رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 4 ذي الحجة 1426 هـ . 4 يناير 2006
العدد 1710

التنوع الثقافي··· من حقنا جميعا

                                               

 

بقلم أرمان ماتيلار:

غالبية كبرى من الدول وافقت في الشهر الماضي على اقتراح من اليونسكو يسعى الى معارضة معاملة المنتجات الثقافية، كما تعامل المنتجات التجارية مثلما طالبت منظمة التجارة العالمية· والآن من الواجب المصادقة على هذا الاقتراح من قبل ما لا يقل عن 30 دولة، ولا بد من تطبيقه·

في الشهر الماضي أقر مندوبو الدول الأعضاء في اليونسكو خلال مؤتمرها العام معاهدة موضوعها حماية التنوع الثقافي والفني ومنتجاتهما· وتستهدف هذه المعاهدة وضع إطار قانوني لإعلان عالمي بشأن التنوع الثقافي كان قد تم تبنيه بالإجماع بعد 11 سبتمبر 2001 مباشرة· ويواجه هذا الإعلان - بجعله التنوع الثقافي جزءا من التراث الإنساني المشترك - "النظرة الأصولية المنغلقة على الذات" ويقترح قيام عالم أكثر انفتاحا وإبداعا وديمقراطية· ويقف مبدأ التنوع القائم على الحوار بتعمد نقيضا لزعم صاموئيل هنتنغتون بأن صداما بين الحضارات والثقافات أمر لا يمكن تجنبه·

في العام 2001 تحمست كل الحكومات بلا استثناء لدعم مبادئ نبيلة ترفع من قيمة تعددية اختلاف قادرة على جعل العولمة إنسانية· ولكن الاتفاق حول هذا الأمر بعد سنتين لم يكن سهلا حينما تقرر وضع معاهدة بهذا الشأن·

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية مع بضع دول قد مانعت، فهي لم تنس الضربة المزدوجة التي عانت منها قبل عشر سنوات خلال معارضتها الشرسة لمبدأ حماية المنتجات الثقافية، والتي أعيدت صياغتها لاحقا كحماية للتنوع الثقافي وتعزيزه·

وجاءت انتكاستها الأولى في العام 1993 حين عارضت موقف الاتحاد الأوروبي في الجولة الأخيرة للجات في الاورغواي، من الاتفاقية العامة حول التجارة والتعرفة الجمركية التي كانت سلف منظمة التجارة العالمية· وعانت من هزيمة أخرى على يد كندا حين وقعت على اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية في العام 1994· وفي كلتا الحالين تم الاعتراف بالمكانة الخاصة للمنتجات الثقافية، وتم الدفاع في المفاوضات عن السياسات الحكومية، وبخاصة في وسائط الإعلام·

وكانت فرنسا وكندا اللتان لعبتا الدور الرئيسي في صياغة مبدأ استثناء ما هو ثقافي، المحركتين الرئيستين وراء المعاهدة· فقد استنفرت فرنسا البلدان الفرانكوفونية، وأقامت كندا شبكتها العالمية بشأن السياسة الثقافية، ونجحت في الجمع بين حوالي 60 وزيرا للثقافة والفنـــون وعدد كبير من الشخصيات العامة لمناقشة تعزيز مبدأ التنوع الثقـــافي· وفي سبتمبر من العام 2001 في أوتاوا في ولاية كويبك تم توفير دعم مالي لتحـالف دولي بين المنظمــات الثقـــافية المختصة لصالح التنوع الثقافي، بدعم من شبكة واسعة لجماعات ومؤسسات كندية· ويتجاوز مدى المعاهدة الخاصة بالتنوع الثقافي والحفاظ عليه وسائط الإعلام والبث التلفزيوني والإذاعي، الى الطرق المتعددة التي تعبر فيها ثقافات المجموعات والمجتمعات عن نفسها·

وقد تتناول سياسة خاصة باللغة وطرق الاستفادة من معارف السكان الأصليين· وهناك إيمان على صعيد الرأي العام بأن صناعة السينما والبرامج التلفازية والإذاعية تقدم أسوأ الأمثلة على المخاطر الماثلة على التنوع الثقافي في سوق عالمي مطلق العنان· فقد مارست وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن ومؤسسة السينما والأفلام المتحركة التي تمثل وسائط الإعلام الأمريكية العملاقة، ضغوطا على بلدان مثل تشيلي وكوريا الجنوبية والمغرب ودول الكتلة السوفييتية السابقة في المفاوضات حول اتفاقيات التجارة الثنائية· ولقاء تعويضها في قطاعات أخرى، تم تشجيع هذه البلدان على التخلي عن حقها في اتخاذ سياسات مستقلة في مضمار الإنتاج السينمائي·

 

