
· ثلث العمال الأمريكيين فقدوا وظائفهم خلال العقدين الماضيين أمام العمالة الأجنبية الرخيصة
· هل تسحب الهند البساط من تحت أقدام شركات التكنولوجيا الأمريكية والأوروبية؟
· توماس فريدمان يرى أن هناك عشرة أسباب أدت إلى تسطح الأرض
· الولايات المتحدة الأمريكية قد تعاني من مسألة التجارة الحرة
· 5 بلايين دولار حجم الصـادرات الأمريكية إلى الهند في عام 2003
· 212 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر في الصين
· مؤسسة بيل غيتس الخيرية تساهم بنحو 27 بليون دولار في تثقيف المجتمعات الفقيرة
تأليف: توماس فريدمان
* * *
عرض: سعاد المعجل
بالنسبة "لتوماس فريدمان" فإن العالم وبعكس ما اكتشف "كريستوفر كولمبوس" هو مسطح وليس كرويا!! لكن الاختلاف في الرؤية هنا ليس جغرافي المنبع·· وإنما هو نابع من يقين الكاتب الصحفي "توماس فريدمان" والحاصل على جائزة "بولتيزر" لثلاث مرات على التوالي عن كتاباته في الـ "نيويورك تايمز" حيث عمل ككاتب في الشؤون الخارجية!!
يأتي كتاب فريدمان "العالم مسطح" والصادر في العام 2005 الرابع في سلسلة كتب أهّلته لأكثر من جائزة!! ففي العام 1989 صدر له كتاب "من بيروت الى القدس" ثم في العام 2002·· فقد صدر له "اكتشاف العام بعد الحادي عشر من سبتمبر"·
وادي السليكون
يبدأ "فريدمان" رحلته في عالمه المسطح من الهند وبالتحديد من "بانغلور" أو كما أطلق عليها في كتابه "وادى السليكون" الهندي·· وحيث أدرك "فريدمان" كيف أدى عالم الاتصال المتقدم الى خلق شبكة عالمية أدت الى تسوية الأرض ودكها بصورة أدت الى خلق عالم مسطح تماما!!
في زيارته "لبنغلور" في العام 2004 استنتج "توماس فريدمان" أن العالم قد عبر بثلاث مراحل بارزة في حقبة العولمة: الأولى امتدت من العام 1492 حين فتح "كولمبوس" طريق التجارة بين العالم القديم والجديد·· الى العام 1800!! في هذه المرحلة تقلصت مساحة العالم من الحجم الكبير الى الحجم المتوسط!!
حقبات العولمة
أما الحقبة الثانية من العولمة·· فتمتد من العالم 1800 وإلى العام 2000·· وقد شهدت هذه الحقبة حربين عالميتين بالإضافة الى حالة الكساد العظيم·· وقد تقلص في أثنائها حجم العالم من الحجم المتوسط·· إلى الحجم الصغير!!
أما المرحلة الثالثة فهي التي بدأت في العام 2000·· وفيها تقلص حجم العالم الى حجم أصغر من الصغير·· فهي محور اهتمام "توماس فريدمان" في كتابة "العالم مسطح" حيث يرى أن المرحلة الثالثة من العولمة·· لاتختلف عن المرحلتين الأولى والثانية في حجم التغيرات التي أحدثتها وإنما كذلك في التغير الملحوظ في هوية اللاعبين حيث اقتحم في اللعولمة والتغيير شعوب غير غربية أو ليست من الجنس الأبيض وكما كانت العادة في السابق!!
لقد اكتشف "فريدمان" مدى تسطّح الأرض وليس تكورها عند زيارته "لبنغلور" حيث يتولى آلاف الهنود الذين برعوا في تكنولوجيا الاتصالات معاملات الضرائب والمحاسبة لزبائنهم في الولايات المتحدة·· وكل ذلك عبر الاتصال الإلكتروني!! مع كل ما يحمله ذلك من تقليص هائل في النفقات التي تتحملها عادة شركات المحاسبة في الولايات المتحدة!! ففي الوقت الحالي هنالك 245 ألف هندى يتلقون من موقعهم في "بانغلور" وغيرها من المدن الهندية آلاف المكالمات من أمريكا·· حيث يقومون بإرشاد زبائنهم المتصلين في كل الشؤون بدءا من بطاقات الإئتمان·· ووصولا الى الفواتير!!
