
افتتح الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدر الرفاعي ندوة الشعر العربي الحديث، حيث بدأت ببحث للشاعر المصري حلمي سالم "حركة الشعر العربي الحديث·· النشأة" تطرق في بدايته إلى العلاقة بين التطور الاجتماعي والتطور الأدبي والفني، ووصفها بأنها علاقة جدلية مرنة، ومن هذا المنطلق استعرض بداية النهضة العربية الحديثة متخذا من مصر أنموذجا، منذ الحملة الفرنسية ثم تولى محمد علي حكم مصر بعدها ببضع سنين·
وقسم سالم هذه الفترة الممتدة إلى قرنين إلى ثلاث مراحل، وأشار إلى أن أول مرحلة شهدت أول صدام بين الشرق والغرب من خلال الحملة الفرنسية التي جاءت بالمدفع والمطبعة، التي ولدت فيما بعد العديد من المفاهيم الجديدة كالأمة، الشعب، الدولة، ثم الدخول في مجال التحديث على كل المستويات·
وأشار سالم خلال الندوة التي جاءت في إطار فعاليات مهرجان القرين الثاني عشر وأدارها الشاعر الأردني حيدر محمود إلى شخصيات مصرية كان لها أثرها في التحديث ودورها على كل الأصعدة السياسية والثقافية مثل رفاعة الطهطاوي، وأحمد عرابي، وسعد زغلول، ومحمود سامي البارودي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبدالله النديم·
واستطرد سالم واصفا ما حدث في العقد الأول من القرن العشرين، وتأثيراته السياسية والثقافية، ومنها موت محمود سامي البارودي الذي حدث الشعر، وكذلك تقسيم الوطن العربي بين انجلترا وفرنسا من خلال معاهدة سايكس بيكو، ثم بداية التحول نحو التراث اليوناني بعد ترجمة سلمي البستاني لإلياذة هوميروس، وكذلك نشأة الجامعة المصرية كبداية لحضور المجتمع المدني·
كما استعرض سالم الفترة التالية بدءا من ثورة 1919 حتى ثورة الثالث والعشرين من يوليو وما مر بها من أحداث وتبلور الفكرة القومية·
وقال سالم: إن ثورة 23 يوليو هي الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية المصرية في العصر الحديث ووصفها بأنها كانت نقلة كبيرة في مسار التطور السياسي والاجتماعي والثقافي المصري والعربي على السواء·
وأشار إلى أنها كانت قوة دفع هائلة لنشوء ونمو وصعود حركة الشعب العربي الحر، بما رفعته من شعارات وتوجهات، وأنها التي أعطت "الشرعية الثورية" لما سبقها من قصائد الشعر الحر، وما لحقها من موجات شعرية حرة كما أشار إلى موضوعات جديدة في الشعر الحر مثل موضوع "السجن" بعد انتشار قمع الثورات التي تتابعت في الوطن العربي، واستشهد بأمثلة في شعر البياتي، أدونيس، شوقي بغدادي، الماغوط، أحمد عبدالمعطي حجازي، أمل دنقل، اللعبي·
المظاهر الشعرية
واستعرض سالم: ما رافق الثورات المصرية الثلاث من مظاهر شعرية بكل خصائصها ومدارسها، والموضوعات التي كانت ترتادها، وكذلك مضامينها وشكلها وفلسفتها· وتطرق سالم إلى السبب الذي أدى إلى تأخر التحولات الشعرية في المجتمع العربي·
وقال: إن عملية التحول ليست عملية ميكانيكية فورية، كما أن المجتمعات العربية استغرقت وقتا ليس بالقصير في عملية تحولها، فضلا عن ذلك أن الشعر هو ديوان العرب على مدى قرون طويلة أكسبته هالة من الجلال والسكون والرسوخ ومسحة خفيفة من القداسة، الأمر الذي جعل الاقتراب منه أشبه بالدين وبالمقدس·
وأضاف: وأيضا كما يقول مفكرو الاجتماع الثقافي إن النهضة العربية كانت مشوهة منقوصة بسبب عوامل عدة، ومع ذلك وعلى الرغم من الثبات النسبي للقديم، إلا أنه شهد تململات مثل التنوع الذي شهده شعر الأندلس وغيرها·
دورة الترجمة
وأوضح سالم أن الاتصال المباشر والترجمات بالآخر كانت ذات أثر بالغ في نشوء وازدهار ثورة الشعر العربي وتحدث عن المدارس ذات التأثير في هذا المجال وخصوصا الواقعية الاشتراكية والصوفية العربية، والسيريالية الفرنسية·
وأكد سالم أن قصيدة النثر جزء أصيل من ثورة حركة الشعر العربي وقال إنها ليست شذوذا على نسق الشعر العربي، وأن لها جذورا بعيدة في التجربة الإبداعية العربية القديمة، وليست وافدا غريبا على بيئتنا العربية·