في الطريق الى المعاهدة

لقد استغرق وضع النص النهائي للمعاهدة الذي قدم للمؤتمر العام ثلاثة لقاءات بين مندوبي الحكومات المعنية· وقد سعى واضعو النص الى حل وسط بين موقفين متعارضين، فالأغلبية، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي تدافع عن مبدأ تشريع دولي يؤكد على المعاملة الخاصة، للمنتجات والخدمات الثقافية بوصفها "وسائل تعبير عن الهوية والقيم والمعنى"، وترى المجموعة الثانية التي تقودها الولايات المتحدة وأستراليا واليابان في المعاهدة محاولة للحفاظ على سياسات الحماية في قطاع يجب أن يكون مفتوحا للتجارة الحرة·

وتقع وجهات نظر متفاوتة بين هذين الطرفين النقيضين، بما فيها وجهات نظر عبرت فيها بعض البلدان عن الخشية من أن مبدأ التنوع قد يعرض الوحدة الوطنية للخطر· هذه المعاهدة تضع قواعد تحدد حقوق وواجبات الدول كما جاء في المادة (5) التي تنص على أن "الأطراف الموقعة تعيد التأكيد على حقها السيادي في صياغة وتطبيق سياساتها الثقافية، وتبني إجراءات لحماية وتعزيز تنوع التعابير الثقافية، وتدعيم التعاون الدولي من أجل تحقيق أهداف هذه المعاهدة"· وتعتبر السيادة هنا عماد الهيكل القانوني التي تعني أن على أي دولة، بغض النظر عن أخطاء الماضي، لن تكون قادرة على تعريف وتحديد الكيفية التي ترتبط بها المعاهدة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية الأخرى، وهذا أمر مهم إذا أريد من المعاهدة أن تكون مرجعا ساري المفعول مشروعا في الخلافات المستقبلية· والصياغة النهائية للمادة رقم (20) بالغة الأهمية، فهي تؤكد على أن العلاقة بالمعاهدات الأخرى ستكون على هدى "الدعم المتبادل والتكامل لا التبعية·· وستأخذ الأطراف الموقعة في اعتبارها شروط هذه الاتفاقية في حالة تفسير وتطبيق المعاهدات الأخرى التي هي طرف فيها، أو حين تدخل في التزامات دولية أخرى"· وتجعل المادة رقم (21) التشاور والتنسيق مع المنابر الدولية الأخرى عنصرا أساسيا في تطبيق المادة رقم (20)· وتلعب المنابر الدولية الأخرى دورا حاسما في مصير التنوع الثقافي· إن تقويض ما ينظم الخدمات السمعية والبصرية والثقافية موضوع موجود على جدول أعمال الاتفاقية العامة لمنظمة التجارة العالمية حول المتاجرة بالخدمات استعدادا مؤتمر ديسمبر الوزاري في هونج كونغ، ومنظمة الملكية الفكرية العالمية معنية بتزايد الاحتكار الخاص للمعرفة والتعليم الذي يحرم الإنسانية من مصادر الخلق والإبداع·

إن أكثر نقط المعاهدة ضعفا ربما هو عدم وضعها احتياطات كافية من الأدوات والعقوبات في حالة خرقها· ولم تكن واضحة أيضا في النص على كيفية تسوية الخلافات·

المبادئ الهادية

تغطي مبادئ هادية معينة مفهوم السيادة، مثل احترام حقوق الإنسان، ومساواة الثقافات كلها في الأهمية والكرامة، والتضامن الدولي والتعاون، وتكامل الجوانب الاقتصادية وتكامل جوانب التنمية الاقتصادية والثقافية والنمو المستدام، والتوازن والانفتاح والتناسب· وتنص المواد من رقم 14 الى رقم 19 من أجل دعم هذه المبادئ و"معاملة تفضيلية للبلدان النامية" على إنشاء صندوق دولي يدعم التنوع الثقافي وتساهم فيه طوعا قطاعات خاصة وحكومية·

وكان بإمكان واضعي بنود المعاهدة استخدام تجارب مشروعات مماثلة في الماضي استخداما أفضل· وأكثر الأمثلة وضوحا أعمال قمة مجتمع المعلومات التي نظمتها هيئة أخرى من هيئات الأمم المتحدة، أي اتحاد الاتصالات الدولي، وقد عقدت دورتها الأولى في جنيف في العام 2003، والثانية في تونس في نوفمبر 2005· وكانت قمة مجتمع المعلومات قد واجهت صعوبة في تحريك الموارد الحكومية في الدول الصناعية الكبرى من أجل تمويل صندوق التضامن الرقمي للتغلب على عدم تكافؤ فرص استخدام شبكة الإنترنت· ولكن اتضح أيضا أن المؤسسات الخيرية التي يرعاها عمالقة تقنية المعلومات من أمثال شركة "مايكروسوفت، ستحقق مكاسب في حالة ملئها للفجوة التي لم تعتن بها الحكومات·

تنوع وسائط الإعلام!

