رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 4 ذي الحجة 1426 هـ . 4 يناير 2006
العدد 1710

استراحة

غانم الإنسان!

 

                                                                           

 

سليمان صالح الفهد

حرصت على الحضور مبكرا لحفل تكريم هيئة التدريس بجامعة الكويت لأخينا الدكتور "غانم النجار" بمناسبة انتخابه عضوا في لجنة تنسيق الخبراء الدوليين في الأمم المتحدة في حقوق الإنسان·

وصلت إلى مسرح الأستاذ الدكتور "عثمان العبدالملك" رحمه الله، بالشويخ قبل موعد الحفل بثلث ساعة· دلفنا المسرح فوجدته قاعا صفصفا ويصفر فيه ضجيج الميكروفون الذي تجربه ثلة من منظمي الحفل· لأول وهلة شعرت بقلق لظني بأن رواد المنتديات قلة قليلة، فما بالك إذا كان الحفل مجرد كلمات حق تقال في المحتفى به· لكن رؤيتي "للبوفيه" الكامل الدسم الذي يزنر مدخل المسرح أثلج صدري وطمأن معدتي وأزال قلقي وخشيتي من غياب الجمهور· ففي غضون ربع ساعة امتلأ المسرح بمريدي "أبوصقر" وتلاميذه وزملائه وغيرهم·

ولا يظن ظان بأني أزعم بأن المدعوين قادمون من أجل "البوفيه" الشهي- لا سمح الله - كل ما في الأمر أنني مبتلى بمرض السكري، ومحتاج إلى خفايف و"سناك" بين حين وحين وآخر، خشية الجوع·· ومن ثم هبوط نسبة السكري في الدم·

ما علينا، عرفت "بوصقر" مطلع الثمانينات، وتزاملنا في دار "الوطن" أيام عزها، حين كان يرأس مجلس إدارتها الأخ محمد مساعد الصالح، وكان صاحبنا مستشارا للشؤون السياسية· وكنت أزوره في مكتبه المجاور لمكتبي، كلما اشتقت إلى حديثه "الكويتي العتيج" الذي خبرت منه تاريخ الديرة، بمنحى يختلف عن تاريخ البلاد الذي يدرس في مدارسنا ومعاهدنا، وفق "المنهج" المقرر!

الشاهد: أن علاقتي بـ"الكويتي العتيج" قد توطدت بتقادم الأيام في حضن "الوطن العزيز"!

وعرفته عن كثب أكثر إبان الاحتلال· فوجئت به يزورني في منطقة كيفان، حين سمع أننا نصدر (د·بدر الشيباني وثلة من الصحافيين منهم: سعدية مفرح وليلى محمد صالح وغيرهما) نشرة سرية· كان حضوره مغامرة ومقامرة! لكن هكذا "بوصقر" معجون بالإقدام والجسارة والاستجابة لكن أتحدث عن الجدية اللائقة بأكاديمي باحث، كان يمتطي دراجة·· "ملغمة بالمناشير والممنوعات الوطنية: التي تعد في عرف المحتلين جريمة قد تستوجب الإعدام!

وأظن - غير آثم بإذن واحد أحد - أن أبا صقر قد رضع حب الإنسان والانحياز إلى المظلومين مع الحليب الذي كان يرضعه من ثدي والدته! فإذا كان فطم من حليبها·· فإنه - بالضرورة - لم ولن يفطّم من الانحياز إلى حقوق الشعوب والجماعات المغلوبة على أمرها·

في عشية يوم الثلاثاء 27/12/2005  حرصت على التواجد في مسرح الدكتور "عثمان عبدالملك" لحضور الحفل المكرس لتكريم الصديق الأستاذ الدكتور غانم حمد النجار· فحفل كهذا يستحيل علي أن أغيب عنه، أيا كان العذر الذي يمكن أن أتعلل به حجة للغياب!

خبرت "أبوصقر" يعمل بدأب وصمت، ولا يسعى إلى جزاء أو شكور ففعله لوجه الإنسانية فحسب· وهو لا يحتاج إلى شهادتي هذه·· لأني لا أمدحه بما ليس فيه، كما أن فعله ذاته هو الذي يشهد له بحق وامتياز· ولأن الإناء ينضح بما فيه فشهادتي المسطرة في هذا السياق مجرد اغتراف من معينه وورده المترع بحب الإنسان في كل زمان ومكان، الريان بفعل الانحياز لحقوق الإنسان أيا كان·

رب قائل من إياهم - أعضاء حزب أعداء النجاح، وما أكثرهم في ديرتنا - إن شهادتك مجروحة، لأن "بوصقر" صديقك!

