رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12 رجب 1426هـ - 17 أغسطس 2005
العدد 1691

الانتصار هو استراتيجية الخروج الوحيدة من العراق

                    

 

·         بناء جيش عراقي ذي لون طائفي واحد سيكون مقدمة للحرب الأهلية

·         الانقسامات الأثنية والدينية تشكل التهديد الأكبر للعراق الجديد

·         نتائج الحرب في العراق ستكون لها انعكاسات عالمية أعمق بكثير من حرب فيتنام

·         ما يجري في العراق صراع جيوسياسي وليس حربا أيديولوجية أو ثقافية

 

بقلم: هنري كيسنجر*

هناك تقارير متناقضة حول توقيت سحب قوات أمريكية من العراق· فقد أعلن قائد القوات الأمريكية هناك الجنرال جورج كيسي أن الولايات المتحدة تنوي البدء بسحب عدد "كبير نسبيا" من قواتها بعد الانتخابات المقرر إجراؤها في شهر ديسمبر المقبل وتشكيل حكومة دستورية هناك· وأشارت مصادر أخرى إلى أن هذه العملية ستشمل 30 ألف جندي أو 22 في المئة من إجمالي القوات الأمريكية المرابطة في العراق، وفهم من بيانات صادرة عن مستويات عليا في القيادة الأمريكية في العراق أن بدء عمليات الانسحاب قد يتم إرجاؤه الى الصيف المقبل، وفي كل الأحوال، فإن التقدم في أي من هذه الخطط يعتمد على إحراز تقدم في الوضع الأمني وفي تدريب قوات الأمن العراقية·

إذا، يبدو أن هناك مراجعة لاستراتيجية الانسحاب، ولكن كيف لنا أن نعرّف مفاهيم مثل "التقدم" و"التحسن"؟ ففي حرب لا توجد فيها خطوط مواجهة، هل الهدوء يعني إحراز تقدم أم أنه قرار استراتيجي اتخذه العدو؟ وهل انخفاض عدد الهجمات الناتج عن الاستنزاف أم أنه قرار استراتيجي للعدو من أجل الحفاظ على قواته، وتشجيع انسحاب القوات الأمريكية؟ أم أننا في مرحلة شبيهة بالفترة التي أعقبت هجوم "تيت" The Offensive في فيتنام عام 1968 والتي اعتبرت على نطاق واسع - آنداك - على أنها نكسة للأمريكيين، ثم أصبح ينظر إليها الآن على أنها هزيمة منكرة لها دوي؟

 

أبعاد سيكولوجية

 

بالنسبة للبعض من أمثالي الذين شهدوا آلام التورط في مراحله الأولى في فيتنام في إدارتي كندي وجونسون، وممن شاركوا في صنع القرارات في ما بعد، بالانسحاب في عهد إدارة نيكسون، فإن تصريحات كيسي أحيت فينا ذكريات مؤلمة· فاتخاذ القرار بسحب عدد كبير من القوات بينما الحرب مشتعلة، هو أمر قد تكون له عواقب مميتة· فهو يؤثر في حسابات المتمردين والقوات الحكومية على حد سواء· ولذلك، فإن تعريف كلمة "تقدم" تصبح له أبعاده السيكولوجية التي لا تقل شأنا عن الأبعاد العسكرية· فكل جندي يجري سحبه يمثل نسبة أكبر من إجمالي القوات المتبقية· فقدرة القوات المتبقية على شن الهجمات تتراجع·

وبالرغم من المصاعب الكبيرة التي كانت تواجهنا في فيتنام، فإن قرار استبدال قوات أمريكية بجيوش محلية والذي أطلقنا عليه آنذاك "الفتنمة" Vietnamization كان، من وجهة نظر أمنية، قراراً ناجحاً بشكل عام·

وخلال الفترة من 1969 حتى 1972، تم سحب أكثر من 500 ألف جندي أمريكي· وفي مطلع عام 1971 توقفت القوات الأمريكية عن المشاركة في العمليات العسكرية البرية، وتم خفض عدد الضحايا في صفوف القوات الأمريكية من 400 جندي أسبوعيا "في المعدل" عام 1968 وأوائل عام 1969 الى 20 جنديا أسبوعيا عام 1972·