وأضاف: إنه منذ ثورة الشعر العربي الحديث في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، كانت هناك حالة دائمة من التراسل والتداخل، وأنه ليس ثمة فواصل حديدية بائرة بين الشكلين، وإن اختص كل منهما بملامح مائزة·
تعقيب
وفي تعقيبه أخذ الدكتور وهب رومية على البحث عدم تحديد مفهوم دقيق للشعر الحديث، وكذلك التعتيم من دون استقصاء ثم قلة الاهتمام بالحركة الثقافية وتطورها وأدواتها، ولكنه عبر عن سعادته بالبحث ووصف هذه الملاحظات بأنها لا تقلل منه وكما وصفه بأنه خصب وفيه من استقامة التفكير·
تيارات ومدارس الشعر العربي الحديث
خلص الباحث د·شربل داغر في بحثه "تيارات ومدارس الشعر العربي الحديث" الذي جاء في الجلسة الصباحية الثانية التي أدارها الدكتور مصطفى الضبع إلى القول بأن خريطة المذاهب والتيارات في الشعر العربي الحديث تبدلت وتباعدت عن أصولها الغربية، عدا أنها تندرج أكثر ضمن "التناص"، لا ضمن المثاقفة الحضارية والشعرية، مثلما كانت عليه في السابق، وقال: هكذا بات لشعر "الهايكو" الياباني، أو لشعر بانيس ريتسوس، اليوناني، أو لشعر "البياض" عند أندريه دوبوشيه الفرنسي، حضور وفاعلية أقوى تتعدى تأثير شعر بلد بكامله في الشعر العربي الحديث، كما أن تتبع التأثيرات هذه بات يتطلب قراءة حاذقة، فطنة، صعبة سلفا، إذ قد تشمل شاعرا عربيا بعينه دون غيره، لا جماعة محلية، وقد تصيب شاعرا أجنبيا، لا ثقافته بالضرورة·
وكان داغر قد أشار إلى إشكالية التقسيم الشعري إلى مدارس، وأشار إلى ثمة فرق بين السجال بين شعراء التفعيلة وجماعة "القصيدة بالنثر" من ناحية وبين مدارس الشعر وتياراته من ناحية أخرى·
واستعرض في ذلك رد مي زيادة على أسئلة الكاتب فابير التي أرسل بها إلى طه حسين في مطلع العشرينات ودعا الأدباء للإجابة عنها، وجاء هذا الاستعراض كمدخل لتفصيل الآراء حول هذا الأمر وتصنيفها· كما استقصى مراحل درسها على الساحة النقدية العربية، والفروق بينها وجهود من قاموا بها·
كما أشار داغر إلى دور الأيديولوجية وأثرها في حركة الشعر الحديث، وتمثل في ذلك بالقومية السورية الاجتماعية من خلال سعيد عقل ويوسف الخال وأدونيس ونذير العظمة وخليل حاوي وغيرهم، وكذلك من خلال الماركسية في صيغتها العربية، والقومية العربية في صيغتها الناصرية وكذلك البعثية·
وقال داغر في نهاية بحثه، هكذا باتت القصيدة تزيح عن أن تكون مبنية وفق قواعد، وجعلت من صنعها الخاص، بل من لهوها، ومن عبثها بالنظام، غرضا للشعر، هكذا بات الشاعر لاعب نرد وفق استعارة مالارميه على أن القصيدة حجره الذي ينقلب على الصفحة بتدافعات اللاعب في الوجود نفسه·
رصد الفروق
وفي تعقيبها قالت الدكتورة نسيمة الغيث إن الدكتور داغر استطاع في بحثه أن يرصد الفروق الدقيقة فيميز بين المشابهات والمتقاربات·
وأخذت عليه عدم دقة تقسيم عناوين البحث أو ما وصفته بفساد القسمة أو التعسف فيها، وقالت إن الأوفق أن نقول: إن منطلق التكامل كان يستدعي عناوين أخرى·
وأضافت أنه لم يأخذ مقياس عنايته بالمواقف ترتيبا على الجهد العلمي والسبق الزمني، ومن ثم فإنه أهمل تماما أسبق الدعاة العرب إلى المثاقفة، كما أنه لم يحرص على رعاية التعاقب الزمني في رصده وعرضه لجهود المجددين من المبدعين والنقاد·
وقالت أيضا إن الحزب القومي السوري أخذ في بحثه فوق ما يستحق، وتجاهل شعر التيار القومي في الخليج طوال النصف الثاني من القرن العشرين مثل شعر أحمد السقاف ومحمد الفايز وخالد الفرج وعلي السبتي، وخليفة الوقيان، كما أشارت إلى أنه أغفل شعراء كبارا بحجم نازك الملائكة وفدوى طوقان، وشاعرا متميزا مثل محمود حسن اسماعيل·
وأشارت إلى أنه أغفل أيضا شعراء الدعوة الإسلامية وهم شعراء "تكثر ومباينة" مثل أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم في مطولة الملحمية "العمرية"، واحمد محرم، وشاعر الجزائر مفدي زكريا، وكذلك الشعر الصوفي.