رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 رمضان 1426هـ - 12 اكتوبر 2005
العدد 1699

قصة قصيرة

بلا رائحة

 

باسمة العنزي

(إنه لن يطرق بابك فلم الانتظار؟ عليك الاستمرار بالتنفس مهما كان الهواء ملوثا)· تلملم بقايا سهرتها لوحدها ليلة البارحة، تمسح آثار الشمع من على الطاولة، تغسل أطباقها، تكوي ثيابها على عجل، تنظر للمكان من حولها تبتسم ثم تفتح باب صومعتها قاذفة جسدها وروحها وسط تعب العالم·

تقود سيارتها بمثل ما للضوء من سرعة في شارع حزين تتراكم الأوساخ على جانبيه، على امتداده بيوت متراصة لطالما توقف خيالها عندها في طريق الذهاب والعودة من العمل، البيت الأصفر، كونت انطباعا عن صاحبه إنه فنان أو يملك بالفطرة ذوق فنان سريالي، البيت الضخم ذو الواجهة الزجاجية الزرقاء تتخيل فيه أسرة صغيرة ممزقة تسهر ليلا على السلالم الرملية جموع أفرادها، أما المنزل الواقع على الزاوية ذو الحديقة الكبيرة فلا شك أن لساكنيه قلوبا طيبة كنباتاتهم الغريبة· كم أضاعت من وقت وأحلام وأرصفة وهي تحاول مد بصرها الى خلف النوافذ المختلفة في مدينة جدرانها العازلة غير قادرة على حفظ الأسرار أو منع الأصوات من التحليق خارجا، أولئك الذين لاحقتهم بقصصها السرية وملاحظاتها الطفولية ينفضون من حولها ولا يشكل وجودهم السابق سوى حصة زائدة في إحدى تلافيف الذاكرة، ترى كم واحد منهم فقد حاسة الشم؟

 

* * *

 

في عيادة الطبيب تقدم بطاقتها ورسوم المراجعة للممرضة وراء مكتب الاستقبال تستفسر عن موعدها تخبرها الممرضة أن أمامها الكثير وأن الازدحام يبدو غريبا هذا الأسبوع والأعداد في تصاعد مستمر·

تجلس على المقعد الوحيد الشاغر وسط عشرات النسوة، لا أثر للرجال هنا مع أن الطبيب متخصص في أمراض الأذن والأنف والحنجرة، تلتقط مجلة نسائية ممزق غلافها وتتظاهر بالقراءة· في بداية البداية راوغت إحساسها أن ثمة شيئا في طريقه للانطفاء مثلما حدث لأشياء كثيرة في حياتها بدت براقة وجميلة وأحيانا مألوفة وحتمية ثم خبت وتلاشت تاركة وراءها إضاءة خافتة لا ترشد تائها الى الدرب ولا تغري للالتفات الى الوراء· في محطة الوقود اعتادت فيما مضى أن تحكم إغلاق نوافذ السيارة حتى لا تتسرب الرائحة المزعجة إليها، الآن بإمكان عامل المحطة سكب برميل من الوقود عليها ولن تشعر سوى بالبلل· لم تعد تشعر بالغثيان من رائحة الأجساد الكريهة في زحمة الأسواق ولا برائحة النفايات المنسية في الشوارع الداخلية ولا النتونة الصادرة عن أنابيب المجاري المكسورة، أيضا لم تعد تناسب ابنها الرائحة الصادرة أو عطرها أو نسمات الصباح الأولى أو طعام أمها ولا حتى وسادته المشبعة برائحة رجولته·

 

* * *

 

يفتح الطبيب باب غرفته يتوجه للممرضة طالبا منها عددا من الملفات، يحملها معه ويغلق الباب خلفه بهدوء، تتمنى لو اختفت جميع النسوة الجالسات حولها حتى ينتهي انتظارها، الشابة الجالسة قالتها، تخرج من حقيبتها هاتفها النقال ذا الجرس العالي، تتمتم ببضع كلمات ثم يحتقن وجهها وترتجف أصابعها معيدة الهاتف الى مكانه، يبدو أن من أزعجها رجل ما، تحسدها على أن هنالك من يهتم بها حتى وإن كان مصدرا لألمها الذي بدا على وجهها، بالتأكيد هو أيضا مصدر لسعادتها في أوقات أخرى·

