
· أمريكا عليها مسؤولية وقف دعم سياسات التمييز العنصري التي تنتهجها إسرائيل
· نوري السعيد جمد أرصدةاليهود وسحب جنسياتهم تنفيذا لأوامر الحركة الصهيونية
· بن غوريون رفض كتابة دستور للدولة لأن "حدودنا هي أينما يصل جيش الدفاع"
· بن غوريون تعهد بمساعدات مالية للعراق إذا سحب نوري السعيد الجنسية من اليهود
· رئيس وزراء العراق اجتمع سرا ببن غوريون في فيينا عام 1948 لمناقشة الحاجة لتبادل السكان بين البلدين!
نعيم جلعادي:
يقول إليكسيس دي توكوفيل إن "من الأسهل على العالم أن يتقبل كذبة بسيطة من أن يتقبل حقيقة معقدة"· ويبدو أن العالم وحتى العالم العربي - الى حد ما - تعامل بهذا المنطق مع الصراع العربي الإسرائيلي، وتبنى عددا من الأكاذيب الإسرائيلية تاركا الحقائق المعقدة لهذا الصراع لنخبة من المؤرخين·
الكذبة الأولى، وفقا لنعيم جلعادي الذي تكتسب شهادته أهمية كبيرة ليس لكونه عراقيا يهوديا، بل لأنه شارك في صنع الحدث من خلال انتمائه للحركة الصهيونية السرية، إن سكان فلسطين خرجوا من ديارهم طواعية ودون إكراه، والحقيقة - كما يرويها جلعادي - أن الصهاينة لجؤوا الى منع الفلسطينيين من العمل في مزارعهم من أجل كسب قوت يومهم، ثم قاموا بتسميم مصادر المياه والآبار وتوجوا هذه الأساليب بالطرد الجماعي للسكان بقوة السلاح·
والكذبة الثانية، أن الدول العربية وخاصة العراق قامت بطرد اليهود· والحقيقة أن الحركة الصهيونية "أقنعت" يهود الدول العربية بالهجرة الى فلسطين بالحيلة تارة وبتفجير القنابل في تجمعاتهم، تارة أخرى·
ويروي جلعادي كيف تآمر زعماء الصهيونية والمسؤولون البريطانيون، بتواطؤ من عبدالإله ونوري السعيد على تهجير يهود العراق الى فلسطين·
أما الكذبة الثالثة، فهي الترويج الى أن إسرائيل ظلت على الدوام ترغب في السلام بينما ظل العرب، وخاصة مصر عبدالناصر، يريدون الحرب وإلقاء اليهود في البحر! والحقيقة، أن الزعماء العرب ما انفكوا منذ قيام الدولة العبرية، يحاولون كسب ودها وإرسال المبعوثين الذين يحملون رسائل السلام لها بالسر والعلن، وكانت إسرائيل ترفض هذه العروض باستمرار·
ويذكر جلعادي كيف كان عبدالناصر يرسل المبعوث تلو المبعوث لبن غوريون للبوح برغبته بالسلام، بينما كان رد بن غوريون شن الحملات الإعلامية التي كان يصف فيها عبدالناصر بـ "هتلر الشرق الأوسط"! وما أشبه الليلة بالبارحة، حيث تتسابق الدول العربية على التطبيع ويتبنى العرب - مجتمعون - مبادرة سلمية مع إسرائيل (على اعتبار أن السلام خيارهم الاستراتيجي) ثم لا يجدون سوى التجاهل· وكذا كان حال ياسر عرفات والقادة الفلسطينيين الذين كلما قدموا التنازلات نبذتهم إسرائيل وأعلنت أنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام···
نداء الى اليهود
الى كل أبناء صهيون الذين يعيشون في بابل:
للمرة الثانية في تاريخ الشتات اليهودي، تتاح لنا الفرصة للمغادرة، ونحن نشجعكم للإسراع في المغادرة، فاليهود اليوم يعيشون مرحلة جديدة من تاريخ الشتات، لقد حان الوقت للرحيل····
المجرمون الحقيقيون
أولا: زعماء الصهيونية:
منذ البداية، كانوا يعلمون أن من أجل إقامة دولة يهودية، كان يجب طرد سكان البلاد الأصليين من الفلسطينيين إلى الدول الإسلامية المجاورة واستيراد اليهود من هذه الدول·
" تيودور هيرتزل: يعتبر مهندس الصهيونية الأول، والذي كتب في مذكراته في 12 يونيو 1885 أن المستوطنين اليهود "يجب أن يلهموا السكان المعدَمين في الدول المجاورة من خلال تأمين فرص العمل لهم في الدول المجاورة وحرمانهم من ذلك في بلادنا"·
" فلاديمير جابوتنسكي: اعترف جابوتنكسي الذي يعتبر المثل الأعلى الأيديولوجي لرئيس وزراء إسرائيل الأسبق بنيامين نتنياهو، صراحة بأن ترحيل السكان العرب لم يتأت إلابالقوة·
" ديفيد بن غوريون: أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل· في عام 1937 أبلغ مؤتمرا صهيونيا بأن أي دولة يهودية "يجب أن تقوم بترحيل السكان العرب خارج المناطق، بإرادتهم إذا أمكن، وإلا فبالقوة"· وبعد اقتلاع 750 ألف فلسطيني من أراضيهم ومصادرة هذه الأراضي خلال عامي 48 و1949، كان على بن غوريون أن ينظر إلى الدول الإسلامية لاستجلاب اليهود الذين يمكنهم ملء الشواغر في سوق العمل الرخيص· وقد تم، من أجل هذا الغرض، تهريب "البعثات" إلى تلك الدول من أجل "إقناع" اليهود بالمغادرة إلى إسرائيل بالحيلة أو بالتخويف·
وفي حالة العراق، استخدمت الحركة الصهيونية كلتا الوسيلتين· وقد تم إفهام اليهود غير المتعلمين أن إسرائيل الطوباوية بانتظارهم، حيث الأعمى يبصر والمشلول يمشي والبصل بحجم البطيخ· أما اليهود المتعلمون فلم يجدوا سبيلا لجذبهم سوى تفجير القنابل بهم·
وقد نشر كتاب في العراق بعد التفجيرات بوقت قصير، أي في مطلع الخمسينات، باللغة العربية بعنوان "سم الأفعى الصهيونية"· وكان المؤلف واحدا من الذين شاركوا في التحقيق في تفجيرات 50 1951، واتهم في كتابه الإسرائيليين، وخاصة مردخاي بن بورات الذي أرسلته إسرائيل إلى العراق، بالوقوف وراء التفجيرات التي استهدفت اليهود·
وما إن نزل الكتاب إلى الأسواق، حتى اختفت كل النسخ منه، وقيل حينها إن عملاء الموساد الذين كانوا يعملون من خلال السفارة الأمريكية في بغداد، اشتروا كل النسخ وأتلفوها·
وقد حاولت في ثلاث مناسبات مختلفة الحصول على نسخة من الكتاب بأن يرسله لي أحدهم إلى إسرائيل بواسطة البريد، ولكن في كل مرة كانت الرقابة الإسرائيلية تصادر الكتاب·
ثانيا: الزعماء البريطانيون
لقد تصرفت بريطانيا دائما، وفق مصالحها الاستعمارية· ولهذا أصدر وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور وعده الشهير عام 1917 مقابل دعم اليهود لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى·
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، كان الهم البريطاني ينصب على الحفاظ على الدول الموالية لهم في المعسكر الغربي، بينما كان الهم الأساسي للصهاينة يتركز على هجرة يهود أوروبا إلى فلسطين، حتى لو تطلب ذلك التعاون مع النازيين (وقد وثقت في كتابي حالات مختلفة من هذا القبيل من قبل بن غوريون وزعماء صهاينة آخرىن)·