وتحتوي الصياغة الأخيرة للوثيقة على إشارتين الى التنوع في وسائط الإعلام، الأولى تؤكد على أن "حرية الفكر والتعبير والمعلومات كما تنوع وسائط الإعلام يمكن المنتجات الثقافية من الازدهار في المجتمعات"· وتتضمن الإشارة الثانية "إجراءات تستهدف تعزيز تنوع وسائط الإعلام، بما في ذلك استخدام وسائل الخدمات التلفازية والإذاعية الحكومية" وأشكال تدخل أخرى· إلا أن الوثيقة لا تبذل أي محاولة لإيضاح ما تعنيه بتنوع وسائط الإعلام·

ولا توجد إشارة الى موضوعات حساسة مثل تركز ملكية وسائط الإعلام في أيدي قلة· وسبب ذلك ربما خشية واضعيها من استفزاز الولايات المتحدة الأمريكية التي تساهم بما نسبته %20 من ميزانية اليونسكو، ولم ترجع الى اليونسكو إلا في العام 2003 بعد أن كانت قد خرجت منها في العام 1984 ردا على مطالب بلدان غير منحازة لها بالمزيد من التبادل المتوازن أساسه نظام معلومات واتصالات دولي جديد· وقد يعكس هذا أيضا الانفصال في المهمات بين أقسام آلية بيروقراطية كبيرة مثل اليونسكو· في السبعينات، ترافق الخلاف حول السياسة الثقافية مع مناقشة سياسة الاتصالات، وهما اهتمامان رئيسيان لصناعة وسائط الإعلام متمفصلان مع الضغط باتجاه تركز مالي واقتصادي أبرزه سوق دولي·

وركزت اللجنة الدولية لدراسة مشاكل الاتصالات التي عينها مدير اليونسكو العام أمادو مهتار، وترأسها شين ماكبرايد الحائز على جائزة نوبل للسلام، على الحوار بين الثقافات والنمو المتناغم مع التنوع والاحترام المتبادل· وجمعت هذه اللجنة أعضاء متنوعي الاهتمامات، بدءا من مؤسس لصحيفة اللوموند، الى الروائي الكولومبي غارثيا ماركيز· وكان تقرير ماكبرايد الذي صادق عليه مؤتمر اليونسكو في العام 1980 ونشر تحت عنوان "عالم واحد وأصوات عديدة"، أول وثيقة تتناول انعدام التوازن الدولي في مضمار تدفق المعلومات تنشره منظمة دولية· وقد شرحت هذه الوثيقة الضرورة الملحة لأخذ موضوع حق الاتصال في الاعتبار، بوصفه تعبيرا عن الحقوق الاجتماعية الجديدة·

والآن ومع الموافقة على المعاهدة، رغم عدوانية الولايات المتحدة الأمريكية، ستكون قاعدة أساسية، وسيكون على اللاعبين في القطاعات الخاصة والعامة التلاؤم مع متطلباتها· وهذا هو سبب الأهمية البالغة المعلقة على انخراط اللاعبين الجدد، وعلى ضمان تطبيقها، وتوسيع حدودها· ففي الوقت الذي اكتسب فيه واضعو المعاهدة دعما لفكرة أداة قانونية، فإن تحالفا واسعا هو الذي ساعد على رفع وعي الحكومات وشجعها على دعم المشروع·

وقد جلب الحراك الوطني والدولي طيفا واسعا الى المشروع من منظمات مختلفة بما في ذلك ممثلي المجتمع المدني والحركة المناوئة للعولمة، بالإضافة الى جماعات وطنية من المختصين في وسائط الإعلام·

وجمعت كل هذه التجمعات خيوط المناقشات التي مهدت للمعاهدة ولأفكار أخرى جاءت بمناسبة مناقشات قمة مجتمع المعلومات، مؤسسة بذلك لأرضية مشتركة بين مطالب حقوق الاتصالات وقضايا التنوع الثقافي وتنوع وسائط الإعلام، أي تنوع مصادر المعلومات، والتعددية في ملكية هذه الوسائط ووضعها في المتناول، ودعم خدمات وسائط الإعلام المستقلة الحرة والعامة، وأظهرت الهيئات المختصة، وهي تستمد قوتها من تحالف 30 دولة نشأ في أقل من أربع سنوات، أنه من الممكن الجمع بين العمل في الثقافة والعمل على تعزيز الحقوق المدنية من دون الغرق في الدفاع عن مصالح لهذا الطرف أو ذاك·

* لوموند دبلوماتيك - نوفمبر 2005

طباعة  

القدرات الروحية·· ذكاء من نوع ثالث
 
الاغتيال الوحشي يضع حداً لحضارة المايا