· التصدي عسكريا للمتمردين يجب ألا يمنعنا من فتح حوار معهم
· بشار الأسد في أضعف حالاته وربما يكون مستعدا لتقديم التنازلات المطلوبة
بقلم ويسلي كلاركü:
(* المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2004 والقائد السابق لقوات الناتو في أوروبا)
في الوقت الذي وسعت فيه إدارة بوش ومنتقدوها دائرة الجدل مؤخرا حول طول فترة بقاء القوات الأمريكية في العراق، أتيحت لي الفرصة أن أرى هذه المسألة من خلال عيون أصدقاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج·
الدول العربية متفقة على شيء واحد هو أن إيران هي الرابح الأكبر من الغزو الأمريكي للعراق وأن استراتيجية بوش الجديدة والردود الديمقراطية عليها لا تلمسان المشكلة الحقيقية على نحو خطير·
إنه انتقاد شديد لسياسة الولايات المتحدة ولكنه صحيح لسوء الحظ·
ففي الوقت الذي تخوض فيه القوات الأمريكية المعارك ويقتل جنودها في أثناء مواجهة المتمردين السنة والجهاديين الأجانب، حقق رجال الدين الشيعة في العراق أهدافا سياسية مهمة، حيث هيمنوا على عوائد النفط وعززوا دور الإسلام في الدولة وبنوا ميليشيات قوية للدفاع عن مكتسباتهم ودفع قضاياهم في وقت يبدو أن الأمريكيين يخططون فيه للرحيل· وهكذا يرى جيران العراق أنه يتحول الى دولة يهيمن عليها الشيعة وتمثل منطقة إيرانية عازلة لتعزيز قوة طهران في الخليج في وقت تسعى فيه (طهران) لامتلاك السلاح النووي وتصعد لهجتها ضد إسرائيل·
ولا يراعي هذا النهج الأمريكي حقائق التاريخ والسياسة لمنطقة الشرق الأوسط· وكما شرح لي أكاديمي كويتي بارز، فإن السبيل الأمثل للتعاطي مع أعدائك في العالم الإسلامي كان دائما احتواءهم، فلا يمكنك القضاء عليهم جميعا، ولكن بمحاولتك القيام بذلك، فإنك تخلق المزيد من الأعداء· وبدلا من ذلك، عليك إغراؤهم بالانضمام الى المجتمع والحكومة· أما الضغط العسكري فيجب استخدامه ببراعة للمساعدة في عملية الإغراء تلك·
وإذا كانت هذه الجدلية صحيحة، ومن الصعب المجادلة بعكسها، فيجب علينا مواجهة دلالاتها - فالاستمرار في النهج الراهن ينطوي على المجازفة بانسحاب بطيء وباهظ الثمن للقوات الأمريكية من عراق تسوده انشقاقات متزايدة ويتجه للانحياز لإيران - ولكن الانسحاب السريع وفقا لجدول زمني كما يطالب بعض الديمقراطيين، يقلص من قدراتنا في التأثير في نتائج ومخاطر الصراع الإقليمي الأوسع·
إننا بحاجة لإبقاء قواتنا في العراق، لكننا بحاجة أيضا الى تعديل استراتيجيتنا بشكل يتجاوز كل الصيغ التي فكر فيها المسؤولون الأمريكيون حتى الآن·
فعلى الجانب العسكري، يجب أن تفرض القوات الأمريكية والعراقية سيطرة أكبر على المناطق الحدودية ليس فقط مع سورية، بل مع إيران أيضا· فالاستراتيجية الراهنة التي تقوم على تطهير المناطق المحاذية لسورية من المتمردين، ثم نشر قوات عراقية فيها بمساندة من وحدات أمريكية متحركة حققت نجاحا ملحوظا، ويتعين علينا توسيعها خاصة في المناطق الشيعية في جنوب شرق البلاد، حيث يجري تهريب الرجال والسلاح وحيث الاختبار الحقيقي لولاء قوات الأمن·
