· المرحلتان الأولى والثانية: 76 مقعدا للإخوان مقابل 193 للوطني
· "الإخوان" الفائز الأكبر ·· والمعارضة الخاسر الأول
القاهرة من نبيل محمد:
الانتخابات التشريعية المصرية التي انتهت مرحلتها الثانية يوم السبت الماضي بعد جولة إعادة، تستحق بالفعل بأن توصف بـ "المعركة"، فالعنف والبلطجة والمعارك "بالشوم والسيوف والسنج" والتي دارت بين أغلب المرشحين من الحزب الوطني والمنشقين عليه وجماعة الإخوان المسلمين، لم يسبق لها مثيل وقد فاقت ما كان يتوقعه المراقبون والمحللون السياسيون، وقد أسفرت هذه المعارك عن مقتل أربعة وسقوط عشرات الجرحى، هذا بالإضافة الى التعدي على اللجان وعلى القضاة المشرفين على الانتخابات·
وبعد انتهاء المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات وقبل إجراء المرحلة الثالثة أسفرت النتائج بحسب منطق "الربح والخسارة" عن فوز غير عادي لجماعة الإخوان المسلمين حيث حصدوا في المرحلتين 76 مقعدا من إجمالي 110 مرشحين للجماعة في المرحلتين بنسبة %69، فيما حصل الحزب الوطني الحاكم على 193 مقعدا "101 مقعد كانت لمرشحين على قوائم الحزب أي بنسبة %32 + 92 مقعدا كانت لمرشحين مستقلين - منشقين عن الحزب - وتمت إضافتهم بعد أن فازوا"، ونال المستقلون 22 مقعدا·
أما المعارضة وهي الخاسر الأكبر في هذه المعركة فلم تستطع أن تحصد سوى 11 مقعدا بواقع 5 مقاعد للوفد، مقعدان للتجمع ومقعد واحد للحزب الناصري ومقعد واحد لحزب الكرامة تحت التأسيس، مقعد واحد للمنشقين عن حزب الغد، ومقعد واحد للجبهة الوطنية للتغيير"·
وقد أطاحت هذه الانتخابات برموز المعارضة الكبار، وجاء على رأسهم خالد محيي الدين أحد قيادات "ثورة يوليو" ومؤسس حزب التجمع، وأيضا أطاحت بأبو العز الحريري نائب عن حزب التجمع والبدري فرغلي نائب عن حزب التجمع وعادل عيد المناضل الشريف ومنير فخري عبدالنور رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد ونائب رئيس الحزب ومجدي أحمد حسين، أمين عام حزب العمل "المجمد" الى جانب أيمن نور رئيس حزب الغد الذي خسر مقعده الذي جلس عليه لـ 10 سنوات بعد انتخابات مثيرة في دائرة باب الشعرية·
والجدير بالذكر أن أيمن نور قد خاض معركة شرسة أمام الرئيس مبارك في انتخابات الرئاسة السابقة وقد حصد نصف مليون صوت وجاء في المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة بعد الرئيس مبارك·
ويرى المراقبون أن المحصلة الضئيلة للأحزاب السياسية المعارضة قد يعني أن أي حزب لن يكون بوسعه الدفع بمرشح لرئاسة الجمهورية في أي انتخابات رئاسية مقبلة، لأنه لا يملك نسبة الخمسة في المئة من مقاعد البرلمان التي حددها تعديل المادة 76 من الدستور الذي مرر عبر استفتاء شعبي قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة·
أما الحزب الوطني الحاكم فهو ثاني الخاسرين حيث لم يحصد سوى %32 من مقاعد البرلمان التي تم عليها الانتخاب حتى الآن (وذلك قبل انضمام المنشقين عن الحزب)·
ومن أبرز رموز الحزب الحاكم الذين سقطوا في هذه المعركة يوسف والي وزير الزراعة السابق والأمين العام للحزب الوطني الحاكم السابق والذي تناولته وسائل الإعلام في الفترة الماضية بكثير من الأقاويل حول اتهامه بإدخال "سماد مسرطن" للبلاد، وكذلك السيد راشد وكيل مجلس الشعب والنائبة فايدة كامل التي احتكرت مقعدها لأكثر من ربع قرن، وأيضا حسام البدراوي أحد قيادات لجنة السياسات ومن المقربين جدا لجمال مبارك رئيس لجنة السياسات ونجل الرئيس مما جعل البعض يعتبر سقوط البدراوي بمثابة ضربة قوية لجمال مبارك وللجنة السياسات·
