محاكمة صدام:
السياسة والعدالة!
ما سر العجلة المحمومة التي ترافق ملف محاكمة الرئىس العراقي المخلوع صدام حسين وزمرته؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يُتداول في أوساط تريد تحقيق العدالة دون إتاحة أي فرصة لتعزيز شعبية هذا الديكتاتور·
هناك جملة من الملاحظات التي تثار حول المحاكمة ومنها: إقامتها في ظل أجواء عدم استقرار سياسي واجتماعي، ولكون شكل الدولة وإدارتها وشخوصها لم تنضج بعد، ولتواجد قوات أجنبية بعضها (أمريكية) محصنة من المساءلة، وتشكيك في جاهزية الهيئة القضائية وكذا محامو الرئيس العراقي لاستيعاب طبيعة التهم·· وغيرها من الملاحظات·
وإن كانت الأصوات المطالبة· بإعدام هذا الديكتاتور وأعوانه، ومعرفة الكثيرين منا بأن هذه العقوبة هي الأقرب للاستحقاق بحسب القانون العراقي، وليس على جميع جرائمه بل على جريمة واحدة فقط· فلماذا هذا التسارع غير المبرر؟! لماذا لا تتم المحاكمة بالشكل الذي يكفل تحقيق إجراءات المحاكمة العادلة، كي لا توصف هيئة القضاء بأنها انتهجت الأسلوب ذاته الذي اتبعه صدام ضد خصومه·
لماذا نقول ذلك؟
هناك أسباب يوردها الكثير من المحامين والقانونيين العراقيين ذاتهم، لشرح أسباب عدم موافقتهم على الطريقة التي تجرى بها عملية ما قبل المحاكمة والتي ستوصلنا الى يوم صدور الحكم·
د· طارق علي الصالح، محام ومستشار قانوني عراقي مرموق كتب في 5 أغسطس الماضي رأيا يستحق النظر، يهدف من ورائه إلى تحقيق هدفين:
الأول: الحؤول دون تحقيق أي شعبية تعقب صدور أي حكم مهما كانت درجته على صدام حسين طالما أن هناك إصراراً على استعجال المحاكمة·
الثاني: تحقيق أقصى درجات الشفافية في إجراءات المحاكمة حتى لا نكون قد تشبهنا بنظام صدام القضائي في الحكم على الأبرياء في زمنه· ويمكن تلخيص النقاط التي استند إليها المحامي د· طارق الصالح على النحو التالي:
1 - كان ولا يزال دور القضاء العراقي (مجلس القضاء الأعلى) الذي أصدر فيه الحاكم المدني (بول بريمر) قرارا بفصله عن وزارة العدل، عاجزا عن الاتيان بشيء ذي اعتبار تجاه الأفعال الإجرامية المرئية والملموسة والمحرمة دوليا وذلك لسببين هما: الشكوك التي تحوم حول من تم تعيينهم في زمن الحاكم المدني الأمريكي، وطبيعة الحصانة الممنوحة لقوات الاحتلال والعاملين معها من التعقيبات القانونية من أي جريمة يتم ارتكابها في العراق· وهذا في ظني جرح في نزاهة هيئة القضاء يجب معالجته·
2 - إن الجمعية الوطنية ومن دون الرجوع الى هيئة القضاء الأعلى المنوط بها حماية قانون إدارة الدولة، قامت بتعديله دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها بالمادة 42/ج، وهذا ما يقضي بأن تكون هذه الجمعية منحلة!!·
3 - إن تحديد موعد المحاكمة الذي جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم رئىس الوزراء الانتقالي د· ليث كبة ليكون في 19 أكتوبر المقبل فيه جرح لمسؤولية المحكمة وجديتها في تحديد مثل هذا الموعد، أي أن تحديد التاريخ يجب ألا يكون في أيدي السياسيين· وما تم مؤخرا أدى الى أن يريط المراقبون موعد المحاكمة المعلن بما يثار حول الاستفتاء المزمع إجراؤه تجاه دستور الدولة المثير للجدل·
4 - إن تشكيل هيئة قضائية جنائىة من قضاة غير محايدين أو ممن هم خصوم سابقون للرئىس المخلوع يعد مخالفة في زمن صدام حسين وتحديدا قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969، حيث يؤكد هذا القانون في إحدى مواده "بعدم جواز النظر في أي دعوى إذا كان للقاضي زوجة أو أحد أولاده أو أحد أبويه أو إذا كان بينه وبين أحد الطرفين عداوة أو صداقة يرجع معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل"·
ويختم د· الصالح رأيه بالتذكير بأن محاكمة رموز النـازية فـي (نور مبيرغ في عام 1945 واجهت الكثير من الانتقادات بسبب أنها شكلت من قبل الحلفاء - عدالة المنتصرون -- الذين هم خصوم للنازيين، وهو ما تداركه المجتمع الدولي لاحقا في تشكيل محاكم جنايات موقتة مستقلة (رواندا - يوغوسلافيا)، ودائمة كما هي الحال في المحكمة الجنائية الدولية الآن وبالاستناد الى قانون روما الأساسي لعام 1998··· فهل تنتصر العدالة في العراق؟
مظفر عبدالله
mudrr@taleea.com