أما الصداقة: فأنا أتشرف بها·· لكني أستعير وأقتبس هنا مقولة "أرسطو":

إذا اختلف أفلاطون والحق، وكلاهما صديق، وقفنا مع الحق! ومن هذا المنطلق نسطر هذه الشهادة·

إن المحك الحاسم لمعرفة معدن الإنسان وجوهره، يكون في الأزمات والمحن· وفي محنة الاحتلال الصدّامي لديرتنا الطيبة تجلت مناقب "بوصقر" الوطنية والإنسانية على حد سواء·

ولعله أول مواطن يفكر في الاتصال والتواصل مع الأسرى الكويتيين أو لِنقُل "أسرى الكويت" الذين أسروا في الأيام الأولى من الاحتلال· وأذكر أنه كي يداري عمله الإنساني الوطني أنشأ "شركة" مواصلات وسماها باسم "شركة الإنسان" وهي شركة تسعى - بالضرورة - إلى أن يكسب المرء نفسه، وفي الوقت نفسه كسب الآخرين على حد سواء· كان "أبوصقر" كما هو دأبه، أول من علّق الجرس في عنق المبادرات المكرّسة لمساعدة أسرى الكويت المحبوسين في سجون العراق·· ومن بعده، تواترت القوافل الوطنية المليئة بمشاعر التواصل·· والزاد وجميع الضروريات التي يحتاجها الأسرى في محنتهم· والمؤسف أن فعله الفروسي الإنساني النبيل، لم ينج من التخرصات، والإشاعات، والفريات التي ما أنزل الله بها من سلطان! حيث شرع البعض بالزعم بأن مبادراته الوطنية السالفة الذكر، ليست لوجه الله والبلاد والعباد، بل إنها "دعاية" انتخابية يقوم بها صاحبنا لأنه عازم على خوض انتخابات مجلس الأمة إثر تحرير البلاد!

لكنه·· لم يحفل بهذه الإشاعة وغيرها، بل استمر في عمله الوطني الذي جابه به الاحتلال باستجابات وطنية شتى لا يسمح المجال بذكرها كلها، فضلا عن أنه نفسه لا يرغب في ذلك!

بعد التحرير، أنشأ "بوصقر" وثلة من أصدقائه "جمعية الدفاع عن ضحايا الحرب"· ومن رحم هذه الجمعية، ولدت "رابطة الأسرى والمفقودين"، حيث انضممت إلى هؤلاء النفر الوطني الغيور الذين كرس وقتهم وجهدهم للعمل التطوعي الشعبي الساعي إلى إطلاق سراح الأسرى، ومعرفة مصير المفقودين· وبصفتي أبا لأسير صار الآن في عداد المفقودين الذين نرجو أن يكونوا محتسبين عند المولى سبحانه من الشهداء الأبرار فأتيح لي من خلال العمل بمعية صاحبنا لقضية الأسرى والمفقودين·· أن أتعرف على شخصيته عن كثب أكثر وأكثر·

بداية تزاملنا سوية أعضاء في اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين· وفيها لمست إحاطته المناسبة لقضية "أسرى الكويت" ومنه عرفت بأن نعتهم بـ"الأسرى" و"أسرانا" ليس صحيحا، لأن التسمية الصحيحة هي تسميتهم بـ"المفقودين"· وقال في هذا السياق وأسهب كثيرا، ولا داعي الآن إلى اجتراره درءا لنكء الجراح التي ما برحت تنزف!

وأحسب أن الكثيرين من أصدقائه، حذروه من مغبة التجوال بدراجته الملغومة بالممنوعات، بين المناطق السكنية للكويت المحتلة· وكان من الصعب على إنسان مثله، أن يركن على الهدوء والراحة ليكون بمنأى عن الاعتقال والأسر· ومن هنا تم أسره في الأيام الأخيرة من الاحتلال· ولا أظنه جزع من الأسر وخشي منه·· ولعله وجد فيه تجربة "مفيدة" له·· كإنسان معني بحقوق الإنسان· ولا أزعم هنا أنه كان سعيدا بأسره·· ولكن حين وقعت الواقعة لنا أن نتوقع منه أن يستجيب لمحنة الأسر استجابة الصامد الصابر الراغب في المعرفة الخارجة من رحم المكابدة والمعاناة· وفي هذا السياق: أذكر أني سألته - بعد التحرير وفك قيد أسره - عن أهم ما لفت نظره وآلمه في تجربة الأسر؟ فقال: إن أشد ما لفت نظره في نسيج الحياة اليومية للأسرى والمعتقلين هو موقف مدمني التدخين الذين حرموا من السجاير! فقد كان واحدهم مستعدا أن يفعل أي شيء نظير سيجارة! وساعتها حمد الله كثيرا، لكونه لا يدخن· ذلك أن المعاناة التي يكابدها المدمن المحروم من التدخين تحرضه على أن يكون ذليلا أمام سجانيه· ففي سبيل عدة "مجات" من سيجارة يتيمة يضطر المدمن إلى بوس الأيادي والأقدام والعياذ بالله! وربما يبيع الوالدة ثمنا لسيجارة!