لكن وبالرغم من أن هذه الوظائف يحتلها هنود يعملون فوق أرضهم·· إلا أن ذلك لا يعني أن معادلة الفائدة تعود على الهند فقط·· فمثل هذه المراكز الاستشارية تعود بالفائدة على الاقتصاد الأمريكي كذلك!! ففي هذه المراكز يتم استخدام برامج "مايكروسوفت وندوز"·· وأجهزة تكييف من شركة "كارير"·· بل وحتى مياه الشرب تمت تعبئتها من قبل شركة "كوكاكولا" الأمريكية!! كل ذلك يفسر أن الولايات المتحدة وإن كانت قد خسرت تلك الوظائف في هذه المراكز الاستشارية إلا أنها قد ربحت في حجم صادراتها الى الهند·· حيث زاد حجم الصادرات الأمريكية الى الهند من 2,5 بليون دولار في العام 1995 ليصل الى 5 بلايين دولار في العام 2003!!
تفوق غربي
في مجال التكنولوجيا
قد لا يكون هذا التطور التكنولوجي في الشرق قد سحب البساط تماما من تحت العالم الأمريكي أو الأوروبي·· فلا يزال الغرب يحظى بتفوق نسبي في صناعة التكنولوجيا·· لكن مثل هذا الوضع قد لا يستمر طويلا·· فلقد قامت الهند وحدها مؤخرا بتسجيل 1,000 طلب لحق ملكية لدى مكتب حقوق الملكية الأمريكي·· بل إن إحدى الشركات الأمريكية منحت ما يقارب 225 حق ملكية لشركات هندية!!
ولا يقتصر مثل هذا التفوق التكنولوجي على الهند وحدها·· بل لقد شهد "فريدمان" تفوقا مماثلا في الصين عند زيارته مدينة "دالين" الصينية·· أو كما أسماها "بنغلور" الصين·· حيث تحتضن هذه المدينة وحدها اثنين وعشرين جامعة يدرس فيها مائتا ألف طالب يتخصصون في الهندسة والعلوم!! هذه المدينة ترحب بالشركات الاستشارية اليابانية والأمريكية وتغض النظر عن العداء التاريخي بين الصين واليابان·
وحيث يأمل الصينيون أن ينشئوا مؤسساتهم وشركاتهم الخاصة بعد أن يتقنوا العمل في تلك الشركات الأجنبية·
يرى "فريدمان" أن النقلة النوعية في الاقتصاد العالمي التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات·· تؤكد أن المواقع أصبحت ذات أهمية فعلى سبيل المثال كان عدد العاملين من منازلهم في أمريكا 1106 ملايين موظف في العام 1997 بينما يصل عددهم اليوم الى 235 مليون موظف·· أي ما يعادل %16 من قوة العمل في أمريكا!! وخلاصة ذلك أن الموظف الآن بإمكانه العمل من أي جهة ولأي جهة·· وذلك بعد أن ساوت التكنولوجيا كروية الأرض وسطّحتها!!
لكن المثير هنا أن ذلك ينساق أيضا على الأداء العسكري فلقد شهد الكاتب تجربة مثيرة في هذا الصدد كان بطلها أحد العسكريين العاملين في القاعدة الأمريكية في قطر وذلك في أبريل 2004 حيث كان ذلك العسكري يتلقى الإرشادات من الجنرال "أبي زيد" وهو جالس أمام أربع شاشات عرض مجسمة·· إحداها تعرض شرحا تفصيليا لموقع في العراق·· والأخرى تبث من قاعدة في "لاس فيجاس" في ولاية نيفادا الأمريكية وفي أسفل الشاشة يمر شريط الحوار المتبادل بين الجنرالات كل من موقعه·· بما في ذلك موقع القيادة العليا في تامبا·· وأيضا في البنتاغون·· بل وربما في "السي أي إيه" أيضا·
يرى "فريدمان" أن مثل هذه التغيرات سيتم تدوينها في التاريخ كعلامات بارزة تماما كما تم تدوين الثورة الصناعية ·· وأنها ستنعكس حتما على شكل الأنظمة السياسية·· وعلى دور المرأة·· والتعليم·· والحروب·· بل وحتى على الأديان والفنون!!
