
على مدى 130 صفحة ظهرت مجلة "حوار العرب" في عددها الحادي عشر· هذه المجلة الجامعة للسياسي والاقتصادي والثقافي، من دون أن تهمل الفلسفي، تصدر عن مؤسسة الفكر العربي في بيروت، برئاسة تحرير د· محمد الرميحي، وهيئة استشارية متنوعة·
هذا العدد يكاد يكون "نموذجا" لنهج المجلة في طرح محور ما تفرضه مقتضيات اللحظة العربية الراهنة· المحور هذه المرة عنوانه "العرب والفجوة الرقمية" وفيه تقديم لرئيس التحرير يركز أساسا على مفهوم "الرقمية" بوصفها صناعة أصبحت تدعى "صناعة المعلوماتية، وهي حسب د· الرميحي "ثورة في تكوين الثروة تفوق ما فعلته الثورة الزراعية والصناعية لتقدم البشرية، كون الأخيرتين تعتمدان على الأرض والمواد الخام والعمل، في حين تعتمد المعلوماتية على المعلومات، فالقيمة المضافة في العصر المعلوماتي هي قيمة الإنتاج العقلي، ومن هنا فهي ليست مقطوعة الصلة بالإطار السياسي والاجتماعي والثقافي للمجتمع"· ويجيء بعد ذلك تركيز المحور على الحالة العربية أمام هذه الفجوة، فيقدم د· يحيى اليحياوي من الجزائر دراسة تكشف عن أن هذه الفجوة الرقمية ليست بين العرب والعالم فقط، بل ثمة فجوة بين الدول العربية ذاتها· ويقدم مقترحات بعناصر لتضييق هذه الفجوة· وفي موضوع "هوامش على إدارة عملية نقل المعرفة التكنولوجية" للمهندس محمد أبو قريش تحليل لأسباب حدوث الفجوة، ومعناها الذي يلخصه بأنه "الهوة الفاصلة بين الدول المتقدمة والدول النامية في النفاذ الى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على استغلالها لأغراض التنمية"· من موضوعات المحور الأخرى "التعليم والتكنولوجيا في الوطن العربي: مصر أنموذجا" يقدم فيه د· محمد سالم رؤيته حول نجاح التجربة المصرية في المعلوماتية بإنشاء مركز "معهد تكنولوجيا المعلومات"· بالإضافة الى موضوعات تصب في هذا الإطار نفسه يقدمها حنا عبود وجمال محمد غيطاس، ولمياء الربيعو ود· غسان مراد وطه عبدالواحد، وحوار مع البروفيسور "برونو دلماس" من المعهد الفرنسي الوطني للتوثيق"، وكلها توسع من مدى قضية "الرقمية" الى آفاق دولية واقتصادية وسياسية·
عدد "حوار العرب" لا يكتفي بالمحور، بل يضم أبوابا أخرى، مثل "آراء وأفكار"، و"حوار العدد" و"أحداث سياسية" و"اقتصاد" و"كتبوا عن العرب" و"جديد المطابع"، وأخيرا "أوراق ثقافية"·
في "الآراء والأفكار"، يطرح د· وحيد عبدالمجيد موضوعا عنوانه "الخرافة في السياسة العربية" ويعني بها التفسيرات الخرافية للأحداث، وبخاصة "تلك التي ترى مؤامرة وراء معظم الأفعال والأحداث العالمية والإقليمية والكثير من التطورات الداخلية"، ويرجع سبب وجود هذا التفكير الخرافي الى الفقر المعرفي والنزوع التسلطي والفشل المتراكم في العالم العربي· فالأحداث كما يرى تنطق بأنها نتيجة تطور طبيعي في التفاعلات السياسية، أو تغير مفهوم في ميزان القوى، أو نجاح طرف دولي أو إقليمي في استثمار خطأ عربي واضح بذاته·
ويطرح محمود حيدر في سياق الآراء والأفكار أيضا "صورة الأيديولوجي" تلك التي هي نتاج فكرة يحملها الأيديولوجي عن نفسه في نفسه، وكل فكرة هي أمر ذاتي يهتدي إليه المفكر إثر مخاض جدل داخلي في مواجهة الخارج، ومن هذا المخاض يتحصل ضرب من عالم ذهني يطوي تصورا مفترضا لما ينبغي أن يكون عليه العالم الخارجي من اتساق شديد التطابق مع عالم الذات المتصورة·
مثل هذه الأطروحات أحسنت المجلة حين وضعتها تحت عنوان "آراء وأفكار"، ونعني بذلك أنها تحتمل الخطأ والصواب، وبخاصة أنها لا تجيء في سياق بحث في مادة ملموسة، بقدر ما هي تصورات لا تستخدم البراهين كوسيلة إقناع، وتطرح نفسها بوثوقية تامة بلغة "التنظير" لأفكار مسبقة لدى كتابها، ونتساءل، هل ستفتح المجلة صفحاتها لمن يناقش هذه الأفكار مثلا ليكون الحوار أوسع مدى من أصحاب مقالات يحاورون "قضايا"، في غياب من يحاورهم؟!
حوار العدد جاء لافتا للنظر مع أستاذ العلوم السياسية والمختص بمنطقة الشرق الأوسط الفرنسي "جان بول شانيولو"، وفيه نظرات ثاقبة في أبرز المنعطفات السياسية الساخنة في المنطقة العربية، سواء ما تعلق منها بالاحتلال الإسرائيلي، أو العبث الطائفي الذي يرى شانيولو أن الأمريكيين يمارسونه في العراق، ويحذر من امتداده الى لبنان·
"أوراق ثقافية" جاء عنوانا عريضا ضم حوارا مع الشاعر "أدونيس" عنوانه تصريح يقول فيه بأن "العربي هو العدو الأول للعربي"! ويتضمن حديثاً عن تفكيك القيم الرجعية في الثقافة العربية وهدمها، سواء في الثقافة نفسها أم في الشعر، فضلا عن السياسة والاجتماع"· وتضمنت الأوراق قراءة إنتاج "فوكوياما" منذ كتابه الأول "نهاية التاريخ" (1993) وحتى كتابه الأخير "نهاية الإنسان" (2000)" يكتبها تركي علي الربيعو، وكذلك مسألة الترجمة وخطورة تدهور حالها وحال المشتغلين بها "لجوزف إلياس" ومشكلات اللغة العربية وطرائق تجاوزها لأستاذ الأدب العربي في الجامعة اللبنانية د· مصطفى الجوزو· وأخيرا تقدم "حوار العرب" قصائد للشاعر البريطاني هنري ثورو (1817-1862) عنوانها "على شجرة الزعرور··· وقصائد أخرى"، وتختم صفحاتها بمقالة لفرانسيس فوكوياما، المفكر الأمريكي من أصل ياباني، في الذكرى الرابعة لهجمات 11 سبتمبر 2001، حيث يرى أن هذه الهجمات نسفت سياسة واشنطن الخارجية، وابتعدت بها عن القواعد التي تتحكم في الثقافة السياسية الأمريكية·