وبعد الحرب العالمية الثانية وضعت رقعة الشطرنج الدولية الشيوعيين في مواجهة مع الرأسماليين· وفي الكثير من الدول، ومن ضمنها الولايات المتحدة والعراق، كان اليهود يمثلون جزءا كبيرا من الحزب الشيوعي·
ففي العراق، كان المئات من أبناء الطبقة العاملة يحتلون مواقع رئيسية في الهيكلية القيادية للأحزاب الشيوعية والاشتراكية· ومن أجل الحفاظ على الدول الحليفة لها في المعسكر الغربي، كان ينبغي على بريطانيا التأكد من تولي السلطة في هذه الدول زعماء موالين لها· وإذا ما أطيح بهؤلاء الزعماء - كما حدث في العراق - فإن أعمال العنف المناهضة لليهود قد تكون مفيدة في توفير ذريعة لغزو مثل هذه البلدان وتنصيب زعماء موالين في هذه الدول·
وبالإضافة إلى ذلك، كان يعتقد البريطانيون أنه إذا ما أدى ترحيل كل اليهود في العراق إلى إسرائيل، إلى القضاء على النفوذ الشيوعي هناك، فلم لا يتم القيام بذلك، لا سيما إذا شارك زعماء إسرائيل والعراق في هذه المؤامرة؟
ثالثا: زعماء العراق
كان الوصي على العرش عبدالإله ورئيس وزرائه نوري السعيد يتلقيان الأوامر والتعليمات من لندن· وفي نهاية عام 1948، بدأ نوري السعيد الذي التقى رئيس وزراء إسرائيل بن غوريون في فيينا، بمناقشة الحاجة لـ"تبادل" السكان مع مساعديه البريطانيين والعراقيين، حيث يقوم العراق بإرسال اليهود إلى فلسطين بحافلات عسكرية عبر الأردن ويستوعب العراق بعض الفلسطينيين الذين طردتهم إسرائيل من ديارهم· وتضمن اقتراحه "مصادرة متبادلة" للأراضي في البلدين، لكن لندن وصفت الفكرة بأنها راديكالية·
ولجأ نوري السعيد بعد ذلك إلى خطة بديلة وبدأ يخلق الظروف التي تجعل حياة اليهود العراقيين بائسة كي يرحلوا إلى إسرائيل· فقد طرد اليهود العاملين في الحكومة من وظائفهم، وحرم التجار اليهود من رخص الاستيراد والتصدير، وبدأت الشرطة العراقية باعتقال اليهود لأتفه الأسباب· ومع ذلك لم يهاجر يهود العراق بأعداد كبيرة·
في شهر سبتمبر 1949، أرسلت إسرائيل الجاسوس مردخاي بن بورات إلى العراق· وكان أول شيء فعله بن بورات هو الاتصال بنوري السعيد والتعهد بتقديم حوافز مالية للعراق إذا ما أصدر قانونا يسحب بموجبه الجنسية العراقية من اليهود·
وبعد وقت قصير من بدء الصهاينة وممثلين عن العراق في صوغ مسودة هذا القانون، وفقا لما أرادته إسرائيل عبر عملائها في العراق، أقر البرلمان العراقي هذا القانون في مارس 1950 والذي خوّل الحكومة العراقية إصدار تأشيرات خروج لمرة واحدة لليهود الراغبين بمغادرة البلاد· وفي شهر مارس بدأت التفجيرات التي استهدفت اليهود·
وبعد ستة عشر عاما، نشرت مجلة "هعولام هزيه" (هذا العالم) الإسرائيلية، مقالة لعضو الكنيست آنذاك يوري أمنيري اتهم فيه بن بورات، الذي أصبح فيما بعد عضوا في الكنيست، بالوقوف وراء تفجيرات بغداد، لكن الأخير نفى تلك الاتهامات، لكنه لم يرفع أي دعوى قضائية ضد المجلة· ولكن يهود العراق ظلوا يطلقون عليه لقب "مراد أبو القنابل" (ومراد هنا هي اختصار لاسمه الأول: مردخاي)·
فرص السلام