فنحن بحاجة الى نشر ثلاثة أو أربعة ألوية، أي حوالي 20 ألف جندي مع قدرات متقدمة على الاستطلاع والتنصت الهوائي ولتوفير التدريب والإشراف والمساندة على طول الحدود دون الحاجة الى إغلاقها·
ويجب علينا أيضا، مواصلة العمليات العسكرية ضد معاقل المتمردين وقواعدهم في المناطق السنية، بالتعاون مع القوات العراقية· وقد يتطلب ذلك على مدى عام أو يزيد، 4-6 ألوية مقاتلة إضافة الى قوات احتياط عملياتية قوامها 30 ألف جندي·
ولكن ذلك يجب أن يترافق مع جهود للاتصال بالمتمردين ومحاولة إشراكهم في المجتمع وكسب تعاونهم في التصدي للجهاديين الأجانب، لقد أجرى المسؤولون الأمريكيون والعراقيون اتصالات متقطعة مع المتمردين ولكن يجب أن تقود هذه الاتصالات الى مناقشات أعمق حول قضايا مثل العفو العام عن المتمردين الذين يلقون أسلحتهم ومنحهم الفرصة للمشاركة في الحياة العامة والخاصة على السواء·
ويجب على العراق من جانبه البدء بفرض حظر على الميلشيات المسلحة ولاسيما في الجنوب، وإذا سارت الأمور على نحو مثالي، يجب أن تتم هذه الخطوة بشكل طوعي وبوسائل سياسية· ولكن يجب أن تظل القوة العسكرية الأمريكية جاهزة كملاذ أخير· وينبغي للحكومة العراقية أن تطبق هذا الإجراء خلال عامين·
ومهما كانت قوتنا العسكرية، فإنها لا تغني عن العملية السياسية، وهناك خطوات أساسية لابد من اتخاذها لتحقيق هذا النجاح· أولها: تعديل الدستور بأسرع وقت ممكن· والأهم من كل ذلك يجب الإعلان بوضوح أن العوائد النفطية هي ملك للحكومة المركزية وليس للمحافظات· وثانيا يجب تعديل مفهوم الفيدرالية لاستبعاد فكرة إقامة منطقة شيعية تتمتع بالحكم الذاتي في الجنوب، وهناك حاجة أيضا الى مبادرة واسعة لتقليص التأثير الطائفي داخل مؤسسات الحكومة في المدى البعيد، ويجب أن تعمل الحكومة على ضمان تمثيل منصف لكل الأقليات الدينية والأثنية في الوزارات وأجهزة الأمن وقوات الشرطة والنظام القضائي والمؤسسات الفيدرالية·
ويجب أن نبدأ في الضغط الدبلوماسي على سورية وإيران، والضعف السياسي لبشار الأسد يفتح الباب لتقديم سورية تنازلات مهمة في مجال ضبط الحدود ووقف المساعدات للجهاديين، وعلينا أن نتوقف عن تجاهل التدخلات الإيرانية والدخول مع طهران في حوار من أجل احترام الأخيرة لاستقلال العراق، الأمر الذي سيجعل الحصول على تأييد دولي لنا ضدها إن هي أخلت بتعهداتها أمرا سهلا·
صحيح أن قواتنا منتشرة بصورة خطيرة في العالم، وتعاني من مشكلات في التجنيد والحفاظ على عناصرها، ولكن أضف الى هذه المشكلات شعور بالقلق من أن مواقف إدارة بوش من معاملة المعتقلين قد عرضت ليس فقط سلامة قواتنا، للخطر بل أيضا الدافع الأخلاقي لعملياتنا·
ومع ذلك، فإن شيئا من ذلك لا يستدعي انسحابنا قبل استكمال المهمة، وإن كان بالإمكان تقليص عدد القوات· فهذا أمر ممكن بالنظر الى قدرات هذه القوات القتالية العالية·
إنها مأساة إذا تبين أن إيران ستكون - في النهاية - الرابح الحقيقي من غزو العراق، خاصة أن هذه الدولة تدعم الإرهاب وتعارض كل أهدافنا السياسية في المنطقة· ولهذا السبب، علينا أن نقوم بجهد على مستوى الحزبين الجمهوري والديمقراطي لتغيير نهجنا في العراق قبل فوات الأوان·
" عن: نيويورك تايمز "