خواطر مشتركة···
هذا حديث خفيف وشيق ينقلنا فيه المحرران فهد الدويري وأحمد العدواني من موضوع الى آخر، فتارة تكون "الدردشة" عن اختلاف اللهجة العامية ومفرداتها بين الرجال والنساء، وتارة عن تحول العادات والسلوكيات وتبدلها، وأخرى عن الذكاء الفطري لدى الكويتيين مع طغيان الروح المادية على عقليتهم·
الحوار التالي تلقائي، وبغير تكلف، وهو بالمصطلح العامي الدارج عبارة عن (سوالف) وانطباعات عامة تعبر عن تغير اجتماعي بدأت ملامحه في الخميسنات مع ظهور جوانب التمدن في البلاد آنذاك·· لنقرأ حــوار الدويري والعدواني·
" المعد
"ننشر تحت هذا العنوان كل شهر خلاصة الأحاديث التي تدور بين محرري "الرائد" أو بينهم وبين الآخرين في الموضوعات العامة ولن نتقيد بموضوع من المواضيع ولا بناحية من النواحي، ونرجو أن يجد القراء في هذه طرافة التنقل من موضوع الى موضوع· ونحن نرحب كذلك بما يرسله القراء ما يدور بينهم من مناقشات في النواحي العامة في دواوينهم ومجالسهم الخاصة"·
الرائد
فهد: الملاحظ في البلاد العربية الأخرى أن لا فرق في لغتها العامية بين الرجل والمرأة، إلا فيما ندر، فما سر هذه الظاهرة الاجتماعية التي تلفت النظر في الكويت وهي أن الفرق كبير جدا في اللغة العامية الكويتية بين الرجل والمرأة، ولنضرب لذلك مثلا: "إن الرجل يودع جلساءه عند قيامه من مجلسهم بهذه العبارة: "في أمان الله"، أما المرأة فتقول في مثل هذه الحال: "مع السلامة"، والمدهش أن الرجال يلاحظون بعجب قول أحدهم بدلا من عبارة "في أمان الله" في الوداع قوله "مع السلامة" والعكس كذلك، وربما عزوها إلى أن جليسهم إما أن يكون غريبا عن الكويت أو يكون ممن يتنطعون باستعمال ألفاظ بلد آخر، وهنالك أمثلة عديدة من هذا النوع، ومن أشهر عبارات الشتائم والسباب، مما يدور على لسان الرجل الكويتي فهي بعيدة كل البعد عما يدور على لسان المرأة·
أحمد: أظن إن السر في ذلك هو التحفظ - إن صح التعبير - أو قل إنه من نتائج انعزالية المرأة في الكويت وعدم اختلاطها بالرجل، وانقطاع صلتها بالمجتمع العام··· والحق أن البعد واضح جدا بين الرجل والمرأة في اللغة العامية الكويتية، وتستطيع أن تستشهد بمئات الشواهد للتدليل على ذلك البعد الواضح·
فهد: بل إن بعض الألفاظ والتعابير التي تستعملها النساء من الصعب تحديد معناها، فكلمة الشتيمة النسائية الخاصة "سليحط" لا أصل لها - كما أظن - ومع ذلك فعندنا من الشتائم النسائية ما يمكن إعادتها إلى أصول عربية صميمة فلفظة "سليمة" عربية صحيحة فهي في الأصل "السَلِمة" وجمعها "سِلام" ومعناها الحجارة، بيد أن نساءنا جئنا بها مصغرة، فإذا أضفنا إليها كلمة "تصكك" وهي مأخوذة من صكه صكا ضربه ضربا شديدا أو لطمه، كما تضيفها النسوة إلى كلمة "سليمة" فهمنا ما يعنين بها من سباب بالغ سامحهن الله!