(لتأت الآن أو لا تأتي أبدا) ما زالت تتمتع بذاكرة قوية تمكنها من استرجاع تفاصيل ما حدث··· كانت تقف أمامه على الأرض الباردة حافية القدمين تحرك يديها في جميع الاتجاهات وبصوت متهدج حاولت أن تعبر عن كل ما أزعجها، كانت أشد ضعفا وأكثر حزنا من أن تنظر لعلاقتهما من خلف النافذة التي تحطم زجاجها أو حتى تحاول فهم كلماته المقتضبة أو نظراته الغامضة في الخارج كان السكون تاما فيما سحب الدخان الملوثة من المصنع القريب تعبر فوق المباني الشاهقة وتظلل الشوارع قبل أن تختلط مع ملوثات النهار الأخرى، وعند أول شعاع ضوء رمادي خرج دون أن ينبس ببنت شفة، لم تحاول أن تستوقفه، شعرت بنفسها منبوذة عاجزة عن الاستمرار في مطاردة آثار رجل غريب·

(إني بخير) كانت تؤكد لنفسها ذلك لزيادة الاطمئنان، وكلما لزم عليها أن تختار الجهة التي ستسلكها من بعده أقنعت نفسها أن الوقت لا يزال مبكرا، الآن بعد أن فقدت الإحساس بروائح الأشياء أدركت أن داخلها تمردا على حالة صمتها·

 

* * *

 

تخرج المريضة من غرفة الطبيب بعد وقت طويل، تدخل بعدها سيدة في العقد الخامس من العمر ملامحها فاترة وخطوتها بطيئة، تمسك طرف عباءتها السوداء بيدها اليمنى وفي اليد الأخرى حقيبة زرقاء صغيرة لا تناسب سنها·

أمامها الكثير لتنتظر لكنها ستصمد، هكذا قررت فالتزامها اليوم بموعدها الثاني مع الطبيب وإجراؤها جميع التحاليل المطلوبة رغم كرهها للأطباء وعياداتهم نابع من ذعرها أن يعود فجأة بعد غيابه فتجد نفسها عاجزة عن استنشاق رائحته التي تملأ حياتها بالحياة·

 

* * *

 

في المرة الأولى لزيارتها للطبيب سألها إن كانت تعاني ضغوطا نفسية فأجابت بالنفي، أمها أيضا تحاول معرفة سر الحيرة في عينيها لكن من دون فائدة، صديقتها لا تزال تحاول التوصل لاستنتاج ما من خلال ملاحظتها غيابه الدائم وهي لا تزال مصرة على الاحتفاظ بجميع أسرارها في صندوق مغلق لا سبيل لاختراقه·

(معه كنت أشعر بجمال كل شيء وبؤس وشقاء كل شيء أيضا) منذ أن فقدت حذرها وهو يمارس سيطرة مشؤومة عليها، كالدمية يحركها بخيوط لا مرئية في جميع الاتجاهات مما جعل أعماقها تخفق بغيظ خفيف، أحيانا تود لو تصرخ فيه أن يعيدها إلى حقيقتها، أن ترد إلى ذاتها وأن تتخلى في المقابل عن السعادة التي أوهمت نفسها بها وسط انبهارها به، فرصة أخيرة للعودة إلى الوراء ستكون عادلة، ستتنازل عن هبة الوله وسر العشق العظيم·

الآن بعدما حدث بينهما ما حدث بدت لياليها مظلمة وكئيبة والخارج رهيب ومصدر عقوبات يومية تواجهها وحيدة وأيامها الفارغة من صوته وصورته جعلتها تتدثر بالمزيد من الكآبة وفقدها حاسة الشم خسارة جديدة تضاف لقائمة طويلة·

 

* * *

 

الجميع ينتظر، والممرضة كأنها نسيت أمرهم وانشغلت بالتنقيب في الملفات أمامها، الوقت محنط كمومياء في هذا المكان في هذا اليوم·

فجأة يخرج الطبيب من كهفه، يقف وسط الصالة يسألهن:

- من منكن أتت لمراجعتي بخصوص فقد حاسة الشم؟

ترفع جميع الجالسات أيديهن، تبدو عليه علامات الحيرة، يهز رأسه قائلا:

- منذ أيام وأنا أستقبل عشرات المراجعات يشتكين من الحالة والأعراض نفسها، يبدو الأمر غريبا بالنسبة إلي والى زملائي في العيادات الأخرى، يلزمنا بعض الوقت لتفسير ما يحدث، لذا أرجو من الجميع تسجيل الاسم ورقم الهاتف لدى الممرضة وسنقوم بالاتصال بكم·

 

* * *

 

تنهض مستسلمة لواقعها، تتساءل ما الذي ستفقده في غيابه أيضا؟!!

طباعة  

شعر
 
عرض
 
وتد
 
"حوار العرب" في عدد جديد
العرب أمام الهوة الرقمية

 
خبر ثقافي