رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24 شعبان 1426هـ - 28 سبتمبر 2005
العدد 1697

كتابة

أسماء وهواء الصوفيين الواقعيين

 

علي حسين الفيلكاوي

يد قطنية تنتزع قميص اللحم، تنسل في كون وتخرج كفضاء· الضريح في آخر قمر يستظل تحت عريش القرية، حيث لا خرائط زيتية سوداء، ولا شموع رملية، أبواب القرية ألسنة تتخشب، والظلام يركض في مسام الوجوه، الشيخ يشتعل فوق سطح الهواء، منتظرا بركة موجة، أو عطاء تاجر المدينة·· وحين امتلأت يداه الرطبتان بالذهب الخفيّ، لمعت الأعين الجائعة، وبينما وجود الأرواح البدائية يخفق مثل حيوان تعيس، لم يعرف الوحدة ولا الألم، صمتت المسافة ما بين المحطة والقطار، وسال ثلج الإنسان من جليد الكهوف السحيقة·· فتشكلت صور للضلال وأسماء للأسماء·

يعشق الجسديات وما يدوخ حولهم وبهم ولهم، ناعم وسارح مثل طفلة حزينة لا تفهم معنى الحزن، ولا تدرك سر نعومة أحلامها، يكاد يلحد لولا يقينهم به، فيحبهم به وبهم، يؤمنون·· مؤمنون من أجله، لأنه هنا وهناك وليس هنا·

كلما سألناه عن نبت السعادة، أشار الى جهة مجهولة في رأسه·

نفهمه·· في كل مرة نفهمه يطير، وحيث لا ندرك نختفي نحن·

مع كل نبضة تلدغنا مخاوفنا، وقد علّمنا أن مكمن الخوف جهلنا به وبنا، ومع هذا كلما ازددنا علما به، ازددنا رعبا بنا·

كلما همّ بختم نفحة، حذرنا من الفقراء··

···: الأخّاذون، الأخّاذون·· ثم يتنحنح عميقا ويلعنهم

(بغضب غير مبرر): لا يمليء سلال الهواء سوى الأغنياء·

أهدى أحد مريديه تذكرة حول الوجود، فدار ثم دار الوجود حول المريد·

يبسط كفيه ميزانا فينفخ في كف، ويزن في كفه الأخرى روح محدثه وعلى مدى كل خطرات الهواء، لم يحدث أن رجحت سوى كف أنفاسه·

(وهو يحاول ألا يخدعنا بشطحاته ثانية): لتسترجع المادة ألقها الوجودي، ليفرح الصغار بلعب المصانع الحديثة، وليلهو الآدميون بجلود الشاشات العملاقة، لنتعلم - بالرغم مما ندرك - كيف نحب الرغبات الحقيرة، لنتفهم بعطف النظرات المفترسة والميتة في آن· لجشعهم رغبة أكيدة في التهامنا، الغبي الآن من يفكر منكم أن يقدم روحه أضحية على سطح أطماعهم· جشع أمام جشع وموت قبالة موت·

اعتبر ما ردده بالأمس وداعا نهائيا، مثل أي وداع مقدس، وتجوّل كسرٍّ ملكي في المنحدرات البشرية الأولى· له في كل كلمة معبد وتحت كل قبة له خلوة للحقيقة، قاس كمعلم مادي، وأنيق كممثل غربي، متحول وأبدي·· مرة كان قائدا مدرعا بالذكاء وبالغرور، أحاطت به قوات أعدائه بينما جيشه على منحدر السهوب القريبة·

يتفرج مع قائده الجديد·· فراح يشم رائحة اخضرار الأنهار الصاخبة، دون أن يشعر بأحشائه المتناثرة·· كان مرة النسر الذي حلّق فوق جثته الممزقة· هو من هؤلاء الذين يرمون حظوظهم على طاولة الأرقام ويودعون في كرة الضوء الأخضر سر جيناتهم، يفرحه أن ينام في جيبه الهواء، ويفرحه أكثر أن يتلمس قدميه ولا يجد جذورا لأي معنى·

اثنا عشر كلبا تجر زلاجتين متصلتين بكرسي مدبوغ من جلد "الرنة"، قصور الجليد طرق مفترضة تنبع منه أمامه في استمرار، سياطه تتلذذ بألم النباح، غبار الثلج يدفن جفنيه تحت ارتعاش رؤيته، الحياة تشبه الآن كوكبا وحيدا منحدرا ولاهثا بجنون البياض، أفلت يديه ورمى خلف الظلام الشتائي ما تبقى له من رصد الهواء، متطايرا خلفه ذرات تلو ذرات، نافذا بمركز وعيه فقط، رائحة المذبوحين بالأمس تسلخ أحشائه، وبخار دمائهم يختلط بالضباب المتجمد، رسنه يندفع وحده نحو هاوية القطب، نبضات متفجرة وغامضة، في هذه اللحظة، في هذه اللحظة بالتحديد، رفع مساطر الفراء عن جسده وبأظافر مرتعشة انتزع عن جلده كل أثر للوقت وتدحرج بعيدا عن عربة الشتاء·· بعد هذه اللحظة لا يعرف أحد ما حصل بالضبط··

أين يولد بعد؟ كيف يخفق أكثر، ودمه ملاك صدف للتو لذة الإثم؟

طباعة  

في افتتاح الموسم الثقافي في رابطة الأدباء
الغنيم وخلف في العشق وصوت العشق والقلاف في الوطن والنجمة في "استدارات" المعنى

 
أخبار ثقافية
 
مركز البابطين للترجمة ينطلق رسميا
 
شعر
 
تطوير التعاون الثقافي بين الكويت وإيطاليا