وحين تصدى - وثلة من الأصحاب والمريدين والأصدقاء والمتطوعين - للدفاع عن قضية·· "أسرى الكويت" كان يعرف ويعي معنى الأسر ومكابدته، جراء تجربته السالفة الذكر· إن اهتمامه بقضية الأسرى والمفقودين حريّ بالتقدير والتثمين والإشادة·· على الرغم من أن الرجل نفسه لا يريد جزاء ولا شكورا· حسبه أن يسمع أهالي الأسرى وذوي المفقودين يدعون له في صلاتهم، وقيامهم الليل، وإبان عمرتهم وحجهم، وساعات ذكرهم وتهجدهم في كل مكان وحين·· والدعاء هنا هو غاية ما يبغيه ويتمناه فقط لا غير!

وأحسبني لا أذيع سرا إذا أشرت إلى أن الرجل زاهد في المناصب السامية: سفيرا، أو وزيرا، أو نائبا في البرلمان!

حسبه فعله الوطني والعربي والإنساني الدولي في مجال حقوق الإنسان· وبهذا المعنى كان عضوا في اللجنة الدستورية لمنظمة العفو الدولية، وممثلا للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في الصومال· وفي كل مرة يعرف - أصحابه ومريدوه - أنه ذاهب إلى الصومال لا نخفي جميعا خشيتنا عليه، لكن هذه الخشية لا تتسلل إلى وجدانه، لاعتقاده بأن الأعمار والآجال بيد الله جل شأنه، فضلا عن ظنه - غير آثم - بأنه "قطو - قط - بسبعة أرواح" يهمس بهذه المقولة باسما وتخرج من لسانه من باب الدعابة الساعية إلى طمأنة من يخشون على حياته من الفضاءات التي يتجول فيها ضمن لجان تقصي الحقائق الدولية، والتي عادة ما تكون مدججة بالمخاطر المميتة!

وفي كلمة جامعة مانعة، أن نقول: إن حياة الدكتور "غانم النجار" العملية مكرسة للبحث العلمي والتدريس في الجامعة، وللعمل في أنشطة حقوق الإنسان وطنيا وعربيا ودوليا·

إن السيرة الذاتية (C.V) لصاحبنا يمكن أن تملأ صفحة "فولسكاب" كاملة تدلل كلها على نشاطه، وفعله، وإنتاجه الأكاديمي المباحثي "نسبة إلى مبحث·· لا المباحث الشرطة إياها"· وتوضح تجليات أنشطته، وأفعاله في ميدان حقوق الإنسان·

ومن هنا كان من البدهي أن يتم انتخابه عضوا في لجنة تنسيق الخبراء الدوليين في الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأن ينال الجائزة الدولية لحقوق الإنسان في نيويورك إبان شهر ديسمبر 1991، وأن يترأس لجنة مستشاري مجلس الأمة التي أصدرت أول تقرير كويتي شامل حول أوضاع حقوق الإنسان في دولة الكويت· فضلا عن ترؤسه اللجنة المعنية بإعداد وصياغة مشروع إدماج مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية بالمناهج الدراسية في وزارة التربية الكويتية· وفي المجال نفسه عين خبيرا دوليا لمتابعة التجربة المغربية في إدماج مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية في المناهج الدراسية في مدارس المملكة المغربية الشقيقة·

منذ عدة شهور كتبت هنا مقالة وسميتها باسم "محنة أسرى الكويت: مأساة يجب أن تروى" إذا لم تخني الذاكرة المحتضرة ولله الحمد!

والحق إن أخانا "بوصقر" هو من أفضل الناشطين العاملين في قضية "أسرى الكويت" قدرة وكفاءة وصلاحية، لرواية تفاصيل هذه المحنة الوطنية الإنسانية المأساوية· ذلك لأن روايته وشهادته متكئتان على الفعل والممارسة والتجربة· زد على ذلك أن بحوزته كافة الوثائق التي تسجل مسيرة الدبلوماسية الوطنية الشعبية، المكرسة لفك قيد أسرى الكويت· أقول ذلك كله، ليس من قبيل الثناء والإطراء لصاحبنا·· لا سمح الله بل لأنه - بداية - ليس بحاجة البتة إلى إطراء من قبلي أو غيري·· ذلك أن فعله نفسه، وممارسته ذاتها تشهدان له بكل النعوت والمناقب النبيلة التي يمكن أن يوسم بها·

ومن هنا أيضا أقول بأن العبارات التي تشي بالثناء ليست من جعبة "العبد لله"، فضلا عن أنها ليست مجانية والعياذ بالله· بل هي نسخة "بالكربون" من السيرة الذاتية الحياتية لفعل ونشاط أخينا في العمل التطوعي للأسرى·

وفي هذا السياق: أذكر أني كتبت مقالة في صحيفة "القبس" في منتصف التسعينات نعت "أبوصقر" فيها بلقب "الوالد الروحي لأسرى الكويت" ولست مبالغا - بإذن الله - إذا نعته بهذا اللقب·

طباعة  

10 في المئة من المراهقين الأمريكيين يعــــانون من اكتئاب خطـير
 
الاتحاد الوطني فرع الولايات المتحدة يتبرع لنادي "الأمل" التابع لـ "الثقافية النسائية"