بعد الهجوم الإسرائيلي على قرية قبية في شهر أكتوبر 1953، اعتكف بن غوريون - طواعية - عن العمل السياسي ولجأ إلى كيبوتي سيدا بوكر في النقب· وكان حزب العمل آنذاك ينظم رحلات في حافلات للناس الذين يرغبون بزيارته هناك حيث كان يعمل في تربية الماشية· ولكن ذلك لم يكن سوى من أجل الاستعراض، ففي الواقع، كان يعكف على كتابة مذكراته بينما كان يلعب دورا نشطا في السياسة الإسرائيلية من وراء الكواليس، وقد ذهبت لزيارته ذات يوم·
وقيل لنا آنذاك ألا نحاول التحدث مع بن غوريون، ولكن حين رأيته سألته، لماذا لا تمتلك إسرائيل دستورا، طالما أنها دولة ديمقراطية وفيها برلمان؟ فرد علي بن غوريون قائلا: "انظر أيها الفتى، (كان عمري آنذاك، 24 عاما) إذا وضعنا دستورا، علينا أن نحدد فيه حدود الدولة، وهذه ليست حدودنا يا عزيزي"· فسألته: "إذن أين هي حدودنا؟"· فقال: "أينما يصل جيش الدفاع"·
فضيحة لافون
لقد أبلغ بن غوريون العالم أنه قبل بقرار التقسيم وأن العرب رفضوه، وحينذاك أخذت إسرائيل نصف الأراضي التي كانت مخصصة لقيام الدولة الفلسطينية، ومع ذلك كان يقول إن ذلك لم يكن كافيا، وإن إسرائيل بحاجة إلى المزيد من الأرض· فكيف يمكن لدولة أن تحقق السلام مع جيرانها وهي تخطط للسيطرة على المزيد من أرضهم؟ وكيف تطالب دولة بأن تكون آمنة إذا لم تفصح عن الحدود التي تريدها للدولة؟ فالسلام لن يكون في مصلحة دولة كهذه·
إنني أعرف أن العديد من الزعماء العرب سعوا لتحقيق السلام منذ البداية مع إسرائيل، لكنها كانت ترفض على الدوام· وقد تمكن بن غوريون من إخفاء مواقفه هذه باللجوء إلى الدعاية· لقد قال إن العرب يريدون إلقاء إسرائيل في البحر ووصف جمال عبدالناصر بأنه هتلر الشرق الأوسط الذي يريد تدمير دولة إسرائيل· وكان يريد لأمريكا وبريطانيا أن تعاملا عبدالناصر كزعيم منبوذ·
في عام 1954، بدا لإسرائيل أن أمريكا أصبحت أقل انتقادا لعبدالناصر· وخلال ثلاثة أسابيع انفجرت العديد من القنابل في مصالح أمريكية بالقاهرة والإسكندرية في شهر يوليو منذ ذلك العام· وفشلت محاولة لتفجير سينما في الإسكندرية، حين انفجرت القنبلة في جيب أحد المجرمين· هذا الحادث أدى إلى الكشف عن أن الإرهابيين لم يكونوا من المصريين المناهضين للغرب، بل عملاء إسرائيليون يريدون تعكير العلاقات المصرية الأمريكية فيما أصبح يعرف بـ"فضيحة لافون"·
وكان بن غوريون لايزال يعيش في كيبوتس النقيب، وكان رئيس الوزراء موشيه شاريت يتصل بعبدالناصر من خلال مكاتب السفير البريطاني في القاهرة اللورد موريس أورباش وقد طلب·
وقد طلب شاريت من عبدالناصر أن يتخذ جانب اللين في التعامل مع الجواسيس الإسرائيليين الذين تم إلقاء القبض عليهم، وقد فعل عبدالناصر كل ما في وسعه للحيلولة دون تدهور الوضع بين البلدين·
ثم عاد بن غوريون وزيرا للدفاع في شهر فبراير 1955، وفي وقت لاحق من هذا العام هاجمت القوات الإسرائيلية معسكرات للجيش المصري ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في غزة مما أدى إلى قتل 54 شخصا وإصابة العشرات بجروح· وفي نفس ليلة الهجوم، كان اللورد أورباش في طريقه لتسليم رسالة إلى عبدالناصر، لكنه لم يتمكن من الوصول بسبب العمليات العسكرية· وحين اتصل أورباش بالهاتف، أبلغه سكرتير الرئيس عبدالناصر أن الهجوم يثبت أن إسرائيل لا تريد السلام وأنه يضيع وقته في الوساطة·
