· خطة فك الارتباط: ابتلاع الضفة والقدس
· المديح العربي المجاني لشارون تجاهل وخداع نفس
· ليس على العرب أن يعترفوا فقط بل وأن يتصهينوا أيضا
· محاولة لمواجهة تيار التطورات الدولية
· الإدارة الذاتية الفلسطينية عنوان ومحتوى دولة فلسطينية
· لن تكون هناك دولة فلسطينية غرب نهر الأردن
· الدعم الأمريكي لشارون الأبرز في كل هذا
عزمي بشارة:
جاء في فاتحة خطة شارون لفك الارتباط مايلي: "دولة إسرائيل ملتزمة بعملية السلام، وتطمح الى الوصول الى حل متفق عليه للنزاع على أساس رؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش· وتؤمن دولة إسرائيل أنه يجب عليها التحرك لتحسين الوضع الراهن· وقد توصلت حكومة إسرائيل الى أنه لا يوجد في الوقت الحالي شريك فلسطيني يعتمد عليه يمكن أن تحدث معه تقدما في عملية سلام من طرفين· وبناء على هذا، وضعت خطة لفك ارتباط منقحة تقوم على الاعتبارات التالية: "أولا، إن الجمود الذي يفرضه الوضع الراهن مضر، ولكسر هذا الجمود المطلوب من دولة إسرائيل أن تبادر الى التحرك من دون الاعتماد على تعاون فلسطيني، ثانيا، هدف الخطة أن تؤدي الى قيام وضع أمني وسياسي واقتصادي وديمغرافي أفضل، ثالثا، في أي تسوية مستقبلية دائمة، لن تكون هناك مدن وقرى إسرائيلية في قطاع غزة· ومن جانب آخر، من الواضح أن هناك مناطق في الضفة الغربية ستكون جزءا من دولة إسرائيل بما في ذلك مراكز السكان الإسرائيلية الكبيرة، ومدن وقرى ومناطق أمنية وأماكن أخرى تمتلك أهمية خاصة بالنسبة الى إسرائيل" (عن خطة فك الارتباط لرئىس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، منقحة في 28 مايو 2004)·
لقد أوردت هذه الفقرة أعلاه لأن الناس ربما سينسون وسط الجعجعة المحيطة بالانسحاب ما هو موضوعه وأهدافه الفعلية، ودعوني أوضح ما أعنيه·
خطة فك الارتباط الشارونية دعوة الى وضع خريطة الطريق جانبا، وهي محاولة استباقية لسد الطريق على مبادرة أي طرف الى كسر حالة الجمود (وهي ذاتها نتاج التعنت الإسرائيلي بذريعة عدم وجود شريك فلسطيني مستعد لقبول الإملاءات الإسرائيلية لتسوية دائمة) وإجبار الولايات المتحدة الأمريكية على متابعة خريطة الطريق كما أعدت أصلا، حتى إن كان الهدف تحسين برنامجها في المنطقة بعد احتلال العراق·
ورغم أن مبادرة شارون تعرض التخلي عن المستوطنات في غزة التي لا مستقبل لها على أية حال، إلا أن هدف هذه "التنازلات" هو ضمان الإبقاء على مستوطنات كبيرة في الضفة الغربية والقدس،وبالفعل، فإن هذا السبب تحديدا هو الذي يقف وراء طلب موافقة الأمريكيين، لا الفلسطينيين ولا العرب، على خطته· إنه بحاجة لدعم الأمريكيين كي يواجه أي ضغط دولي محتمل عليه بشأن مستوطنات الضفة الغربية والقدس في المستقبل، وكذلك الضغط عليه بشأن وضعية القدس وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقد فاز بهذا الدعم على شكل رسائل متبادلة بينه وبين الرئيس بوش في 14 إبريل 2004، وفوق كل شيء، لم يكن موضوع المحادثات التي سبقت تبادل الرسائل بستة أشهر مع واشنطن هو إقناع واشنطن بأن على إسرائيل الانسحاب من غزة، بل كان الموضوع الحصول على أعلى ثمن ممكن مقابل الانسحاب، ولهذا ليس مستغربا أن يقول شارون في لقاء معه على صفحات يديعوت أحرونوت (11 أغسطس 2005) قبل أن يبدأ فك الارتباط، إنه يفضل التفاوض مع الأمريكيين بدلا من العرب·
متملقون!
