
كتب زايد الزيد:
قبل "نهار" واحد من مناقشة مجلس الأمن التقرير الثاني للمحقق الدولي في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري ديتلف ميليس، وفي طريقه الى جريدته "النهار" اغتيل جبران تويني·
وفي يوم الاغتيال الدنيء، رشحت معلومات عن مضمون التقرير الثاني للجنة ميليس كان أبرزها: اتهام مسؤولين سوريين بالتورط في الجريمة، ووصف تعاون سورية مع اللجنة بأنه "محدود"، ودعوة سورية لاعتقال المسؤولين السوريين المشتبه بهم·
ترى ماذا كان سيكتب جبران عن "تداعيات" التقرير لو كان وصل إلى "النهار"؟!
جبران كتب في مقاله الأخير في "النهار":
"أما الإعلام الحر الذي يريد لنفسه أن يكون منبرا للرأي العام، ومراقبا ومحاسبا للحكومات، وملتقى للحوار والتفاعل بين الأفكار السياسية والثقافية، فهو مصدر خطر مباشر على النظام السوري، ومطلوب إسكاته بأي ثمن· ما يجعلنا نتذكر اغتيال الشهيد سمير قصير ومحاولة اغتيال الشهيدة الحية مي شدياق؟!"·
هل كان جبران يدرك أنه "الآتي"؟!
في يوم الاغتيال البشع قال جنبلاط عن الجريمة: "إنها رسالة من قبل النظام الإرهابي الذي يجاورنا" رابطا ذلك بحديث الرئيس السوري بشار الأسد لمحطة روسية يوم الأحد الماضي حين قال: "إذا ما تعرضت سورية الى عقوبات فإن الاستقرار سيتزعزع في الشرق الأوسط"·
قبل جريمة اغتيال جبران ضاقت الدنيا بما رحبت على "القتلة" (قتلته وقتلة رفاقه الحريري وحاوي وقصير)، وتكدست "الملفات" الصعبة / الخانقة: "تقرير ميليس الأول - المقابر الجماعية في عنجر - الأسرى اللبنانيين - الإفراج عن المعارضين السوريين - تصاعد أصوات النقد والمعارضة في دمشق - تحركات الأكراد··" ·· فما العمل··؟!
إن المنطق "المريض" والمهووس بالدم يقود الى ما جرى في 12/12/2005!!
الشهيد جبران تويني لا يستمد أهميته من كونه فقط رئيس تحرير الصحيفة العربية الأهم، أو حتى من كونه نائبا في البرلمان اللبناني في هذه المرحلة التاريخية، فالأهمية الكبرى للشهيد جبران أنه قاد ووالده و"النهار" راية المعارضة للوجود السوري منذ اتفاق الطائف وهذا ما ميز الشهيد جبران عن كثيرين غيره· لا ينتقص هذا "التميز" من أقرانه الشهداء لكنه حتما يعلي من قدر الشهيد جبران·
فقبل أربعة عشر عاما حينما كان الحديث في لبنان عن تخطي جندي سوري للقانون في لبنان جريمة لا يجرؤ أحد على "ارتكابها"، كان جبران يهاجم النظام السوري في دمشق ليؤسس حجرا في بناء استقلال لبنان، وحينما كانت ضمائر الإعلاميين والصحافيين تباع وتشترى في سوق "كنعان"، كان جبران النموذج "الأنظف"، وحين توارى عن الأنظار "المعارضين الخائفين" كان جبران يشق الصفوف بشجاعة باسلة·
جاء قرار 1559، فتجرأ "البعض" والتفوا حول جبران، فالأخير جاهز دائما لإعلاء كرامة لبنان·
جاءت جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، الرئيس الذي تحمّل تبعات السياسة وتجرع من ورائها الإهانات الشخصية وتحملها من أجل رفعة لبنان وكرامة أبنائه لاعتقاده - مخلصا - أنه سيصل بلبنان الى بر الأمان، فهادن من أجل لبنان، وسخرّ ماله ووقته وجهده، ولم يكتشف إلا قبل النهاية الدامية بقليل أن لا طائل من وراء كل ما قدّم، فالخصم (خصم لبنان) مستبد جشع·
وحين زلزل اغتيال الحريري لبنان، تلفت اللبنانيون حولهم بفزع، وأول من تذكروا: جبران، فالتف الجميع حوله، فكان البطل "المنتظر" لهذه الحقبة الحرجة· وقاد اللبنانيين بجرأة انعكست على الجميع بدءا بالقوى السياسية وانتهاء بالناس العاديين، فحاصرت قيادته "القتلة"، وتحرك العالم لنصرة شعب نظم صفوفه لتحرير ذاته، بقيادة دفعت بجبران لتصدرها بعفوية، وكأنها كانت تنتظره·
واليوم، ليؤمن الجميع أن دم جبران ودماء رفاقه الذين سبقوه التي أهدرت في لبنان، ستبني لبنان الحرية "والكرامة والشعب العنيد" ولن تضيع قطرة···
·· هكذا يقول التاريخ·