
سليم النجار
شغلت القراءة النقدية للرواية الفلسطينية في علاقتها بالتأويل معظم من كتب النقد لهذا الفن داخل المدونة الأدبية، بعد أن أعيد اعتبار القارىء الذي همش لصالح التلقين لفترات زمنية طوال، قام بها العديد من الروائيين الفلسطينيين، بوصفه أحد أبرز العناصر الرئيسية في نقل النص، الإبداعي الى حيز الوجود الإنساني·
وأصبح صوت الناقد الحديث،، في فعالية حيوية من فعالياته، منطلقا من منطقة القراءة داخلا فيها حدود التأويل السياسي·
القراءة وفق هذه المعطيات تقوم على ممارسات ثقافية لها تأثيرها في الحقل الاجتماعي، بحيث إن الفضاء الكتابي، الروائي، السياسي، يبلغ أقصى عدم تماسكه على يد الفعل القرائي المنتج·
بهذا المعنى تتحول القراءة النقدية للرواية الفلسطينية الى نشاط إبداعي سياسي يستكمل الحلقة الأخطر من حلقات الإنتاج النصي، ويملأ الفراغات الاجتماعية العربية التي تم تفريغها بفعل قهر السلطة الثقافية في قراءة نقدية تأويلية تحول النص المنتج، الى نص متخيل يحاكي الواقع الاجتماعي العربي، جاعلا من النص الروائي الفلسطيني رافعة لإشكالية الواقع الاجتماعي العربي·
هذا الفعل النقدي، غيب الفعل الإنساني الفلسطيني في النص الروائي، وأفقد لذة الاكتشاف لما هو فعل ثقافي يتفاعل مع ما هو فعل ثقافي أي بين الواقع الذي يحمل سمة الثقافي والوهم الذي يحمل سمة اللاثقافي·
السؤال هل ثمة حدود فاصلة بين هذه الإشكاليات؟
محمد الأسعد الروائي الفلسطيني وضعنا أمام هذا السؤال في روايته "نص لاجىء: ذكريات القبيلة الضائعة"· وخلق فضاءات اجتماعية متجانسة إلى حد ما، لقي الحقيقة فيها الوهم، وبادل الأدوار بين الفاعل والمفعول به، وإن كان دائما في نصه يركز على المفعول به "الفلسطيني" في تيه الضائع، بين فعل لا علاقة للفلسطيني به، وحال فرض عليه بفعل القوة·
هذا التبادل بين الفعل والحال، جعل من الفلسطيني الذي هجر إلى العراق، حالا غير معقول، وأمرا يستكمل ضرورة المأساة·
وفي ظل تجلي محمد الأسعد في كتابة نصه الروائى "القبيلة الضائعة" بقي الفعل الاجتماعي المحيط بالقبيلة الضائعة يستعيد الجزء الأكبر من قواه الفاعلة والمتداخلة في تشكل نصه من منطقة الفكر النقدي بمحتواه الإنساني لا التجريدي·
"طوال عامين فرض علينا حظر التجوال خارج المعسكر البريطاني الذي يطلق عليه الآن اسم "معسكر الشعيبة"· حول هذا المعسكر كانت تنتشر آنذاك معسكرات أخرى أهمها معسكر لسلاح الجو الملكي البريطاني (RAF) وهذا الاسم الأخير كان أكثر الأسماء التي التقطها اللاجئون تداولا بينهم وسط الصحراء المحيطة بهم لأنه المعسكر الوحيد الذي سمح لبعضهم بالعمل فيه كسائقي شاحنات·· أو خدم"·
ولا شك في أن العينات المختارة التي رصدها محمد الأسعد، لصورة اللاجىء الفلسطيني، تهدف الى تمثيل صوت الروائى الفلسطيني الحديث بإشكالاته وألوانه، وطبقاته ويقصد في هذا التصوير، التميز النوعي في المنجز الروائي الفلسطيني، ربما لا تطابق بالضرورة رؤية الكثير من النقاد العرب الذين تناولوا الرواية الفلسطينية، إنما عينات توضيحية، إن صح التعبير قابلة للمناقشة والحوار في ضوء الوعي الاجتماعي غير المنبهر بزيف الشعارات السياسية المؤدلجة لصالح سلطة القمع·
قد تختلف تباينات ظروف التوظيف وسباقاته وأهدافه باختلاف الأنماط الاجتماعية لدى الروائيين الفلسطينيين، وحسب أولوياتهم التي تشكلت في وعاء سياسي مطحون بفعل الهزيمة التي بدأت منذ عام 1948 ولم تتوقف حتى يومنا هذا·
ولنا أن نرتب رؤية الأسعد للهزيمة الاجتماعية العربية وفق العلامات الواردة في نصه الروائي ضمن منهجية واضحة·
"كان الرجل كرديا من المعزل الذي أعرفه، وكثيرا ما مررت ببوابته الكبيرة، لم يكن من المألوف مصادفة أحد الأكراد في الطريق، ويبدو أنه كان ممنوعا عليهم الخروج من معزلهم كما قيل لي، فكانوا يرسلون بورقهم رجلا منهم لشراء حاجياتهم هو هذا الذي أطلق عليه الخبازون لقب "المجنون"· كانوا سكان كهف بالتأكيد إلا أن رجلهم لم يكن مجنونا، بل كان ذا لسان لا يفهمونه، وهم من لسان لا يفمه،"·
