رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 رجب 1426 هـ ـ 24 أغسطس 2005
العدد 1692

وتد

الجالس قرب الميت في شارع "مونو"

 

نشمي مهنا

اللامبالاة بوحش الموت الذي يمر خلف ظهرك حيلة ذكية تميت الموت قهرا· وعدم النظر في عينيه إن واجهك يبطل هيبته ويربكه·

هكذا في لبنان، يؤلفون لكل موت عابر نشيدا جماعيا يخيفه·

الأصدقاء يوسف بزي ويحيى جابر وفادي طفيلي ومجموعة من مؤلفي الحياة اللبنانية الجديدة كانوا يصفقون في مساء مقهى "شي اندريه" بعد سماعهم خبر انفجار شارع "مونو" بالأشرفية·

كان التصفيق اعتراضا، وإعلان لا مبالاة، وراية بيضاء، وتأكيدا على الذات، واستهزاء بشبح الموت وصانعيه· كان في الحيز الضيق من جسد المقهى· وفي الروح الشاسعة للبنان·

قبل ذلك، كان التصفيق حول جنازة سمير قصير حزنا غاضبا، ارتجل المشيعون لغته العفوية ببلاغة نادرة·

بعد وصولي الى بيروت بثلاث ساعات حدث انفجار "مونو"، كنت وقتها في المقهى القريب من الفندق· فجأة·· اختلطت الأصوات: الزبائن برنين الموبايلات بهمسات "الجرسونات" بتحذير الأهالي بالتطمينات· الجميع بالجميع· وفي لحظة تقاربت الكراسي والمخاوف· حوَّلَنا الحدث الى أصدقاء قدامى مرفوعة الكلفة بينهم (هل يعقل أن يلم الانفجار شظايا المشاعر الإنسانية في لحظة؟!)·

يقول لي صديقي الذي تعارفنا منذ دقائق: والله كنت أنوي الذهاب الى "مونو" وقت الانفجار·· يا سبحان الله!

هذه العبارة، نفس العبارة، سمعتها اليوم التالي من أحد الأصدقاء (الحقيقيين هذه المرة) أيضا كان ينوي الذهاب الى "مونو" تلك اللحظة·· ولكن عطَّله القدر!

وأنا·· هل كنت أنوي وتراجعت؟!

ليس كذبا محضا ما قالوه، ولا علاقة له بصدق الحديث وحقيقته الجافة· لكنها المخيلة الطفولية الهاربة من الجحيم وحدها، المعيدة تركيب الحدث على هواها· المخيلة التي تمنحنا متعا لذيذة كمتعة تصوُّر نجاتنا من الموت الذي كان قبل قليل قريبا منّا دون أن ندري· وسواء كانت النجاة بالصدفة؛ بالقدر؛ بمحبة الله، أيا كانت هذه القدرة، الأهم أننا نجونا·

مشاعر إنسانية بسيطة وعميقة، دفعها حدث لامعقول الى أن تطمئن على جسدها وتتلمس أعضاءه وتتأكد من وجود الروح في مكانها الصحيح·· كل ذلك من الطبيعي أن يأتي بخيال - وكلام - لا معقول·

هكذا إذا··

ليلتها امتلأ شارع "مونو" بالحياة أكثر من أي ليلة، كأن الشبان عادوا ينتقمون بالفرح، وبالسهر، وبالرقص على جثة الخوف·

يقول محدثي العجوز: ولا تنس أن الشارع هذا سيكون الأكثر أمانا هذه الليلة!

اللبنانيون مؤلفو حياة· للحظات يتحسسون رؤوسهم ليتأكدوا أنهم على قيدها، ثم يواصلوا تأليف ما يرعب الموت ويشل أشباحه·

يعرفون ما هجس به جاك دريدا مرة "إني أعي في كل لحظة احتمال أن أسقط ميتا في الساعة المقبلة، وأن الشخص الذي يجلس الى جانبي سيقول: لقد كنت معه في الغرفة منذ لحظة، وهو الآن ميت"· يعرفون ذلك، لكن كل واحد منهم لن يتوقف، ما دام هو الشخص الذي كان الى جانب الميت، وليس الميت·

nashmi22@hotmail.com

طباعة  

إلى زاهر الغافري
 
قصة
 
ملفان عن سيف الرحبي وسنية صالح في "بانيبال"
 
"دبي الثقافية" نافذة على ألوان الطيف
 
"إبداعات عالمية":
من الأدب الأيرلندي

 
المرصد الثقافي