يلخص "توماس فريدمان" في كتابه عشرة أسباب رئيسية أدت الى تسطيح العالم·· أولها كان في التاسع من نوفمبر عام 1989 الذي شهد انهيار حائط برلين·· والذي أنهى الحرب الباردة التي كانت عالقة بين النظامين الاقتصاديين السائدين·· الرأسمالية والشيوعية أما ثاني الأسباب فقد حل في التاسع من أغسطس عام 1995·· يوم إشهار شبكة "نتسكيب" الإلكترونية وتداولها بين العامة!! ثم يأتي تدفق سوق المعلومات والمواد الإلكترونية والذي اجتاح العالم بأكمله ليشكل ثالث أسباب سطحية الأرض بالنسبة "لفريدمان"!! أما السبب الرابع في منظومة الأسباب كما يراها "فريدمان" فهو في اشتعال سوق العرض الإلكتروني أو ما يسمى سوق (دوت· كوم)·
كما حملت الألفية الجديدة خامس الأسباب حيث دخلت دول الشرق وبالتحديد الهند والصين·· سوق شعيرات الاتصال الإلكتروني·· وأصبحت دولاً متقدمة تكنولوجيا كالولايات المتحدة تستعين بقوة العمل الهندية أو الصينية!! مما أسفر عن علاقة مختلفة وجديدة بين أمريكا من جهة ودول الشرق من جهة أخرى وهو أمر أدى الى المزيد من التسطيح·
ثم يأتي انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية كأحد الأسباب العشرة، حيث تنشط الصين الآن لمنافسة أمريكا والاتحاد الأوروبي في السوق الإلكترونية من خلال تدريب شبابها في مهارات العلوم والتكنولوجيا، وقد بدأت مؤشرات ذلك التنافس ففي دراسة قدمها بنك "مورغان ستانلس" أنه ومنذ منتصف التسعينيات·· وفرت أمريكا ما يقارب 600 بليون دولار من خلال استعانتها بالعمالة الرخيصة في الشرق·
أما السبب السابع فيأتي من خلال التعاون الأفقي بين الممولين·· وتجار التجزئة والزبائن!! والذي مهد للسبب الثامن وراء تسطيح الأرض·· ألا وهو التبادل التجاري من خلال السوق الإلكترونية·
أما تاسع الأسباب فيأتي من خلال انطلاقة برامج إلكترونية مثل "غوغل" وشبكة المراسلات الإلكترونية·
آخر الأسباب التي استعرضها "توماس فريدمان" جاء في انطلاقة العالم الرقمي·· المستخدم في التلفونات·· مع ما وفره ذلك من تواصل لا سلكي مذهل·
لقد أدى مثل هذا الاندماج الوظيفي العالمي الى طرح سؤال مهم·· يتعلق بهرمية الاقتصاد التي سادت العالم لعقود· ففي السابق كان الشرق مسخرا لخدمة الغرب· لكن ذلك قد تغير الآن ولا شك، وهنا يسوق "فريدمان" مثالا على ذلك، حيث عرضت ولاية "انديانا" مناقصة لتحديث أجهزة الكمبيوتر في الولاية·· وقد وقعت المناقصة على شركة هندية قدمت 8,1 مليون دولار مقابل ما طرحته شركة أمريكية وصل الى 15,2 مليون!! وبالطبع فقد رست مناقصة تحديث أجهزة كمبيوتر أمريكية الصنع ولولاية أمريكية على شركة هندية تعمل فوق أرضها·
يطرح "فريدمان" مسألة التجارة الحرة في عالم متصل ومتواصل ومسطح بكونها مشكلة قد تعاني منها أمريكا التي ترفع لواء التجارة الحرة· ففتح الأسواق العالمية يعني منافسة شرسة للولايات المتحدة من قبل دول تفوقها عددا في حجم العمالة كالصين والهند·· لذلك فهو يرى أن التراجع في عالم أصبح مسطحا هو مسألة صعبة وغير منطقية· وأن الأجدر بأمريكا أن تتقدم إلى الأمام·· واضعة بعين الاعتبار برامج مكثفة لتحديث ثقافة شبابها وقدراتهم التنافسية في سوق العمل المفتوح والشاسع· ففي دول عظيمة كالولايات المتحدة·· تملك من القدرات الكثير·· لا تزال الاستجابة فيها للمنافسة متواضعة مقارنة بما هو حاصل في دول كالصين والهند فبحسب دراسة أجراها أستاذ الاقتصاد "لورى كليتزر" أنه في الثمانينات والتسعينات خسر ثلثا العمال الأمريكيين في المصانع وظائفهم أمام العمالة الرخيصة القادمة من الخارج·· بينما خسر ربع العمال الذين عادوا الى وظائفهم ما يقارب %30 من دخولهم السابقة!!