من الواضح إذن أن لا قيمة لموافقة الفلسطينيين والعرب على خطة فك الارتباط، فشارون لم يسألهم رأيهم أبدا، بل إن رأيهم يجيء دائما بأثر رجعي، إما رغبة في تملق واشنطن أو كاعتراف بأن شارون هو اللاعب الوحيد، ويمكننا أن نفهم الابتهاج الشعبي بمغادرة المستوطنين ويمكن تبريره، ولكن المديح المجاني لفك الارتباط، وتصوير شارون على أنه رجل سلام، لا هو بالمفهوم ولا بالمبرر بأي شكل من الأشكال، بل هو تواطؤ مع الضعف العربي وتسليم به·
خطط شارون واضحة، ومكتوبة، كما رسائل بوش المتبادلة معه· ولا يجمع بين تجاهل هذه الخطط وخداع النفس إلا أمر واحد، هو خداع آخر للناس في الوقت الذي يجري فيه توسيع المستوطنات في الضفة الغربية والقدس على قدم وساق·
في لقاء تلفازي معه في 11 أغسطس، كرر شارون وعده باستئناف خريطة الطريق بعد اكتمال فك الارتباط مع غزة، فإذا صدق عرب كثيرون هذا، عليهم أن يضعوا في أذهانهم تصريحات شارون التي تحدد بقوة أن أي تقدم بعد فك الارتباط مشروط بتقدم السلطة الفلسطينية في محاربة الإرهاب، بالنسبة الى شارون ما يسميه "تفكيك البنية التحتية للإرهاب"، هو بداية خريطة الطريق، وهو موقف ردد صداه بوش في اللقاء التلفازي نفسه حين قال إنه بعد فك الارتباط فإن تقديم الدليل على الرغبة بالسلام سيقع على عاتق القيادة الفلسطينية والتزامها بالحرب على الإرهاب·
أما عن المستوطنين، فيجب التشديد على أن موقفهم من فك الارتباط هو موقف يتغير تبعا للعلاقات داخل المؤسسة الإسرائيلية والتجمع الإسرائيلي· فالمستوطنون لا يلعبون دورا في مسرحية، فهم يعارضون شارون فعلا، ومع ذلك يمكن تصنيفهم في فئتين، فئة تتضمن أولئك الذين يدافعون عن المستوطنات في غزة، ليس نتيجة إيمان بأنها تمثل فرصة للبقاء، بل لأنها تمثل خط دفاع أول ضد أي مساس بالمستوطنات في الضفة الغربية، وستكون معارضة هؤلاء على المدى البعيد لمصلحة شارون في مواجهة الضغط الخارجي، إذ ستمكنه من الإشارة إليها لإيضاح كم هي "مؤلمة التنازلات" التي أقدم عليها!
الفئة الثانية تتضمن أولئك المستوطنين المعادين لشارون في العمق بالفعل، لأنه خانهم بأن أخضع معتقدا مطلقا من معتقداتهم الدينية مثل "حق الاستيطان في كل أرض إسرائيل التاريخية" لإملاءات ومقتضيات السياسة النفعية·
على أية حال، إذا كان من الخطأ اعتبار هاتين الحالتين شكلا من أشكال لعب أدوار سياسية، فمن الخطأ أيضا اعتبار هذا الشق بين شارون والمستوطنين برهانا على أن فك الارتباط كان نصرا عربيا، إنه ليس نصرا· خطة شارون لفك الارتباط في جوهرها هي محاولة لمواجهة تيار التطورات الدولية ورده على أعقابه، ذلك التيار الذي بدأ يدرك أهداف شارون بعيدة المدى، وسيكون من المفيد هنا إلقاء نظرة على الكيفية التي استمات بها شارون بانتظام واتساق لتحقيق هذه الأهداف·
تصهينوا.. وإلا..!