في نوفمبر، أعلن بن غوريون في الكنيست أنه يرغب في لقاء عبدالناصر في أي وقت وفي أي مكان من أجل السلام والتفاهم· وفي صباح اليوم التالي، هاجم الجيش الإسرائيلي معسكرا للجيش المصري في منطقة الصباحة·
وبالرغم من شعور عبدالناصر بالتشاؤم إزاء فرص السلام مع إسرائيل، واصل محاولاته عبر الوسطاء، تارة من خلال لجنة الصداقة الأمريكية، وأخرى من خلال رئيس وزراء مالطا دومنتوف، وثالثة من خلال الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروس تيتو·
وكان من بين المحاولات الواعدة، تلك التي كانت من خلال رئيس تحرير صحيفة "التايمز" اللندنية، دينيس هاملتون· فقد أبلغ عبدالناصر، هاملتون أنه لو جلس مع بن غوريون لثلاث أوأربع ساعات لأمكنهما حل الصراع وإنهاء حالة الحرب بين البلدين· وحين وصله هذا الكلام، رتب بن غوريون للقاء هاملتون، وقررا المضي قدما في بحث الموضوع من خلال السفير الإسرائيلي في لندن آرثر لوريا· وفي رحلة هاملتون الثالثة إلى القاهرة، التقاه عبدالناصر وتسلم منه نسخة من خطاب بن غوريون الذي يقول فيه إن إسرائيل لن تتخلى عن شبر واحد من الأرض وأنها لن تقبل بعودة لاجئ فلسطيني واحد إلى أراضيها·
وكان يدرك هاملتون أن هذا الموقف من بن غوريون أضعف مساعيه السلمية وأضاع فرصة لحل الصراع العربي - الإسرائيلي·
حتى إن عبدالناصر أرسل صديقه إبراهيم عزت من مجلة روز اليوسف للقاء زعماء إسرائيليين من أجل استكشاف الأجواء السياسية ومعرفة جواب من إسرائيل، لماذا تقع الهجمات إذا كانت إسرائيل فعلا تريد السلام؟
ومن بين الشخصيات التي قابلها عزت، كان يغال يادين، وهو رئيس أركان سابق للجيش الإسرائيلي الذي كتب لي الرسالة التالية في الرابع عشر من يناير 1982:
"عزيزي السيد جلعادي:
رسالتك ذكرتني بحدث كدت أنساه ولا أذكر منه الآن سوى القليل من التفاصيل·
لقد جاءني إبراهيم عزت بناء على طلب وزارة الخارجية - على ما أذكر - أو أحد فروعها، وقد مكث في منزلي وتحدثنا لعدة ساعات· ولا أذكر أنه قال إنه جاء بمهمة كلفه بها عبدالناصر، ولكن ليس لدي شك في أنه أوحى بأن عبدالناصر كان يعلم بتلك المهمة وأنه أعطى موافقته عليها··"·
هتلر الشرق الأوسط
وحين قرر عبدالناصر تأميم قناة السويس بالرغم من معارضة البريطانيين والفرنسيين، أعلن راديو القاهرة باللغة العبرية، أنه إذا لم تتأثر الحكومة الإسرائيلىة بالإمبريالية البريطانية والفرنسية، فإن ذلك سيقود إلى تفاهم أكبر بين الدولتين، وسوف تدرس مصر طلب إسرائيل أن يكون لها منفذ على قناة السويس·
وردت إسرائيل بأنها لا تضمر شرا لمصر، ولكن في اللحظة ذاتها، كان ممثلون لإسرائيل في باريس يخططون للعدوان الثلاثي على مصر الذي حدث بالفعل في شهر أكتوبر 1956·
ومع ذلك، ظل بن غوريون يتحدث عن هلتر الشرق الأوسط· وقد استمرت عملية غسيل الأدمغة تلك حتى أواخر سبتمبر 1970 حين توفي جمال عبدالناصر· ثم حدثت معجزة المعجزات حين أبلغ بن غوريون الصحافة أنه استقبل مبعوثا من عبدالناصر قبل أسبوع فقط من وفاته· "وكان هذا المبعوث قد طلب مني لقاء عاجلا لحل المشكلات العالقة بين العرب وإسرائيل"·