الدول النامية
يخصص "فريدمان" فصلا كاملا من كتابة لبحث كيفية تعامل الدول النامية في ظل تسطح الأرض ودكها اقتصادياً وسياسيا، ويسوق هنا المثال الصيني كنموذج للنجاح في عالم كهذا حيث ورد في تقرير للبنك الدولي أن 375 مليون شخص في الصين يعتبرون تحت خط الفقر وبدخل لا يتجاوز دولارا واحدا في اليوم·· لكن هذا الرقم تقلص ليصل الى 212 مليون شخص في العام 2001 ومن المتوقع أن يصل الى 16 مليوناً فقط في العام 2015·
كما يرى "فريدمان" أن التداخل بين الثقافة والأداء الاقتصادي في بعض دول العالم النامي قد أضر بتلك الدول لأن المنطق الاقتصادي الحديث يقول بأن النجاح والتقدم الاقتصادي في العالم المسطح·· هو رهن الاستجابة ومواكبة الأفكار الجديدة القادمة من الخارج·· لذلك فهو يرى في نهج جماعات كجماعة "بن لادن" خروجاً عن هذا المنطق وتقوقعاً· في عالم أصبح مفتوحاً ومسطحاً!! الرابح فيه هو المؤمن بثقافة التسامح التي ترحب وتجيز الاندماج الاقتصادي الأفقي الآخذ في الازدياد· يضع "فريدمان" شروطاً للشركات لكي تنجح في مثل هذا العالم المسطح··
أولها أن على الشركات التجاوب مع ما استحدثه هذا التسطح وأن لا تبني أسواراً لتفاديه·· وأن على الشركات الصغيرة أن تتصرف كما لو كانت شركات عملاقة وذلك بالاستفادة من الأدوات المطروحة والمتاحة في عالم الاقتصاد الحديث!! أما الشركات العظمى فعليها أن تتعامل كما لوكانت صغيرة وذلك بأن تتيح لزبائنها فرصة الإحساس بالأهمية·· وأن تضاعف من تعاونها مع الشركات الأخرى وفي جميع المجالات سواء في التسويق·· أو التكنولوجيا·· لأنها أصبحت مجالات معقدة ولا يمكن لشركة بمفردها القيام بها دون تعاون مع غيرها من شركات!!
لكن·· وعلى الرغم من قناعة "فريدمان" بتسطح الأرض·· لما يتعلق بتداخل العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول·· إلا أنه يقر بأن العالم كروي وليس مسطحا بالنسبة لدول فقيرة تئن تحت وطأة الأمراض والعوز·· فهنالك مناطق في الصين والهند لن يجرؤ أي رأسمالي على الاستثمار فيهاو وهو يرى أن على الدول المتقدمة أن تمد يد العون لهذه المجتمعات·· ليس بالمساعدات العينية فقط·· وإنما بمساعدتها فنيا لكي تتمكن من الاندماج في عالم أصبح مسطحا في تداخلاته الاقتصادية وكما فعل "بيل غيتس" الذي تساهم مؤسسته الخيرية بمبلغ يقدر بـ 27 بليون دولار خصصت لتثقيف المجتمعات الفقيرة بالمناهج الاقتصادية والعلمية الحديثة·
شبكة التمويل
يختم "توماس فريدمان" كتابه المثير باستعراض ما أصبح يعرف بشبكة التمويل أو "Supply Chain " وحيث تشترك في تمويل السلعة أكثر من دولة ممثلة بأكثر من شركة، لكن ما يؤرقه على حد قوله·· أن هذه الشبكة أصبحت تعاني من عثرات في الطريق بسبب نهج بعض الجماعات المتطرفة التي تروج للانفصال البشري وليس للاندماج· فكما شكل تاريخ التاسع من نوفمبر أو 9/11 نقطة انطلاق للتزاوج الاقتصادي والعلمي والعالمي مع سقوط حائط برلين·· فإن الحادي عشر من سبتمبر يشكل انجرافاً خطيراً ثم في ذلك المسار·
لقد تسطح العالم ولم يعد كرويا·· واندمجت المجتمعات بفعل ما أحدثته التكنولوجيا من تغيرات وتلك خطوة لا رجعة فيها على حد تعبير "فريدمان"·· لأن أي إعاقة لهذا المسار البشري الجديد·· ستكون تكلفتها باهظة لشعوب العالم كافة· لذا فإن من الأفضل للبشرية أن تستثمر الاندماج الذي كانت بدايته مع سقوط حائط برلين وأن تتفاءل بهذا المسار الجديد الذي ساوى سطح الأرض وسطّحها·