اجتهد الأسعد في استقصائه برؤية شمولية تحسب للخصوصيات الإنسانية في محاولته تبيان التطور الحاصل للقمع السياسي لتلك الخصوصيات والتي لم تكن حكرا على الفلسطينيين· منفتحا في أفقه المنهجي على النظر في الظاهرة بوصفها نشاطا اجتماعيا سياسيا، داخل ظاهرة قمعية أعم وأشمل، مكنت الأسعد من الوقوف على مشاكل الإنسان في العالم العربي، أيا كانت قوميته وعلى هذا النحو منح الأسعد منهجه مرونة كبيرة، ووعيا خصبا، وخيالا إنسانيا لا يقفل الأدوات ومنظومة العمل على طاقة سياسية رياضية مسبقة، ترى الفلسطيني فقط·
يقترح الأسعد نقدا ثقافيا لسؤال منهجي خطير، صوتا روائىا جديدا في المشهد الروائي الفلسطيني يجعل صلته بالنزعة الإنسانية وقابليته على تمثيلها أكثر حيوية ومرارة ومعنى للنص الروائي:
"سيفعل الصهاينة الأمر نفسه في فلسطين حين توافدوا عليها من معازل أوروبا أو مهانة شوارعها ومدنها المتكبرة وأضوائهاالبراقة، فيطلق أحدهم رصاصه على فلاحين فلسطينيين عائدين الى قراهم مساء صارخا "من أجلك يا شو شونا" وشوشانا هذه قد تكون حبيبته التي اغتصبها ألماني أو سحق رأسها أوكراني في معسكر اعتقال ولكن أتى لهذا الذي حولته المهانة الى وحش أن يشعر بالمفارقة وبموقفه الهازل"·
ولا شك في أن سرد الأسعد المستفيض لمعازل الصهاينة، لا يجيب عن هذا التساؤل، مكتفيا بالدعوة الى توجيه الأداة النقدية نحو نقد الخطاب الاجتماعي السياسي الذي أسس للمعازل الإنسانية، من دون تزويد دعوته بالإجراءات والآليات والوسائل التي تضعها موضع التنفيذ الفعلي، والواضح ليس في المشهد الروائي الفلسطيني، بل في المشهد الروائي العربي بشكل عام·
وفي مرايا نصية متنوعة في روايته "القبيلة الضائعة" كشف عن تصورات واجتهادات تتباين في إنجازاتها وحدود إسهامها الحقيقي في تشكل صوت الأسعد الروائي الحقيقي في فضاءاته الاجتماعية المنهجية، وهدف في تنوعه الى إلغاء اللغز السياسي، الذي دفع لبناء معازل اجتماعية في أنساق غير إنسانية تختبىء بشعارات سياسية· ويلاحظ في هذا السياق احتشاد المفاهيم السياسية التي أطلقها الأسعد على صانعي المعازل سواء التي تشكلت في منتصف القرن الماضي أو المعازل التي صنعت في نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، هذا الرمز الذي وظفه الأسعد جيدا لصالح رؤيته المنهجية، جعل من المشهد الاجتماعي الإنساني، يأخذ صفة الفن الكاريكاتوري، أعني اللحظة الهزلية التي تبعث على الأسى والضحك في آن معا·
تحدث الروائي الفلسطيني والشاعر عن الكنعانيين أكثر مما تحدث عن المشهد الاجتماعي الفلسطيني الذي تعرض لتمزيق لا يضاهى كما في العصر الحالي، إلا ما حصل مع الأرمن· وتحدث عن طائر الفينيق، ولم يتحدث عن طائر الجوع الذي خيم على معظم الفلسطينيين الذين تحولوا إلى طيور مهاجرة في العالم تلتقط لقمة الخبز، بينما فعليا حرموا من أي تراكم اجتماعي يفضي الى معرفة، وتحدث عن البطولة، ولم يتحدث عن الهزائم التي تعرض لها الفلسطيني، سواء على صعيد القيم التي حولته الى كائن شبه منبوذ في معظم عواصم الشرق العربي لا لذنب اقترفه بقدر ما هي الظروف الموضوعية التي جعلته في موقف ليس موقفه الإنساني·
تحدث عن شرف الأرض، ولم يتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي يغتصب ليل نهار في صور مختلفة، صورة امرأته التي تغتصب أو انتظاره في مطارات العالم لأشهر كونه لا يحمل وثيقة رسمية تعترف بآدميته!·
تحدث، تحدث وتناسى الفلسطيني الإنسان الذي هو مثل باقي البشر قوي، جبان، بطل، خائن وإلى آخره·
الأسعد في رؤيته للمثقف الفلسطيني يستدعي الآتي المثقل بحلم الأمل من أجل إنسان يعرف معنى هزيمته، فالأمم التي نراها اليوم قوية خرجت من رحم الهزيمة ولعل صورة اليابان وألمانيا وقبلهما فرنسا عرفت معنى الهزيمة، وأقرت بها وهذا هو الانتصار الحقيقي، أن تعرف أنك هزمت ثم تستنهض قواك من أجل الانتصار!·
الأسعد في روايته "نص لاجىء·· القبيلة الضائعة" أنتج وطنا حقيقيا وليس متخيلا، وهذا يدلل على قدرة الروائي على أن يسبح في فضاء اجتماعي رسمه سلفا ليقدم أساسا مفعما بالتجربة الإنسانية، وجعل من هذا الأساس محتوى فضائه· وفي حالة الأسعد تكون روايته تأخذ شكلا هندسيا محدد الأضلاع قائما على ثلاث زوايا، المنهج، والفضاء والمحتوى، وملأ الفراغات بين أضلاع المثلث حاضرا متجددا في عقل ووجدان شعب طالما حرمه مبدعوه من الشعور بإنسانيته!·