
كتب المحرر الثقافي:
آخر أخبار صدام حسين·· قصيدة·
عندما يبلغ الجنون أقصى مداه، لا يفكر صاحبه بتبرير الجرائم ولا الدفاع عن تاريخه، ولا تفاصيل الكوارث، لكنه ينقل لنا ما "أوحى له" من سماوات "المرض"·
صدام حسين خلال محاكمته سرّب قصيدة الى هيئة الدفاع، مفاجأته هذه لم تكن أسرارا خفية من حكمه يحاول بها كمحاولة أخيرة النجاة من حبل مشنقة قادمة، ولا وثائق دفاع، ولا هي شخبطات روايات كما عوّد قراء "عظمته"، لكنها هذه المرة قصيدة، بعدما قال للوسيط إنه بات مغرما بقراءة أبي الطيب والشعر الجاهلي، بعضنا العربي يعرف أنه "جاهلي" يعيش في عصور بطولات واهمة، بعضنا ما زال يتابع مسرح المحاكمات، ويأمل في نجاته من بعد كل هذه الدماء العراقية·
العراقيون وحدهم يعرفون أنه مريض، وأن القاضي القانوني عليه أن يترك كرسيه لطبيب نفسي خبير، ويقولون إن مثل هذه القصيدة وثيقة مهمة للتدليل على أن هذا "الرجل" الذي سفك فراتا من الدم مشغول في كتابة قصيدة ركيكة كحكمه·
هل يعقل؟!
في قصيدته المنشورة في "القدس العربي"، وفي حالة مرضية نكوصية يتلبس صدام صورة إله، يتخيل، ويُهيأ له، ويكتب بلا حياء، بعدما سأله القاضي وفق الإجراء القانوني عن اسمه، فيقول:
ما اسمك تسأل وأنت بالعرف أضعف
من لا يعرفه من شعبي غوي لعين
فتظلم حقوقنا (···)
فهل الرجال والنساء اللعين
وكدروا السماء وكذا الهوا
فكان الريح من فعلهم (···)
حتى تأخر عن فرحته شعبنا فهمو
فعرته وجوعته وذلته السنون
فجئناه نسمة غمرنا الرافدين
فذهب الشك وقد حل اليقين
وقد كانت لقمة العيش عسيرة
فزادها متسع متعا ميمون
وفي لا وعيه، أو وعيه كذات محاصرة لا بد لها أن تبحث عن النجاة وتعدّد أوهامها فيقول:
فأنشأ مصانع بأيد عراقية
وهو حلم ما كانت تغزوه ظنون
وكنا لفلسطين راية حق
يكره عنا الرايات ملعون
فثارت بحور السم من حولنا
واستنفر العمق الدفين
ولكنها لم تهتز عنها قائم
منا النفط ومنا السيف مسنون
يظل الخطاب واحدا، فلسطين والبطولة والفروسية وآماله بهزيمة المحتل:
فواجهت السكين سلاحنا وأرادت
ناو كان ضدنا الكيد مجنون
وكل يرى الحق الى جانبه
وكل متعلق في ذاك مفتون
فثارت عقوب الخيل غبارا
ولم يكن ضعيف فيها ومسكين
كل علي أوتي (···) بقدرته
وليس الشر فيهم ضنين
كالوا فطفحت عن كأسها إرادة
أرادها الله على باطل ملعون
فكأن الحال بين كر وفر
وقد صدي الوغي فأسندته سنين
ففازت الصقور في جولة الردى
يعرف حقيقتها الغرب والصين
خطاب الله، والدين، والملاذ الأخير، يردده هنا كخطاب إعلامي تلفزيوني (يتخيله)، أو يتخيل في سجنه أن تعمم هذه القصيدة، وتثير النفوس "المتفرجة"، وتثوّر الشعوب العربية، وهو بالأساس مرض على شكل قصيدة، أو طفل محموم يهذي:
فثبتنا الله وثبت القدرة
وخالقها قبل ذاك المعين
وها نحن فيها بعد ستة عشرا
والفوز بالحق لنا مبين
رايتنا بيضاء ولونها دمنا
وسواد سهام القلب العدا قطين
الله أكبر تعلي أهلها
ويظهر بها الحق ثمين
ولكل حالة عمر يتآكلها
ويفعل الزم فعل قطين
وقد مرت أمام جفوني صفوفهم
وكانوا الأعز فيها ضعين
صبرنا وهو استعداد وسجية
ولو طلبتها مينا الحق يبين
حبنا بعد الله يعرفها شعبنا
الآن وقبل وفي الوضوح عيون
فضيحة القصيدة ليست بركاكتها، ولا بضرورة خجل كاتبها، ولا بادعائه القدرة على كتابة منزلة، لكنها "زر" يكشف عن ذات متضخمة مريضة، وملهمة بما نجهل، مما يؤكد أن "الروايات" التي كتبها قبل سقوطه لم تكن عبثا لكنها ثقة طاغية تريد أن تصطدم بقدرات·
ذات أرادت إنزال الإلهي الى أرض العراق، وحبسه في قصر الرئاسة، وعلى مقاس صدام حسين، بعدها يهون في وعيها كل دم مسفوك وكل نفس منذورة لاسمه، وأي شعب ضحية·