بعد انتخابه رئيسا للوزراء قال شارون لصحيفة "معاريف" (13 أبريل 2001): "لم أغير وجهة نظري·· الشيء الوحيد الذي غيرته هو رأيي بأن الأردن هو فلسطين، ولم يحدث هذا التغيير إلا بسبب تطورات على الأرض أنا لم أرد أبدا وجود دولتين فلسطينيتين" ومع ذلك حين يأخذ المرء في اعتباره أن خططه لدولة فلسطينية غير قابلة للحياة مركبة من فك ارتباط ديمغرافي وجدار فاصل تدفع بثبات نحو كينونة فلسطينية - أردنية، يدرك أنه حتى موقفه بأن الأردن هي فلسطين لم يتغير تغيرا جوهريا·
شارون يفضل بوضوح اتفاقية موقتة، طويلة الأمد مع تنازلات إسرائيلية طفيفة على تسوية دائمة مع العرب· إنه مثل هنري كيسنجر في اعتقاده بأن حل "اللاحرب" طويل الأمد أكثر واقعية من اتفاقية سلام دائمة·
فالسلام الدائم بالنسبة له لا يصير ممكنا إلا في حالة واحدة، ليست هي أن يعترف العرب بإسرائيل كواقع قائم، بل أن يعترفوا بحق اليهود التاريخي في إنشاء هذه الدولة، أو بكلمات أخرى، المطلوب من العرب أن يقبلوا الصهيونية في واقع الأمر·
(أي أن يتصهينوا) وإلى أن يجيء وقت يقدمون فيه هذا التنازل، لن يستحقوا ضمان اتفاقيات موقتة، وعليهم بناء على هذا أن لا يحصلوا إلا على أقل القليل·
إن حالة "لاحرب" طويلة الأمد، من جانب آخر، تجيء في أعقاب إنشاء دولة فلسطينية على ما يقارب % 42 من أراضي الضفة الغربية زائدا غزة من دون القدس، ومثل هذه الدولة ستظهر من اتفاقية متفاوض عليها بدلا من أن تكون عملية من جانب واحد· إلا أن الدولة التي يراها، والتي سيكون على العرب الموافقة عليها، كما أخبر "معاريف"، ستكون "مقيدة ومنزوعة السلاح، وستكون لديها قوة شرطة غير مسلحة إلا بالأسلحة الضرورية لحفظ الأمن، وستقوم إسرائيل بحراسة حدودها الداخلية والخارجية في مقبل الأيام· ودولة مثل هذه لا يمكنها عقد تحالفات مع دول معادية لإسرائيل، وستحتفظ إسرائيل بحق استخدام أجوائها، ومادام أن لا شيء سينتقص من الأمن الإسرائيلي فليس لديَّ أي مشكلة" (13 أبريل 2001)·
على أية حال، يرجع مفهوم شارون لـ "دولة" فلسطينية الى زمن أبعد من الوقت الراهن· فقد دعم شارون مفهوم مناحيم بيغن لمبدأ الإدارة الذاتية، للضفة الغربية وغزة، والذي أشارت إليه اتفاقيات كامب ديفيد، وأصبح هذا المفهوم مركزيا في نهجه تجاه القضية الفلسطينية بعد الحرب في لبنان في العام 1982حين فشل في طرد الفلسطينيين الى الأردن بمساعدة ميلشيات لبنانية معينة، ففي مؤتمر صحافي عقده في 20 حزيران/ يونيو 1982، مباشرة بعد أسبوعين من بدء غزو لبنان، كشف شارون عن العلاقة بين تلك الحرب وفكرة الإدارة الفلسطينية الذاتية: "يجب أن يفهم سكان يهودا والسامرة أنه ليس لديهم أحد إلا أنفسهم لحل مشاكلهم، والآن هناك كثير من الشخصيات السياسية والسكان أيضا يفهمون بأن الطريق الى السلام يمر عبر مفاوضات مباشرة بينهم وبين إسرائيل·· هذه القضية ستظل معلقة الى أن يتضح الى أي مدى سيظل رأس منظمة التحرير الفلسطينية متصلبا" وأعتقد أن العرب في يهودا والسامرة يريدون التفاوض، وسنقوم في الأيام القادمة، وحين تهدأ الجبهة، بهجمة سلام في المناطق في محاولة لخلق قنوات اتصال تفتح حوارا حول إنشاء حكم ذاتي" (ها آرتس 21 حزيران 1982)·
