم؟ لدي خيال شرير، لكنني أكبحه في لحظة فينزلق الى الحضيض مثل ملاكم من وزن الذبابة في حلبة ملاكم شرس· نعم أنا ملاكم بلا عضلات، بقفازات فضفاضة وصدر مكشوف، أتدحرج ببساطة الى الهامش من دون أن ينتشلني الجمهور·
لدي رسائل سرية على الموبايل، من امرأة تحبني بعنف، ورسائل أكثر جرأة في بريدي الإلكتروني، تحقق لي بعض الإنعاش الحسي والعاطفي·
خليل صويلح - "المستقبل"