د· عبدالرزاق المضرب *
تدخل دولة الإمارات عصرا جديدا من عصور المشاركة الديمقراطية، حيث سوف يتم تنظيم انتخابات برلمانية للمرة الأولى في تاريخ الإمارات، في نوع من الموازاة مع إعادة ترتيب الأوضاع والنظم وإعادة تأهيل الهياكل الحكومية الاتحادية القائمة·
فقد قرر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في الذكرى "34" لعيد الاتحاد بدء تفعيل دور المجلس الوطني عبر انتخاب نصف أعضائه من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع، وتعيين النصف الآخر من خلال مسار متدرج منتظم· إنها لحظة تاريخية: عندما يتحول المجلس الوطني الاتحادي من مجلس استشارات إلى مجلس تشريع·· والإعلان عن الشرعية بالمشاركة الديمقراطية·
ويمكن القول إن هذه الخطوة تأتي في إطار الموجة الثالثة للديمقراطية التي يمر بها العالم كله، هذه الموجة التي شرحها عالم السياسة الأمريكي "صمويل هنتنغتون" والتي اجتاحت العالم منذ ثورة البرتغال (1894)، وبدأت من جنوب أوروبا في أمريكا اللاتينية·
ثم شرق آسيا (كوريا وتايوان والفلبين وماليزيا وإندونيسيا)، ثم شرق أوروبا (مع انهيار الاتحاد السوفييتي)، ثم إفريقيا وجنوب الصحراء، ولم يبق من مناطق العالم الرئيسة أمام هذه الموجة إلا الوطن العربي، وقد بدأت معظم أنظمتهم تغازل البدائل الديمقراطية قولا في بعض الدول، وفعلا في بعضها الآخر·
ومن هذه الدول التي تأخذ التحول الديمقراطي مأخذ الجد والفعل الحقيقي، دولتنا الاتحادية· لكن السؤال المطروح دوما هو: كيف، ومتى، وبأي ثمن؟ وهل يتم التحول تدريجيا أم دفعة واحدة؟
والأمل هو أن يكون التغيير والتحول الديمقراطي مع مطلع القرن الـ "21" وأن يكون تدريجيا، وسلميا· وهذا ما حدث في القرار الأخير بشأن تفعيل دور المجلس الوطني عبر انتخاب نصف أعضائه من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع، وتعيين النصف الآخر من خلال مسار متدرج منتظم، وهو القرار الذي أصدره صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه·
وتتبين أهمية هذه الخطوة التاريخية أكثر إذا رجعنا إلى الوراء قليلا، فمنذ التجربة الديمقراطية للكويت ثم البحرين لاحقا في منطقة الخليج، لم تشهد المنطقة تخطيطا واعيا للتحول الديمقراطي الطوعي، يقوده رأس النظام الحاكم، بقدر ما يوجد في دولة الإمارات·
ففيها تشكل منذ البداية مجلس وطني اتحادي عام 1971، تنفيذا لأحكام الدستور، والمجلس يمثل السلطة الرقابية والتشريعية الفعلية للبلاد أو هكذا ينبغي أن يكون لأنه في الواقع كان مجرد مجلس استشارات·
ويتكون من "40" عضوا، تعينهم الإمارات، موزعين حسب الثقل النسبي للإمارات التي يتشكل منها الاتحاد، ولم ينص دستور الاتحاد على أسلوب معين لاختيار ممثلي كل إمارة، وإن كان ذلك يتم بالتعيين من حاكم كل إمارة، حتى صدور القرار التاريخي الأخير، ومدة العضوية في المجلس سنتان قابلتان للتجديد·
وظل الباب مفتوحا لكل إمارة أن تعتمد الانتخابات أسلوبا لاختيار ممثليها في المجلس الوطني الاتحادي، ولهذا الأخير كل الاختصاصات التشريعية المتعارف عليها في برلمانات العالم "سواء كان يمارسها أم لا"، ما عدا طرح الثقة في الحكومة، وما دامت القوانين التي يقرها تعتمد من رئيس الاتحاد في النهاية·
ولكن النقلة النوعية في هذا المجلس أتت في الذكرى "34" لعيد الاتحاد لتجعله متميزا عن كل مجالس الشورى الصورية، والأقرب إلى البرلمان المنتخب، حيث بموجب هذا القرار سوف يتم اختيار نصف أعضاء المجلس في الوقت الحاضر من خلال آلية ديمقراطية حرة لم تتضح معالمها بعد·