وقد فوجئ الرأي العام العالمي حيث إنه لم يكن يعلم بأن عبدالناصر كان يرغب بالسلام طوال الوقت وأن إسرائيل كانت تخرب كل هذه الجهود·
ولم يكن عبدالناصر الزعيم العربي الوحيد الذي أراد صنع السلام مع إسرائيل، بل كثيرون غيره· فقد أرسل عبدالكريم قاسم قبل وصوله إلى السلطة في يوليو 1958، وفدا إلى إسرائيل يطلب عقد اتفاق سري معها·
بل إن بن غوريون رفض مقابلة مبعوث قاسم· وقد علمت بذلك حين كنت أعمل صحافيا في إسرائيل· ولكن كلما كنت أحاول نشر شيء من هذا القبيل، كانت الرقابة توقفه·
والآن، ها هو التاريخ يعيد نفسه، حيث يشيع قادة إسرائيل رغبة زائفة بالسلام، لكنهم في الواقع لا يريدون مثل هذا السلام، لأنه ليس في صالحهم·
ويفعلون مع الزعماء الفلسطينيين، ما فعلوه بعبدالناصر وغيره من القادة العرب الذين أبدوا رغبتهم بصنع السلام مع إسرائيل· إنهم يشوهون سمعة خصومهم من القادة الفلسطينيين في أنظار العالم الغربي كي يقولوا لهم: "انظروا ليس هناك شريك لنا في السلام"!
خاتمة
لقد كتب أليكسيس دي توكوفيل ذات يوم يقول: إن من الأسهل على العالم أن يتقبل كذبة بسيطة من حقيقة معقدة· ومن المؤكد أنه كان من الأسهل على العالم أن يتقبل الكذبة الصهيونية التي تقول إن اليهود أخرجوا من البلاد الإسلامية بسبب العداء للسامية وأن الإسرائيليين هم الذين يسعون للسلام وليس العرب·
ولكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، فالقوى الكبرى هي التي كانت تحرك الأحداث·
وأعتقد أن تلك القوى يجب أن تتحمل مسؤولية ما اقترفته من جرائم، ولاسيما حين شاركت - عن قصد - في ترويع وتشريد - وقتل الأبرياء لدوافع أيديولوجية·
وأعتقد أيضا، أن الأجيال الراهنة تتحمل مسؤولية أخلاقية عن الجرائم التي اقترفها الأسلاف، وعليها تعويض الضحايا وأحفادهم، وذلك لا يتأتى بدفع التعويض المادي، بل بتصحيح الأخطاء التاريخية التي وقعت في هذا السياق·
ولهذا السبب أنشأت لجنة تحقيق في إسرائيل لتعويض يهود العراق الذين أجبروا على المغادرة تاركين ممتلكاتهم في العراق· ولهذا السبب أيضا، انضممت إلى مجموعة "الفهود السود" لمواجهة الحكومة الإسرائيلية بشأن المظالم التي يتعرض لها اليهود المنحدرين من بلاد إسلامية· ولهذا السبب، ألّفت كتابي ونشرت هذه المقالة، أي تصحيح الأخطاء التاريخية التي ارتكبت ضد الأبرياء سواء كانوا عربا أو يهودا·
فنحن اليهود المهاجرين من الدول الإسلامية لم نغادر هذه البلدان بسبب عداء طبيعي بين اليهود والمسلمين·
ونحن العرب - وأقول العرب لأن هي اللغة التي نتخاطب بها أنا وزوجتي في المنزل - سعينا للسلام في مناسبات عديدة مع الدولة العبرية· وأخيرا، دعوني أقول - كمواطن ودافع ضرائب أمريكي - إننا، نحن الأمريكيين، بحاجة لوقف دعمنا للتمييز العنصري في إسرائيل ولسياسة مصادرة الأراضي الفلسطينية والعربية في الضفة الغربية وجنوب لبنان وهضبة الجولان·
المصدر: COURTESY THE LINK
VOLUME 31, ISSUE 2
" APRIL_MAY,1998"