وكانت عملية قياس ذلك ممكنة لأنه بعد فشل "هجوم تيت"، تم القضاء على جزء كبير من التهديد الذي كانت تشكله الجماعات المسلحة· وكانت سايغون والمناطق الحضرية الأخرى أكثر أمانا بكثير من المدن العراقية الرئيسية اليوم· وقد سيطرت سايغون على نحو 80 في المئة من البلاد بخطوط مواجهة ثابتة نسبيا· وكانت وحدات الجيش الفيتنامي قادرة وبشكل متزايد على صد الهجمات التي تشنها القوات النظامية لهانوي·

وحين قصم الجيش الفيتنامي، بدعم أساسي من القوات الجوية الأمريكية، ظهر القوات الفيتنامية الشمالية وأضعف قدرتها الهجومية عام 1972، أمكن الحكم بأن عملية "الفتنمة" قد نجحت· فبعد وقت قصير، وافق الفيتناميون الشماليون على الشروط التي سبق أن رفضوها طوال أربع سنوات مضت "ولكن ذلك لم يحل الجدل حول درجة الانسحاب الأمريكي وحجمه وسرعته··"·

وبعد ثلاث سنوات، ألغيت كل هذه النتائج ليس بسبب العنف الداخلي بل بسبب هجوم خارجي شنته قوات هانوي التقليدية انهاكا لبنود اتفاقية باريس·

لقد أدى الإنهاك العاطفي الأمريكي من الحرب والمخاض الداخلي الناجم عن فضيحة ووترغيت الى تقليص المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية لفيتنام الى الثلث وحظر الكونغرس الدعم العسكري حتى الجوي منه، الى القوات الحليفة المحاصرة، ولم تكن أي من الدول التي رعت اتفاقية باريس، مستعدة لرفع أصبع دبلوماسي واحد·

وكل ذلك، كشف عن مبدأين ينطبقان على العراق، وهما أن من الصعب الحفاظ على النجاح العسكري ما لم يتعزز بدعم داخلي· وأن من الضروري تعزيز الإطار الدولي الذي يمكن للعراق الجديد أن يجد نفسه فيه·

 

موجات صدمة

 

فالتاريخ - بالطبع - لا يكرر نفسه تماما، وفيتنام كانت من بين معارك الحرب الباردة، أما العراق فهي صراع ضد الإسلام الراديكالي· وكان ينظر الى الهدف في الحرب الباردة على أنه البقاء السياسي للدول القومية المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة في محيط الاتحاد السوفييتي السابق·

فالعراق هو قضية صراع جيوسياسي أكثر من كونه صراع أيديولوجيات أو ثقافات أو معتقدات دينية، وبسبب اليد الطولى للأصولية الإسلامية، فإن نتائج الصراع الدائر في العراق سيكون لها انعكاسات أعمق من الحرب الفيتنامية، فإذا برزت حكومة على غرار نظام طالبان في بغداد أو في أي جزء من العراق، فإن موجات الصدمة ستهز كل أرجاء العالم الإسلامي· فالقوى الراديكالية في الدول الإسلامية أو الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية، ستكتسب دفعا قوياً لمهاجمة الحكومات القائمة·

وسوف تتعرض للخطر السلامة والأمن والاستقرار الداخلي في كل المجتمعات التي تقع في متناول يد الإسلام الأصولي·