وقد اتسمت الانتخابات المصرية بظواهر تعتبر جديدة على المجتمع المصري وهي البلطجة وسياسة العنف بجانب ظاهرة الرشاوى الانتخابية فقد دخل رجال الأعمال أو رجال المال بكل ثقلهم رغبة منهم في الفوز بمقاعد البرلمان، ورصد المراقبون للانتخابات ومنظمات المجتمع المدني الكثير من حالات الرشاوي الانتخابية وقد وصل الصوت في إحدى الدوائر الى ألف جنيه مصري والطريف أن أحد المرشحين كان يقوم بتوزيع مبلغ عشرين جنيها على الناخبين داخل ورقة الدعاية الخاصة به وبعد أن أدلى أحد الناخبين بصوته وعندما أراد صرف العشرين جنيها وجدها مزورة أي أن هذا المرشح مارس التزوير مرتين "تزوير في إرادة الناخبين وتزوير أوراق نقدية" ويرشح المراقبون أن تصل نسبة رجال الأعمال "رجال المال" داخل المجلس الجديد الى %50 "بعد أن كانت نسبة %50 للعمال والفلاحين"·
ويقدر المراقبون أن حجم الأموال التي أنفقت على الحملات الانتخابية للمرشحين تصل الى 6 مليارات جنيه مصري (173 مليون دولار" أما الظاهرة الأخرى وهي ظاهرة البلطجة فحدث ولا حرج فقد اجتاحت دوائر محافظات الاسكندرية وبورسعيد والقليوبية ومناطق أخرى معارك ضارية "بلطجية مسلحين بالشوم والسيوف والسنج" يقودهم مرشحون في ظل غياب أمني محايد أو تعمد الحياد!! وهو ما جعل البعض يطلق عليها الانتخابات المصرية تحت شعار البلطجة هي الحل وهي ظاهرة جعلت القوى السياسية تتخوف من آثارها على الساحة السياسية في مصر، وقد تخوف البعض من أن تلجأ قوى سياسية الى تشكيل ميليشيات عسكرية أو شبه عسكرية لمواجهة هذه الظاهرة وهو ما ينذر بعواقب وخيمة في المستقبل·
ويرى المراقبون أن ما حدث في الجولتين الأولى والثانية كان أمرا طبيعيا للنهج الذي اتبعته لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم في اختيارها للمرشحين والتي أصرت على رموز بعينها دون النظر لما يسمى بـ "ترشيحات المجمعات الانتخابية" وقد أثار أمناء المحافظات في الحزب الحاكم الكثير من المشاكل بسبب تلك الترشيحات·
ويعتبر المراقبون أن الأداء الضعيف من أحزاب المعارضة يرجع الى المناخ السياسي الذي فرضه الحزب الوطني الحاكم والنظام طوال ربع قرن من جمود وحصار للعمل السياسي وسط الجماهير، ويحمل هؤلاء الحزب الحاكم مسؤولية إخفاق أحزاب المعارضة في تلك الانتخابات·
ورغم فوز الإخوان بعدد من المقاعد تمثل خمسة أضعاف ما حصلوا عليه في المجلس السابق، إلا أن ذلك لا يمثل قوة حقيقية، فالمراقبون يرون أن هناك نسبة كبيرة من الشعب المصري لم تشارك في هذه الانتخابات "نسبة المشاركة %24" لأسباب مختلفة، وهذه النسبة التي تسمى "النسبة الصامتة" لم تقل كلمتها بعد، كما أن نسبة كبيرة ممن أعطوا أصواتهم لجماعة الإخوان المسلمين فعلوا ذلك نكاية بالحزب الوطني وهو ما يسمى "بالتصويت الانتقامي" حيث إن غالبية الشعب المصري تعاني من سياسات الحزب الوطني، والتي أنتجت مزيدا من البطالة ومزيدا من ارتفاع الأسعار، كما أن هناك حالة عامة تكتسح المجتمعات العربية والإسلامية، من تعاطف مع التيار الإسلامي في مواجهة الهجمة الشرسة من الغرب ضد الإسلام، وهو ما حدث في الانتخابات بالمغرب والكويت والبحرين وفلسطين حيث نال التيار الديني "الإسلامي" مكاسب كبيرة في هذه الانتخابات ومصر لا تخرج عن هذا السياق حسب رأي المراقبين·
ولكن يبقى سؤال مهم وهو هل سيبقى هذا المجلس بتركيبته التي أنتجتها الانتخابات؟! وهل سيحدث تغيرا في الحياة السياسية؟ جورج إسحق المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) قال في حديث لجريدة "الشرق الأوسط" إنه لا يتوقع أن يكون هذا البرلمان أفضل من سابقه، لأن لون المعارضة فيه سيكون لونا واحدا هو الإخوان وبالتالي لن يحدث تغيير كبير في الحياة السياسية، وأنه يتوقع أن يصطدم نواب الإخوان مع نواب الحزب الوطني مما سيقود الى حل البرلمان·