وفي ما بعد، وفي أقل من ستة أشهر، أعلن شارون أنه يسعده التفاوض مع الأردن حول برنامج الإدارة الذاتية، المشار اليه في اتفاقيات كامب ديفيد (معاريف، 10 يناير 1983) وفي العام 1988 كان أكثر تحديدا بشأن مفهومه للإدارة الذاتية الفلسطينية وعلاقتها بالأردن: "أنا مؤمن ببرنامج الإدارة الذاتية كجسر سلام بيننا وبين الدولة الفلسطينية في الأردن، وستقود الإدارة الذاتية في المستقبل البعيد الى فيدرالية، أو كونفدرالية إسرائيلية - فلسطينية على ضفتي نهر الأردن" (يديعوت أحرونوت، 26 فبراير 1988)·
دولة 40%
وعلى العكس ما قد يتخيله البعض، فإن شارون يرى في الأردن دولة فلسطينية، ولكن ليس بمعنى تغييرالنظام الحالي في الأردن بالضرورة، فلا فرق لديه، سواء كان عنوان الدولة الفلسطينية مملكة هاشمية أو غيره·
وبالفعل، فحين دعا شارون الملك حسين للقائه في العام 1980، قال "لم أقل أبدا إن على الأردن أن يتحول الى دولة فلسطينية، الأردن هو دولة فلسطينية ما دام 60% من سكانه فلسطينيين" (يديعوت أحرونوت، 30 أغسطس 1982)·
وفي مقال نشر مع بداية الانتفاضة الأولى، وضع شارون خطوطا عريضة بما يعتقد أنه سيكون "إطارا للشروط" التي يتعين على إسرائيل أن تقدمها الى الولايات المتحدة الأمريكية لتجعلها أساسا لأي تسوية مستقبلية: "القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، نهر الأردن يشكل الحدود الأمنية الشرقية لإسرائيل (لاحظوا أنه لم يقل الحدود السياسية)، لن يكون جيش غربي نهر الأردن سوى الجيش الإسرائيلي· إسرائيل مسؤولة عن الأمن الداخلي والخارجي للأرض غرب إسرئيل (يعني الأرض غربي نهر الأردن)· لن تكون هناك سيادة في يهودا والسامرة وغزة، لن تكون هناك دولة فلسطينية ثانية غرب نهر الأردن، مشكلة اللاجئين الفلسطنيين يجب أن يحلها العرب، الجولان جزء من إسرائيل"· ويضيف في نهاية هذا المقال: "في المستقبل سيجعل عرضي تطبيق خط الليكود ممكنا (دولة فلسطينية في الأردن وإدارة ذاتية وفقا لكامب ديفيد كمرحلة موقتة)، وكذلك خط حزب العمل الذي هو الوصول الى تسوية حول وضعية المناطق" (يديعوت أحرونوت، 12 مارس 1988)·
فماذا حدث منذ ذلك التاريخ؟
تواصلت الانتفاضة الأولى، وفك الأردن ارتباطه من جانب واحد مع الضفة الغربية وغزة، وسحب الملك حسين البساط من تحت خيار حزب العمل القائل بإعادة المناطق المأهولة بالسكان في الضفة الغربية الى الأردن، وفي مقال مهم في "يديعوت أحرونوت" في 12 أغسطس 1988، وفي مؤتمر صحافي بعده بأسبوع، رمى شارون قفاز التحدي في وجه حزب العمل، وتحداه أن يضم من جانب واحد إلى إسرائيل تلك المناطق التي لن تسلم الى الأردن في تسوية حول المناطق، وتسليم تلك التي كان سيتم التنازل عنها الى الأردن أصلا للفلسطينيين بدلا من تسليمها للأردن· المناطق موضوع هذا الخيار والتي قصد منها استباق اتخاذ الفلسطينيين مشروعا خاصا بهم على حطام الخيارالأردني، تضمنت %40 من الضفة الغربية زائدا غزة، فلو أن منظمة التحرير الفلسطينية احتلت مكان الأردن منذ ذلك الحين، كما فعلت في اتفاقات أوسلو، لما تجاوز الأمر واقعة ورثها شارون عن رابين· الأبرز بين كل هذا هو دعم واشنطن المطلق لموقف الليكود منذ 11 سبتمبر والاحتلال الأمريكي للعراق والانتفاضة الثانية، فلم يغير واحد من هذه أساسيات مخطط شارون·