ولهذا السبب يوافق الكثير من معارضي شن الحرب على الافتراض بأن النتيجة المأساوية لهذه الحرب سيكون لها انعكاسات كونية خطيرة، وهو اختلاف جوهري عن الجدل الذي دار حول فيتنام· ومن جهة أخرى، فإن التحدي العسكري في العراق أكثر تعقيداً· إذ يجري تدريب القوات العراقية لخوض صراع مختلف تماماً عن المعارك البرية التقليدية التي خاضها الجيش الأمريكي في مراحل الحرب الفيتنامية الأخيرة· فليست هناك خطوط مواجهة، وميدان المعركة مفتوح على كل الأماكن، فنحن نواجه عدواً غامضاً يسعى لتحقيق أربعة أهداف رئيسية: أولا، طرد القوات الأجنبية من العراق· وثانيا، معاقبة العراقيين الذين يتعاونون مع الاحتلال· وثالثا، خلق حالة من الفوضى تبرز منها حكومة إسلامية تكون نموذجا للدول الإسلامية الأخرى· ورابعا، تحويل العراق الى قاعدة تدريب للمرحلة التالية من الحرب التي قد تشتعل في دول عربية معتدلة كمصر والمملكة العربية السعودية والأردن·

لقد امتلكت القوات الفيتنامية الشمالية الأسلحة الثقيلة، وكان لديهم ملاذات آمنة في دول مجاورة وبلغ عدد قواتهم المدربة الى أكثر من نصف مليون مقاتل، أما المتمردون العراقيون فلا يتجاوز عددهم بضعة آلاف بأسلحة خفيفة، وسلاحهم الأكثر فعالية هو المتفجرات يدوية الصنع ونظام الإطلاق الأكثر فعالية هو الانتحاريون ومعظم أهدافهم هم المدنيون العزل·

لقد أظهر الشعب العراقي رباطة جأش غير عادية في مواجهة عمليات القتل المنظم والمتعمد، وفي النهاية، فإن موقفه لن يقل أهمية عن الوضع العسكري في تحديد مصير العراق·

 

حرب استنزاف

 

وفي الأساس، تدور الحرب في العراق من أجل أن يثبت كل طرف صحة موقفه، فالمتمردون يراهون على قدرتهم - من خلال إلحاق أكبر قدر من الخسائر في صفوف أنصار الحكومة والمتعاونين مع أمريكا - على ترويع عدد متزايد من المدنيين لدفعهم للوقوف - على الأقل - على الحياد، وبالتالي إضعاف الحكومة أو مساعدة المتمرد· وتقول الولايات المتحدة والحكومة العراقية على نوع آخر من الاستنزاف، إلا وهو أن تركيز المتمردين على استهداف المدنيين يعني أن عددهم قليل ولا يمكنهم من مهاجمة أهداف كبرى، وبالتالي فأنهم يضمحلون بصورة تدريجية·

وبسبب البديهية التقليدية بأن المتمردين يكسبون إذا لم يخسروا، فإن الجمود غير مقبول، فالاستراتيجية الأمريكية، بما في ذلك عملية الانسحاب، تنجح أو تفشل ليس لقدرتها على الحفاظ على الوضع الأمني أم لا، بل إذا ما نجحت في تعزيز قدرتها على تحسين الوضع أم لا· فتحقيق الانتصار على المتمردين هو استراتيجية الخروج الوحيدة المعقولة·

إن نوعية الاستخبارات ستكون حاسمة في هذا السياق، وهناك قضايا لا بد من الانتباه إليها على وجه الخصوص مثل، كيف نقيم القدرة القتالية للمتمردين واستراتيجيتهم؟ وإلى أي مستوى يجب تقليص الهجمات على المدنيين وما الفترة المطلوبة لذلك قبل أن يمكننا الزعم بأننا حققنا الهدوء في منطقة ما؟ وما القدرة القتالية الحقيقية لقوات الأمن العراقية وما الأخطار التي يمكنها مواجهتها؟ والى أي مدى هي القوات العراقية مخترقة من قبل المتمردين؟ وكيف ستكون استجابة هذه القوات على أي ابتزاز محتمل من قبل المتمردين، مثل اختطاف نجل أحد الجنرالات؟ وما تأثير عمليات التسلل من الدول المجاورة للعراق؟ وكيف يمكن القضاء عليها؟

 

مواجهة لا فكاك منها

 

