رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12 رجب 1426هـ - 17 أغسطس 2005
العدد 1691

إسرائيل لا تريد التفاوض مع الفلسطينيين قبل استسلامهم!

                                                           

 

·         شارون لن يطبق "خارطة الطريق" دون ضغوط أمريكية قوية

·         عدم إيفاء إسرائيل بالتزاماتها أضعف محمود عباس

 

بقلم: هنري سيغمان*

لا أحد يعرف ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي الناجز من قطاع غزة سيمثل نجاحا للعملية السلمية أم كارثة عليها؟ وبقدر ما هو مهم لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرئيل شارون أن ينسق الانسحاب مع الفلسطينيين، فإنه مهم أيضا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يتصدى لمجموعات الرفض· ولكن هناك مشكلة أهم، وهي تصميم شارون على استخدام الانسحاب ليس كسابقة للانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة في إطار صيغة الأرض مقابل السلام، بل من أجل جعل مثل هذا الاتفـاق مســتحـيلا·

فمنذ بداية إعلانه أن إسرائيل سوف تفك الارتباط مع غزة من جانب واحد، أوضح شارون أنه يفعل ذلك من أجل تفادي "مخاطر" استئناف عملية السلام التي تتطلب انسحابا إسرائيليا من الضفة الغربية، وعبر عن ذلك كبير مستشاره دوف ويسغلاس العام الماضي، حين كشف أن الانسحاب من غزة يستهدف إجهاض "خارطة الطريق" وقتل عملية السلام والقضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية·

وصرح شارون نفسه في الثلاثين من يونيو الماضي بأن احتجاجات المستوطنين لن تردعه عن استكمال خطة الانفصال عن غزة، لأن هدف هذا الانسحاب هو تقوية قبضة إسرائيل على الضفة الغربية وهو الهدف الذي يشترك فيه مع المستوطنين الذين وصفهم بأنهم "صفوة الشعب اليهودي"·

 

شلل

 

إن السبب الجوهري للشلل الذي يصيب عملية السلام حتى بعد رحيل ياسر عرفات وتولي محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية هو الوهم الذي يراود شارون وحكومته أن بوسعهم إجبار الفلسطينيين على تقديم المزيد من التنازلات عن الأرض المضمحلة التي  تبقت لهم والتي لا تساوي أكثر من 22 في المئة من فلسطين التاريخية، كشرط للموافقة على العودة الى مفاوضات السلام·

وهذا هو الشرط الذي يؤدي الى الحيلولة دون استئناف المفاوضات، مما يمكن شارون من مواصلة "خلق الحقائق على الأرض"، وهو ما يفعله على الرغم من وقف إطلاق النار بشكل غير رسمي وبالرغم من إصرار الرئيس جورج بوش على ضرورة التزام إسرائيل بخطة خارطة الطريق التي تحظر عليها القيام بمثل هذه الأنشطة·

لقد واصل شارون توسيع المستوطنات على الأراضي الفلسطينية والتخطيط لبناء مشاريع إسكان ضخمة تجعل من المتعذر جعل القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، إضافة الى توسيع البنية التحتية التي تقتصر على استخدام المستوطنين في الضفة الغربية، وخلق الجيوب الفلسطينية المعزولة بشكل يجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية مستقلة·

المسؤول الإسرائيلي عن خطة الانفصال عن غزة من الجانب الثقافي هو الجنرال إينال غلعادي الرئيس السابق لوحدة التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع، ويتولى الآن إدارة وحدة التنسيق الاستراتيجي للانسحاب من غزة في مكتب رئيس الوزراء· وشرح غلعادي في لقاء أجراه التلفزيون الإسرائيلي معه مؤخرا كيف أنه "لا خيار أمام إسرائيل" سوى التحرك أحادي الجانب·

وقال إن ذلك يعود الى أن القيادة الفلسطينية لم تكن في ظل ياسر عرفات في الماضي أو تحت قيادة محمود عباس اليوم "ناضجة" للدخول في عملية سلام حقيقية مع إسرائيل·

و"النضوج" بالنسبة لغلعادي، كما لشارون، هو قبول القيادة الفلسطينية للخريطة الإسرائيلية لفلسطين الجديدة· وينسجم هذا المنطق مع تصريحات أدلى بها رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي موشيه يعالون عام 2003 ومفادها أن المفاوضات الناجحة مع الفلسطينيين لا يمكن أن تبدأ إلا حين تنجح إسرائيل في أن "تزرع في أعماق الوعي الفلسطيني بأنهم شعب مهزوم"·

لقد هاجم شارون الرئيس الفلسطيني ووصفه بالزعيم "الضعيف" الذي لا يمكن لإسرائيل أن تتعامل معه، ولكن "ضعف" عباس يعود في جزء كبير منه الى تداعيات معارضته للعنف الفلسطيني، ولو طبق شارون الالتزامات التي تفرضها عليه خطة خارطة الطريق وأثبت صدق إصرار عباس على أن يوسع الفلسطينيين تحقيق تقدم نحو أهدافهم الوطنية بالوسائل السلمية، لأصبح عباس زعيما قويا·

ولكن شارون - بدلا من ذلك - يتجاهل خطة خارطة الطريق ونكث بوعوده ومنها تحسين الظروف المعيشية للسكان تحت الاحتلال· وقد أبقى على كل نقاط التفتيش والحواجز وأصاب الفلسطينيين بخيبة أمل لعدم إطلاق عدد أساسي من السجناء في السجون الإسرائيلية·

وقد ضمنت حالة خيبة الأمل هذه النتائج التي كان يرجوها شارون، أي إضعاف محمود عباس داخل المجتمع الفلسطيني وأرجأ آفاق العودة الى طاولة المفاوضات الى أجل غير مسمى·

كما يستفاد من تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في أثناء زيارتها الأخيرة لإسرائيل بأن على شارون أن يتبع انسحابه من غزة بالعودة فورا الى خطة خارطة الطريق وإجراء المزيد من الانسحابات من الضفة الغربية، فإن واشنطن تعي جيدا نوايا شارون ولا تقف منها موقف اللامبالاة· ولكن ما هو غير واضح حتى الآن، هو ما إذا كانت واشنطن ستقرن أقوالها بالأفعال حين يجد الجد، أم أنها ستكتفي بالأقوال؟!

 

* كبير الباحثين في شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن والرئيس التنفيذي السابق للكونغرس اليهودي - الأمريكي

 

" عن: انترناشيونال هيرالدتريبيون "

 

                             

طباعة  

الانتصار هو استراتيجية الخروج الوحيدة من العراق