الشباب والدين
سطر كلمات هذا المقال، خالد المسعود، في مجلة الرائد، العدد 4 مايو 1952· وفيه ينتقد فئة من رجال الدين الذين لا يحسنون فن الوعظ والإرشاد، وأسماهم بـ"المدسوسين" على الدين·
وهذا الموضوع مطروح في الساحة المحلية اليوم ويلقى صدى وانتقادا حتى من بعض رجال الدين الحاليين ضد عناصر انحرفت عن الجادة في مسألة الوعظ والتبصير بأمور الدين والدنيا وما ظاهره (التكفير) إلا نتيجة بارزة فيما وصلت إليه الحال اليوم، وقاد إلى مواجهات دموية مسلحة في بداية العام الحالي في عدد من مناطق الكويت·
فماذا كتب الوزير الأسبق خالد المسعود عن ذلك؟
المعد
****
ما أحوج الشرق الإسلامي، في هذه الأيام إلى من يجمع كلمته ويوحد صفوفه ويؤلف منه أمة متساندة، دستورها الإسلام وكتابها القرآن· فلقد ابتعدت هذه الأمة الإسلامية، التي وصفها القرآن الكريم بقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" عن تعاليم الإسلام ابتعادا كبيرا فلم يبق لديها من الإسلام إلا رسوم، حتى ظن بعض الناس، أن الإسلام قد انتهت مهمته، والسبب في ذلك يعود أكثره إلى رجال الدين الإسلامي أنفسهم، فلقد قصروا في الدعوة وتساهلوا في الرسالة الملقاة على عاتقهم ولو أنهم عملوا بما علموا لتغيرت نظرة الناس إلى الإسلام· وأدركوا أنه دين ودولة· لقد نظم الإسلام العلاقة بين الإنسان والمجتمع كما نظمها بين الإنسان وربه· وأقام أسس المجتمع الإسلامي على أسس اشتراكية روحية فيها صلاح الدنيا والآخرة، ولو طبقت تعاليم الإسلام كما ينبغي لعاش المجتمع يسوده الإخاء والمساواة والعدل والحرية، ولكن من المؤسف أننا لا نجد في حياة المسلمين أثرا لتعاليم الإسلام، بل رأينا بين جهلة المسلمين من يزعم أن التمسك بأهداف الدين رجعية ويرى الخروج عليها تحررا ورقيا كما فعل كتاب "هذي هي الأغلال"، فقد رد العلة في تأخر الشعوب الإسلامية - إلى الدين نفسه واعتبره قيدا يحد من حرية الفكر، وتقدم المدنية، ثم طالب المسلمين بالخروج عن الدين!!
ولقد سمعت مجادلة بين شخصين في إحدى الجامعات بشأن الدين الإسلامي، وكان أحدهما أستاذا للتاريخ والثاني تلميذا، وقد صرح الأستاذ "المحترم" بأنه هو شخصيا لا يعترف بالقرآن دستورا للأمم الإسلامية لتخلف تعاليمه عن مجاراة العصر، وأنه ينصح الشباب المسلم، بأن يحرر فكره من المعتقدات الإسلامية قليلا حتى لا يتأخر عن شباب العالم·
هذه التعاليم وأشباهها التي تأتي من رجال الدين المدسوسين على الدين أو من رجال العلم المزيفين كان لها أثرها البالغ في شباب الأمة الإسلامية، فخرج بينهم قوم ظنوا الحضارة كلها في الخروج عن الدين والتنكر لتعاليمه، وقد زاد الطين بلة - أن أكثر رجال الدين مع الأسف الشديد - لا يحسنون الوعظ والإرشاد، ولا يعرفون كيف يهيمنون على النفوس ويقودونها إلى سبيل الإصلاح، وأخذ بعضهم يحاول أن يحمل الناس بالقوة على التسليم بما يقول لا بالحجة والإقناع وكأنه لم يسمع قوله تعالى: "وجادلهم بالتالي هي أحسن"، أو قوله: "وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة"، فظن الشباب أن تذرع رجال الدين بالقوة نقص في الحجة فاتخذوه دليلا على نقص في الدين، والدين منه براء· والواجب على رجال الدين - إن كانوا مخلصين في الدعوة - أن يتسلحوا بالحجة والمنطق ويعرضوا الدين الإسلامي عرضا إنسانيا سهلا لا تعنت فيه ولا إعنات، كما كان يفعل الرجل القرآني العظيم الشهيد حسن البنا، رحمه الله، كما يجب أن يكونوا هم أنفسهم قدوة صالحة لسواهم·
إن الشباب الإسلامي - بعيد عن الدين - والعيب كله يعود إلى جهله الشديد في الدين، وترك الشباب يهيم في أودية الضلال إثم كبير على من بيدهم الحل والعقد كما أن الإلحاح عليه بأن يتدين بالقوة اجتراء على العقل والمنطق، والوسيلة الصحيحة لإعادة الشباب إلى تعاليم دينه هي أخذه بالحسنى مع بيان الحجة وقيام الدليل·
فهل نحن فاعلون···؟
خالد المسعود