تجربتنا في فيتنام تعلمنا أن فعالية القوات المحلية تتأثر بشدة بالبيئة السياسية، فقد كانت لقوات فيتنام الجنوبية 11 فرقة عسكرية منتشرة بمعدل فرقتين في كل منطقة واثنتين احتياط· ولكن من الناحية العملية، لم يكن بالإمكان استخدام سوى فرقتي الاحتياط، في جميع أرجاء البلاد· والفرق التي تتولى الدفاع عن الإقاليم التي تتمركز فيها، كانت فعالة تماما في تلك المهمة· فقد ساعدت في هزيمة هجوم الفيتناميين الشماليين عام 1972، ولكن حين يتم نقلها الى أماكن لم تعتد عليها، كانت أقل فاعلية، وكان ذلك أحد أهم أسباب الكوارث التي منيت بها قواتنا خلال عام 1975·

وربما يكون النظير لذلك في العراق هو الصراعات الأثنية والدينية بين السنة والشيعة والأكراد· ففي فيتنام، كانت فعالية القوات تعتمد على الصلات الجغرافية، لكن الأقاليم لم تكن تعتبر نفسها في صراع مع بعضها، وفي العراق، فإن كلا من المجموعات الأثنية والدينية المختلفة تعتبر نفسها في مواجهة لا فكاك منها - وربما مميتة - مع المجموعات الأخرى· ولكل مجموعة ميليشياتها المتمركزة في منطقة جغرافية محددة· ففي المناطق الكردية - على سبيل المثال - تتولى حفظ الأمن قوات كردية، ولا تواجد فعلي للقوات الحكومية· وينطبق الشيء ذاته على المناطق الشيعية·

فهل من الممكن - والحالة هذه - الحديث عن جيش وطني، فالقوات العراقية تتألف في معظمها اليوم من الشيعة، والتمرد في معظمه يتركز في المناطق السنية· وهذا يشي بعودة الصراع التقليدي السني، الشيعي، ولكن بقدرات مقلوبة لكل منهما! وربما تتعاون تشكيلات القوات الوطنية العراقية لدحر المتمردين، ولكن هل ستكون لديها الرغبة، بعد أن تتلقى التدريبات الكافية، لمواجهة الميليشيات الشيعية باسم الدولة؟ وهل تدين هذه القوات بالولاء لرجال الدين من أمثال علي السيستاني أم للحكومة الوطنية في بغداد؟

 

روح الأمة

 

وإذا كانت هاتان الموسستان تمثلان الشيء ذاته من ناحية عملية، فهل يمكن للجيش الوطني القيام بأية واجبات في المناطق غير الشيعية، دون أن يكون أداة قمع؟ وعندها هل يمكن الحديث عن عراق ديمقراطي؟

إن الاختبار النهائي للتقدم إذن، هو مدى كون القوات العراقية - ولو الى درجة ما - تعكس التنوع الأثني للبلاد وأن تكون مقبولة لدى معظم السكان باعتبارها تعبر عن روح الأمة، أن جذب قادة السنة الى العملية السياسية هو جزء مهم في استراتيجية محاربة التمرد، والفشل في ذلك يعني أن عملية بناء قوات أمن عراقية، ما هي إلا مقدمة للحرب الأهلية·

فهل يمكن لأمة حقيقية أن تنشأ في العراق من خلال وسائل دستورية؟

الجواب على هذا السؤال سيقرر ما إذا كان العراق سيتحول الى نقطة انطلاق للإصلاح في الشرق الأوسط أم بؤرة لنزاع أكثر اتساعا·

ولكل هذه الأسباب، يجب أن يترافق الجدول الزمني للانسحاب الأمريكي مع مبادرة سياسية لوضع إطار دولي لمستقبل العراق· ربما يفضل بعض حلفائنا البقاء على مقاعد الاحتياط ولكن الحقائق لن تسمح لهم بذلك، بما في ذلك سلامتهم الخاصة· فهناك حاجة لتعاونهم في المهام السياسية أكثر من العسكرية· وهذا التعاون سيشكل اختبارا لإرادة القادة الغربيين في صياغة نظام عالمي يتلاءم مع احتياجات بلدانهم·

 

* وزير الخارجية الأمريكي الأسبق

" عن: واشنطن بوست "

 

                         

طباعة  

إسرائيل لا تريد التفاوض مع الفلسطينيين قبل استسلامهم!