إن الديمقراطية هي طريق الشرعية وهي أيضا طريق الإصلاح، وهذا ما اختارته حكومتنا الاتحادية وهذا ما اختاره الشعب الإماراتي، وهي بهذا ترفض البدائل التي تلجأ إليها الأنظمة الاستبدادية للسيطرة على الشعوب، وهذه البدائل هي البطش السياسي، أو الإغراء المالي أو الشرعية بالمشاركة المناصفة "إن لم تكن العادلة أو المتساوية" في الثروة والسلطة·
كما أن الديمقراطية هي بديل ارتضت دولتنا الاتحادية أن تسير إليه، إن الشرعية بالمشاركة الديمقراطية هي أفضل السبل لحماية شرعية السلطة، وهي أفضل من الحماية الأجنبية التي تلجأ إليها بعض أنظمة الحكم في دول أخرى، فالحماية الأجنبية هي - أولا - مستفزة لكثير من القوى المحلية والإقليمية، ويتم مقاومتها، حتى بوسائل تدخل في باب الإرهاب·
وهي - ثانيا - مكلفة، وتستنزف الموارد المحلية، إذا تم دفع هذه التكلفة من ميزانيات البلدان الطالبة للحماية الخارجية وهي تثير المعارضة في دولها "الكونغرس أو مجلس العموم" لأن دافع الضرائب في مثل هذه المجتمعات الديمقراطية هو الذي يتحمل العبء في النهاية·
وفي كل الأحوال فإن هذا الأخير من خلال تنظيمات المجتمع المدني في بلاده "التي تراقب وتحاسب" يتساءل عن معنى ومغزى تحمل أعباء إنسانية ومادية لحماية أنظمة غير ديمقراطية· ومن هنا فإن الشرعية بالمشاركة الديمقراطية أفضل من أي شرعية مستقلة من بدائل أخرى، وهذا ما أدركته القيادة السياسية في دولة الإمارات·
إننا نتأمل حالنا اليوم، وحالنا منذ نصف قرن، فنرى البون شاسعا والفارق ضخما، ففي الماضي قبل التحرر من النفوذ الأجنبي في سواحل الخليج والجزيرة، وقعت بريطانيا مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات مع مشيخات وسلاطين تلك المنطقة، وأصبحت بريطانيا هي القوة الأوروبية المهيمنة·
وفي عدد من الحالات عينت مندوبا ساميا مقيما في بعضها أو مستشارين واعتمدت بريطانيا على هذه المناطق أساسا كمحطات تموين وبريد في شبكة مواصلاتها واتصالاتها· كما اعتمدت عليها بشكل ثانوي، كمنافذ تجارية، بتعيين وكلاء محليين لشركاتها المتزايدة·
وفي المقابل خف النزاع بين الأسر الحاكمة في كل هذه المناطق، كما خف التحدي لها من الأسر والقبائل المنافسة، وكانت الفئة التالية المستفيدة هي فئة كبار التجار، التي عوضتها انجلترا عن خسارتها لطريق التجارة الطويلة، بإعطائها توكيلات تجارية لشركاتها في تلك المناطق·
فيما عدا ذلك لم تفعل بريطانيا شيئا يذكر لتطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل هذه المشيخات، ولم تهتم بإنشاء أي مرافق أو خدمات لأهلها، وحين تركت بريطانيا هذه المناطق في الستينات والسبعينات فمن القرن "20"، كان بعضها بلا مدرسة ثانوية، ناهيك عن معاهد وكليات جامعية، لذلك كانت بلا كوادر بشرية مدربة للاضطلاع بأعباء الإدارة والخدمات والإنتاج·
هذا قبل التحرر من النفوذ الأجنبي، أما الآن فالمشهد صار مختلفا: مرافق عامة وخدمات، تعليم وصحة، إرادة مستقلة، قرار سياسي حر، وتحول ديمقراطي تدريجي لكنه واعد·
توجد بعض السلبيات هنا وهناك، لكن الإصلاح كفيل بالقضاء عليها، مع إصدار كل الأصوات الحرة، وموضوعية قلم كل المثقفين الوطنيين، وعزيمة صلبة تسعى للتقدم والحرية الكاملة، ونوايا صادقة من القيادة السياسية، تلك النوايا التي لا يشك فيها أي وطني مخلص· وقد جاء القرار التاريخي الأخير دليلا إضافيا على ذلك·
ونظرا لأن هذا القرار تاريخي بكل معنى الكلمة، فإننا نتوقع أن يكون له آثار متنوعة على الحياة السياسية والاجتماعية·
ولا شك أن لهذا القرار متطلبات، ولابد أن تتبعه خطوات عديدة أخرى· وهذا ما سوف نتناوله في مقالات قادمة بإذن الله تعالى، لا سيما فيما يتعلق بالدستور الاتحادي·
* منسق أكاديمي - جامعة الإمارات