أحمد: والآن، لننتقل إلى ملاحظة أخرى، ألا تعجب معي من سرعتنا - نحن الكويتيين - في تغيير بعض عاداتنا بعكس أهالي البلاد الأخرى، فنحن سريعو التخلص من عادة تعارفنا عليها أمدا طويلا· لو حدثك إنسان ما، عما كان في الكويت من عادات بين كبار الناس وصغارهم، وظاهرات تقليدية كانت موجودة في الكويت قبل سنين لعجبت من اندثارها وانقراضها بهذه السرعة· خذ مثلا عادات وضع موائد الأطعمة في الطرق أيام الأعياد والنوافل···· هل تجد شيئا منها الآن؟ ثم الألعاب بين الصبية كلعبة "الصفروك" وغيرها من الألعاب الأخرى، إنك لا ترى لها أثرا في الوقت الحاضر·
فهد: وتفسير هذه الظاهرة مشرف لنا - نحن الكويتيين - فهو دليل واضح قاطع لا يقبل الجدل في قدرتنا على التكيف حسب أحوال التطور، وظروف الزمن، واستطاعتنا السير حسب ما يطرأ على الدنيا من تبدل وتحول، ومع ذلك فليس معنى هذا أننا لا شخصية لنا، فإن لنا تقاليد واضحة المعالم، بينة المسالك، نتمسك بها جهدنا ولا ترى أثرا فينا ينبىء بتغيرها أو تبديلها·
أحمد: وعلى هذا ألاحظ بعد أن خبرت بنفسي بعض العامة في البلاد الأخرى أن مستوى الفهم بالسليقة، أو الاستعداد الذهني للإدراك عند كل عامي كويتي كبير وتجد التفهم السريع لحقائق الأشياء بدقة وعلى الأخص بين البحارة الكويتيين وأنا أعزو هذه الظاهرة إلى اختلاط البحارة - وهم يمثلون الأغلبية منذ سنين - بغيرهم من الأمم في أسفارهم ومغامراتهم·
فهد: فإذا أضفت إلى هذا حدة الذهن وسرعة البديهة عند البدو - وأصلنا في الغالب بدو - وجدت تفسيرا صحيحا لذكاء الكويتي الفطري، فهو بحكم كونه بدوي الأصل يمتاز بحدة الذهن وسرعة البديهة، وبحكم كونه بحارا يشق عباب البحر ويجوب البلاد النائية، يضيف إلى ذكائه الفطري كسب التجارب العميقة التي هي من أهم الأسباب لاستكمال الشخصية القوية، فهو قد تهيأت له أسباب المتانة العقلية، أما في البلاد الأخرى فقلما يتهيأ لها مثل ذلك·
والآن إليك بعض ما ألاحظه في نفسيتنا الشعبية - إن صح هذا التعبير - وهو طغيان المادية إلى درجة كبيرة على عقليتنا، مع أن هذا لم يكن شيئا قديم العهد فينا، فإننا لو استعرضنا حياتنا السابقة لم نجد لهذه المادية أثرا إلا فيما تحتمه ظروف الحياة، وقد يقال إن مطالب الحياة قد أوجبت هذا التكالب المادي على العقلية الكويتية فخضعت له ضرورة وحتما، ولكن هذا ليس سببا وجيها، لهذه المبالغة في المادية التي نراها بين المواطنين·
أحمد: هذا صحيح بيد أني أعتقد أن ما نراه من طغيان على العقلية الكويتية إنما هو طفرة من طفرات التحول لا أكثر ويوم يبلغ هذا الطغيان أقصى حده سينهار حتما وعندئذ ستتضاءل آثار هذه المادية من سيماء تفكيرنا العام، وسنرى حلول الروحية الاجتماعية ورجوعها إلى ما كانت عليه سابقا، بقي أنك لم تضف إلى الأسباب التي جعلت العقلية الكويتية تتسم بميسم الحيوية الروحية عندنا سابقا وهي وجود الأخطار التي كانت تهدد الكويتيين من قبل جيرانهم من البدو، وحالة القلق التي كانت مهيمنة على الناس قبل نصف قرن،، من الخطر الخارجي كان لها أثر بالغ في إيجاد التضامن بين النفوس، والإحساس المشترك بين الناس، فقد ألفت بين قلوبهم وربطتهم برباط الحب والتضحية، وهذه الأشياء لا تقوم إلا بدافع من طغيان الروحية على النفس، وأسجل أملنا في ألا يبلغ طغيان المادية على عقليتنا - وعقليتنا عربية شرقية تتسم بالميسم الروحي - وإن صح اعتقادي، فإن طغيان العقلية المادية علينا في الوقت الحاضر، إنما هو أمر وقتي، وظاهرة الطفرة محدودة فلا خوف على روحية الشعب عندنا·
فهد: وهذا يحتم علينا أن نعمل جهدنا على نشر كل ما يدعم الحياة الاجتماعية والإحساس بالمشاعر الروحية ذات الفضائل السامية والمثل العليا، وهذا لن يحدث إلا إذا ثقفنا الشعب ثقافة اجتماعية قوية أساسها الإدراك الصحيح لسمو الحياة البشرية عن التكالب المادي الشديد، ولن يفهم الناس هذا إلا بعد أن يدركوا إدراكا صحيحا فيه التضامن والتعاضد الاجتماعي المشترك· والناس يفهمون بالطبع أن التضامن شيء مستحب، ولكن هذا شيء وشعورهم الفردي به والعمل المخلص له شيء آخر، ومتى أحس كل كويتي بالألفة مع أخيه الكويتي - كما يفعل حين يلتقي به في بلد آخر - ومشهور عنا التكاتف في الغربة - وشعر بأنه مسؤول عنه كسؤاله عن نفسه آن لنا أن نسجل بإعجاب، فضائل مجتمعنا السامي·
(الأذن)