رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 12 ذو القعدة 1426 هـ - 14 ديسمبر 2005
العدد 1707

رجل نظيف

                                                                           

 

كلّفها الحفاظ على حدود الشكل واللون التي تتوقف عندها أنظار الناس طويلا· فبعد عودتها منهكة يوميا من كلية الهندسة قاطعة طرقا طويلة بحافلات النقل الداخلي، تسرع إلى منزل "أبو محمد اللحام" الذي يقع على بعد مسير متعثر متعرج بين حارات حي "القزازين" الضيقة، لتعطي وحيده درسا خصوصيا في مواد الصف الثالث الابتدائي·

لطالما تساءلت إن كان الأمر يستحق المكابدة والعناء، لكن سعادة والدتها باللحم الطازج، ومحفظتها التي توقفت عن خذلان متطلبات أنوثتها الفتية منتصف الشهر، شكلت مبررات كافية لتتحمل كل شيء·

كعب حذائها الدقيق ينحشر في فجوات الدرب الوعرة التي حفرت فيها الأمطار مستنقعات موحلة مفخخة بالمفاجآت، ونزقها الأشقر يحثها تسرع حيث لا تحبّذ الخطوات المتهورة، فتعود يوميا ببقع تلوث أناقتها المكلفة·

أم محمد تستقبلها بـ"الأهلين والسهلين" وتودها بـ"الله يحمي شبابك، الله يبعثلك رجّال نظيف"· وتفرد أمامها أصناف الفاكهة الموسمية والحلويات، في حين لا يستغرق الدرس أكثر من ساعة واحدة تكاد تكتب بنفسها جميع واجبات التلميذ ذي الشعر الكثيف والحواجب المتصلة، أما أن يفهم، فقد يئست من ذلك· والأم سعيدة بوحيدها وبمعلمته الشقراء الجامعية تتسلى بحضورها اليومي، تثرثر، وتوافقها على كل ما تقول· أما هي فتنتظر المال الذي تتقاضاه عن ساعة تدريس ثقيلة، تمضي قاطعة صبرها طولا وعرضا·

تضحك سرا كلما باغتتها المرأة بدعائها القلبي الصادق: "روحي الله بعدي اسمه يبعثلك رجال نظيف"· كانت تشتم رائحة قلب يعسعس احترقه الدفين مع كلمات المرأة البيضاء القصيرة المعجونة ككرة ثلجية·

حتى ذلك الحين لم تكن قد التقت بأبي محمد أسطورة حي القزازين الذي رزقه الله بولد بعد خمس "عشرة" سنة تزوج خلالها بامرأتين لم تنجبا له ولي العهد ولكن أم محمد التي تحمدالله دوما على أنها الثالثة الثابتة وأنه جل وعلا نظر في وجهها، لأنها ليست "وجه بهدلة"، رزقها محمد لتمنح رجلها لقبه وفخره أخيرا·

كانت أم محمد تعانقها موعدة ملصقة خدها الوثير بخدها، وتقبلها مع شمة وضمة، مذيّلة ودّها بعبارتها المعتادة، عندما فاجأهما أبو محمد "اللحام" شخصيا مهللا مستبشرا بالصدفة الحسنة التي جمعته بالمعلمة صاحبة الفضل على ابنه وعليه، بادرها· بينما أدهشها، وهي العود الرقيق، أن تشاهد هذه الكتلة الضاحكة المتنقلة من اللحم، الملطخة بالدم، التي تفوح منها رائحة الذبح· دخل عرضا من الباب "الواطئ" لداره الشعبي فتركتها أم محمد وتدحرجت لملاقاته بالأهلين والسهلين· والرجل الذي كان يبدو مسرورا بملاقاتها مد يدا بضة مدهنة وصافحها مربتا بالأخرى على كتفها بحركة شهامة، وأمام رفضها الصامد ضد دعوته لها للدخول مجددا احتفاء بلقائهما، حلف إلا أن يوصلها إلى رأس الحارة حتى لا يتحرش فيها "شباب القزازين الزعران"·

كان الجو خانقا عبقا مطبقا، أحست بنفسها مقلوبة رغما عنها رأسا على عقب في هذا الوضع الجديد· كنعجة معلقة إلى خطاف بعد سلخها دون رحمة، تنزف حرجها وصبرها مالئة أخاديد الطريق الطويلة· كان يدعو لها هو الآخر بابن الحلال الذي يسر قلبها وخاطرها مشترطا أن يكون رجلا حقيقيا مكتنزا خيرا ومالا تنجب منه الكثير من الأولاد حتى تكثر أمة محمد· وسمعته يخور كجمل يذبح ويستخرج قلبه وهو يدس في يدها حقها في درس اليوم، أوراقا مالية دبقة·

بقيت أنفاسه الثقيلة وضحكاته الرجراجة تلاحقها حتى بعد أن تلفتت لتتأكد من أنه أصبح بعيدا جدا، قبضت على المال بقوة شاعرة بانزلاقه من بين أصابعها، ركضت بخطى غزالة هاربة من سكين تريد قتل الغابة والهواء النقي· عششت في أنفاسها رائحة الذبح، وطاف في فمها مذاق الغثيان·

نسرين طرابلسي

من مجموعة "وأدرك شهرزاد الملل"

طباعة  

في ندوة الشعر العربي الحديث ضمن فعاليات "القرين":
سالم: الاتصال بالآخر كان له أثر بالغ في نشوء وازدهار ثورة الشعر العربي

 
الشاعرة سعدية مفرح وردة جورية تنشر على الجميع العبق الطيب
 
شعر