كتب محرر الشؤون العربية:
وضع خطاب النظام السوري على لسان رئيسه بشار الأسد في الأسبوع الماضي سورية، وكل من تأمل مساندته في المنطقة العربية لموقفها، أمام موقفين هما المقاومة أو الفوضى· أي إما مقاومة احتواء سورية والمنطقة في إطار مخطط الشرق الأوسط الكبير الأمريكي بكل تبعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو التخلي عن هكذا مقاومة واستقبال موجات فوضى عارمة·
السؤال الذي يواجه الأنظمة الشمولية، ومنها النظام السوري - في موقف من هذا النوع - هو أين مقومات المقاومة التي تدعو إليها؟ هل هي في ظاهرة استبداد الحزب الواحد؟ أم في ظاهرة تهميش قوى المقاومة الحقيقية أي القوى الشعبية؟ أم في عرقلة أي تنمية حقيقية تتطلب بالضرورة تحولا في البنى السياسية والاجتماعية نحو ديمقراطية شعبية فاعلة؟
الواضح أن هذه المقومات، وليس مقومات المقاومة الحقيقية، لأي تدخل خارجي مهما كان نوعه، غير موجودة إلا على صعيد الخطاب كلفظة يمكن إطلاقها، ولكن مع تجاهل تبعاتها ومتطلباتها· بل إن ما يشير إليه هذا الغياب هو أن الحاضر فعلا هو مقومات الفوضى المقبلة، لا العكس· أي أن وضعية النظام السوري وممارساته على صعيد علاقاته بشعبه بالدرجة الأولى هي التي تخلق حقيقة مقومات الفوضى، بل وتدفع إليها رغم كل النيات الطيبة، هذا إذا كان إصرار الأنظمة الشمولية على احتكار كل شيء يحمل أي نوع من الطيبة·
قد لا نختلف على أن المطلوب من سورية حاليا من وجهة النظر الأمريكية "تعاون" مثلث الجوانب كما أشار الخطاب، يبدأ من العراق ويمر بلبنان ويصل إلى فلسطين، وملامح هذا التعاون واضحة، فهي فيما يخص العراق عدم ترك الحدود السورية - العراقية سائبة، وهي فيما يخص لبنان ربما خوض معركة تجريد المقاومة من سلاحها، وهي فيما يخص فلسطين إنهاء الوجود السياسي والإعلامي (إذ لا وجود عسكريا هناك) لمنظمات المقاومة الفلسطينية التي تعترض على طرق السلطة الفلسطينية في تعاملها مع قضية الاحتلال الإسرائيلي· إلا أن التصدي لمثل هذه الطلبات الثلاثية التي تحتشد حولها قوى دولية وعربية إقليمية أيضا لا يكفي معه إطلاق نداء للمقاومة·· في وقت لا تتوافر فيه مقوماتها، ولا نعتقد أن تركيبة النظام السوري استطاعت توفيرها عبر الثلاثين سنة الماضية، فقد تجاهلت طيلة هذه السنوات إيجاد لحمة حقيقية بين النظام والشعب الذي يحكمه عبر مؤسسات ديمقراطية حرة، وتجاهلت ترابط عوامل القوة التي هي أساسا عوامل اجتماعية سياسية لا أجهزة استخبارية مهما بلغت من سطوتها، وتجاهلت أن بقاء النظام ذاته يظل في مهب الريح إذا لم يكن نظاما ذا جذور حقيقية، مرتبطاً بمصالح الشعوب لا بمصالح قلة حاكمة أو حزب مستبد بالسلطة دون الخلق جميعا· فمن دخله كان آمنا ومن خرج عليه حل به السخط والغضب·
إن مشكلة الأنظمة الشمولية داخلية بالدرجة الأولى، أي أنها تتعلق بشرعية ومبرر وجودها أولا بالنسبة لمن تتحكم بمقدراتهم· وليس هناك من عناصر تهيئ للفوضى والهزائم أشد دلالة من عناصر الاستبداد والشمولية·