ترجمة الألم
نشمي مهنا
"أيها البلد·· أنا أهديك الموت" - ناديا تويني
لم أكن أعرف أن ناديا هي والدة جبران، كنت أقرأ لها فقط، مجرة شعرية ماتت منذ عقدين· كنت أكتفي أنها تنقلني الى ما لا خبرة لي به، ولا اطلاع، ليست الخنساء ولا وصف الميّت، ليست أدونيس ولا مشاغبة الموت، ليست وديع سعادة، ولا أبو ماضي في تأملاته، وليست السياب في بكائياته، ولا أبو عفش وتشخيص أشباحه والتوابيت، ليست جمال بو دومة في نثر قطار الموت وصفيره، ليست مثل أحد، ليست مثل أي شاعر·
السياسة تعلمنا ما لا حاجة لنا به، معلومة تفيض عن حاجاتنا الشعرية كقرّاء· الشعر بلا نسب، والسياسة تفاصيل وربط واستنتاج، كلها غير ضرورية - أو قد تبدو غبية - لربط الشعر بدم الأرض·
الشعر وحده ولوحده جسد مغرور بمفاتنه·
يحسن أن يبدع ويغري ويقول: اقرأوني·
اقرأوني بلا تويني، ولا جبران، حتى ولا أنا·
ناديا، أتخيلها شابة مارونية جميلة - كما قالت لي الصور· لا صورة لناديا على فراش الموت السرطاني، ولا لقطة لها في أيامها الأخيرة· ماتت طازجة كعروسة مزفوفة لأمير الفرح·
جبران كذلك، مات في نضارته وعنفوان نهاره، أخوه مكرم مات بلياقة تكابر طيش الموت فاصطدم به· أختهما أيضا·
(هل كانوا ينفذون وصايا الأم؟!)·
عائلة ضفرت حياتها بحياة الأم الشاعرة، واختارت وسائلها، حتى جبران، اختار ووّقت مجيء القناص·
الآن، لا تهم قراءتي لسيرة العائلة، ولا اكتشافي نسب ناديا للبيت الدرزي العتيق، ولا أخوّتها لسياسي أراقب خطواته المنتحرة·
أحب ناديا·· ويكفي، وأحب نبوءاتها:
أن نتعلم بعيوننا كيف نغفو في الحلم،
ولكن أن نعرف كيف لا نخيف الموت·
أن نخترع الماضي،
حتى لا نخشى عياء قد يصيب الأرض·
وبعد،
كل نهار أرى النهار يغرق!
هل أجرؤ، فأقوُّلها: "النهار" يغرق·
لم تقصد شيئا مثلما ذاك الذي في بالي· لأنها المبدع الوحيد (ذات الشاعرة ملتبسة لا تذكّر ولا تؤّنث) الذي لم يكتب ولم يصف ولم يتأمل ولم يبك الموت·
ناديا تويني·· صارعت وحش الموت القادم، وأمسكت بأنيابه، فهزمته بالفضح وانتقم منها (الموت) بالموت·
(كنت كتبت مثل هذا، من قبل، لا أتذكر متى، لكن رأيي فيها وحقيقتها لا يتغيران)·
السؤال التقليدي أن أسأل عن غسان، بعد كل هذا الزحام من المآسي· وسأسأل كتقليدي: ماذا عن وجع هذا الجبل؟!
جاءه ابنه مكرم قبيل عيد الميلاد الى باريس، فاقتنصه الموت بحادث· عاد جبران قبيل عيد الميلاد الى بيروت فاقتنصه الموت بحقد الراصد·
هل أسجّل هنا سبقا شخصيا بكشفي مواعيد الموت على الأوراق الأخيرة لرزنامات السواد؟!
هل أترجم ألم الجبل الصامت وأفتح فهرس الوفيات؟!
لو كنت مكانه، لم تبق مني صخرة، هل هذا ما كنت أعنيه؟!
هل أفضح سريرة الأب الحنون؟!
هل أنتظر عينيّ غسان تويني تدمع على الشاشات لأتيقّن من عمق الطعنة؟!
بعد كل هذا·· هل أفصل مجرة ناديا وأضيع بها، وأقرؤها كما هي ناديا، الشاعرة ناديا تويني، دون ربط اسمها بالابن المغدور، ولا بالزوج المفجوع المكابر (نعم المكابر) لأحزانه·
هل سينجو نص ناديا تويني في المرات المقبلة في قراءاتي من جبران وغسان، ومن الدم والمتفجرات والرعب، ومن حزني الشخصي الثقيل، ومن خيالي الواسع الذي يصوّر لي حركة قناصي فرح الأعياد في ممر جبلي ضيق مؤد الى "النهار"؟!·
ناديا، زوجة الألم وأمه، هذي التي لا تخاف الموت، صارعته، وجاءت به، وكانت الأجرأ في القبض على رقبته، وسحب جثته تحت طاولة مستطيلة· هذي التي لم تصفه، ولكنها قالت: ها هو تحت أشعة (x)، لا تخافوا (قالت لابنها: لا تخف، وقالت لزوجها: لا تهن ولا تحزن)، وقالت لنا:
من كل جهة يطل قلبي على المدينة ومدفن العظام/ لما الشرق الليلي/في سلطانه العذب/ يجد بالكلمات طريق الصمت/ الذي اسمه الحربي هو صخب·
سأغمر الشمس وجولتها بالحياة/ لأن أرضي من خزف·
أكون أو لا أكون، وفق ندم قديم·
لأجسادكم شكل عالمين/ على رقبة الدب الأكبر·
أيها البلد أنا أهديك الموت·
nashmi22@hotmail.com