هو أن يغويك··

قاسـم حداد
··· وأن تعرف ذلك
وأن تذهب إليه
دم هاطل
يقض مضاجع أصحاب الغفلة
مثل كوكبة من المردة المتمرسين في خوزقة الأجساد
مبتهجة بلذة الحب
لكأن ما نذهب اليه في النص هو السبيل الوحيد لإنقاذنا من المديح لشكل القتلى
وهم يؤدون صلاتهم في قدسية
مثل شهيد يخشى، فيما يموت، أن يخدش المشاعر ويفسد الشعائر
أما العابر النبيل
فسوف يبرأ بنفسه من شراك لا تحصى
مزروعة له في المنعطفات
هو من سيخلع الأقفال
دون خشية من شرطة الطريق وسدنة القواميس ودهاقنة البلاغة
يفضح ألاعيب الحواة وخبث الثعالب
هو من لن يصدق أن في المنعطف التالي ما يسعفه
من الخديعة التي يدسها له الخلد الأعظم·
العابر النبيل هو من يتصرف كما لو أن المكان بيته وأنه الساكن الوحيد
يقتحم الممرات ببسالة الفارس وتدله العاشق
وسرعان ما تصبح
الكتابة من بين أجمل أسلابه ودخائره في آن
: حين سألت الخلد الأعظم ذات صباح، وهو يلهو بتمزيق ما سهرنا على سرقته من محراب معبد ما؟ كيف تسنى لنا أن فعل كل ذلك·
أخبرني بأننا كنا نؤدي الصلاة على طريقة لم يكتشفها الآخرون
وأن هذا لا يجوز، فهو أقرب الى الإلحاد
الملحدون لا صلاة لهم
وإذا فعلوا لا تقبل صلاتهم، وهذا ما يعوز العابر النبيل
النص
هو أن يغويك
وأن تعرف ذلك
وأن تذهب إليه
مثل شخص استحوذت عليه جنية مشبوقة
راحت تجوب به ليل الأقاصي
تصطفق أضلاعه بكائنات غير مرئية
يهترىء حذاؤه لضراوة التخوم التي يجتازها والجنية تمسك بيده وتركض بأنفاس لاهثة كأنها تأخذه الى مكان أضاعت الطريق إليه· برزخ بين الغيم والغابة ودرب المجرات
تسرّ له الجنية بكلام غير مفهوم مثل همهمة الجنين
وهو يجمع خلفها الدلالات الغامضة، يكنزها في جيب قميصه المهلهل
ويندفعان معا في هذيان المحموم وتهدج المشبوق
وما إن تصل به الى الطرف الآخر من الغابة
حتى يتكشف لهما شبح كوخ موشك على النار لفرط الشهوة
فتهتف الجنية ملتذة كمن وجد ضالته في ذروة الشهيق
تنهر الشخص لئلا يستعيد أنفاسه
تجره بغتة فيقفز وراءها في بهجة المذعور، مندفعة به الى الداخل
حيث يريان على أرض الكوخ كتابا هائلا مهيب الهالة·
مفتوح على آخره
يغمر أرض الكوخ كلها
تقف الجنية متشبثة بكفّ الشخص وهو يشهق بين تهدج بلا صلاة وغبطة من غير فرح·
الجنية تحدق في صفحة الكتاب المفتوح المغمورة بغبار يميل الى صفرة داكنة تلمع مثل ذهب قديم: تلتفت الى عيني تابعها
هذا هو
لكنه لا يجد ما يقول
فالذهول قد وصل إليه
لفرط الطريق والطريقة
بحيق لم تعد الكلمات تسعفه
··· تريد أن تقرأ؟!
اقرأ
·· هذا هو نصك
المكتوب لك·· أنت
خصوصا
صار كمن نسي عادة الكلام
لم يعد يدرك ما هي اللغة
هذا الكتاب لك
إنه كتابك
تعال
هات يديك وادخل معي التجربة
إنها رحبة كما ترى
ستسعنا كلينا
عليك أن تفعل ذلك بنفسك·
وما إن يضع نفسه في الكتاب حتى يفقد الأثر
كأنه الشخص المفقود
يتقدم بجانب الجنية كأنه ينزل على درج
تتراءى له الأشياء في غير أشكالها
في حالات وصور غيرر ثابتة ولا معروفة
تتحول في ذات اللحظة التي ينقل فيها نظره عنها ومنذ الخطوات الأولى بدأ يشعر بسريان عذوبة غامضة في أوصاله
وعندما التفت خلسة الى الجنية
رآها صبية ملائكية الملامح شفافة التقاطيع
ترتدي وشاحا يكاد
لشدة بياضه الثلجي
يشفّ عن جسد فتيّ
وكانت التفاتة واحدة كفيلة لأن تنزل الأمان في روحه
إذا بكفه تغط بالحنان على كفها
تلتفت اليه مبتسمة:
انظر
هل رأيت مثل هذا من قبل؟
أدركَ أنها لم تكن تسأل
واندفع معها على درج يتضاعف ويزداد اتساعا كلما توغل في الهبوط
والأشياء تتحرك من حولهما مثل ندف الثلج الخفيفة
يلامسها النظر فتبدأ في التحول
لم يعد يقوى على التمييز بين ما تلهمه المخيلة وما يحبسه البصر
أشياء غريبة وغامضة
لكنها جميلة وفاتنة
شديدة الرواء
فياضة المعنى عامرة بالحنان
تتغلغل في مسام الروح
وتبعث الشعور باكتمال اللحظة واكتفاء الإنسان بذاته
تنتشله همسه الصبية التي من الملاك:
هل قرأت مثل هذا قبل الآن؟
التفت الى الخلد الأعظم
مثل ناسك فرغ من صلاته تواً وطفقَ يطوي كلمته الأخيرة
النص
هو أن يغويك
وأن تعرف ذلك
وأن تذهب اليه
عن "جهة الشعر"