
· الأطفال العرب ينجزون لوحات تشكيلية تتمرد على الواقع بحثا عن صياغة مستقبلية أفضل
· التشكيليون الصغار يتوحدون مع عناصر الطبيعة ويدافعون عنها بألوانهم وخطوطهم
· قدرات إبداعية ومهارات فنية طفولية تتجاوز سقف التفكير النمطي التقليدي السائد عربيا
كتب الدكتور نادر القنة
قالوا قديما: "العلم في الصغر، كالنقش في الحجر"· من وجهة نظر عملية أجد في هذه المقولة تجسيداً واقعياً حياً لسلسلة الآمال التي نطلقها بين الحين والآخر، رغبة في تنشئة جيل كامل من الفنانين التشكيليين المبدعين العرب "الصغار"، من أصحاب المواهب الفنية، والقدرات الإبداعية الخاصة في الرسم، والنحت، والتلوين، والزخرفة، غير أن آمالنا سرعان ما تصطدم بواقع تراجيدي أكثر مرارة، حينما نعجز عن إيجاد مؤسسة ثقافية تعليمية أو تدريبية واحدة، معنية في صقل مواهب الفنانين التشكيليين الصغار· كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا، حيث تنتشر هناك، المدارس التعليمية والمراكز الثقافية التدريبية والمؤسسات الإبداعية المتخصصة في رعاية الموهوبين والمبدعين في شتى مجالات الفنون: التشكيل، والموسيقى، والتمثيل "وفنون التعبير كافة" والتصوير، والكتابة، وغيرها من المهارات الإبداعية·
ولا يتوقف الأمر فقط على وجود هذه المدارس أو المراكز، أو الرعاية بل يتجاوزها إلى ما هو أكثر، وأهم من ذلك، فهناك مدارس ومراكز تعليمية وتدريبية تتنوع، وتتعدد وفق تعدد وتشعب مقاييس الذكاء، ومستوى الموهبة، وشرائحية الإبداع·
من هنا تتم عملية التقاط الموهبة والطاقات الخلاقة، وإخضاعها الى مزيد من البحوث والدراسات والتصنيفات لمعرفة ميولها ورغباتها وبالتالي تسكينها في المدارس والاتجاهات والمراكز الإبداعية المناسبة لها، ومع مزيد من الدربة ومع مرور الزمن يكتسبون سنويا مئات الموهوبين والمبدعين المتمكنين في مختلف المجالات العلمية والفنية، والأدبية، ويدشنون الى السوق المحلي للعمل والإنتاج وفي مقابل ذلك، وضمن مقارنة عابرة بين ما هو كائن في الغرب، وما هو ماثل لدينا في أقطارنا العربية يمكن أن نعرف بحسبة بسيطة: كم نهدر سنويا من الطاقات المبدعة الموهوبة الخلاقة؟ وكيف نغتال - عبر الإهمال، واللامبالاة - عشرات بل مئات من العقول القادرة على الإنتاج والتطوير في سن مبكرة؟ وكيف نحيل - عبر برامجنا التدريسية، والتدريبية الكلاسيكية - هذه الطاقات والمواهب من عقول مبدعة خلاقة استثنائية الى عقول نمطية في التفكير، والإنتاج، والعطاء - بعد أن نكسبها - بالأسلبة التعليمية التقليدية غير الابتكارية، الشيء الكثير من الأكسدة والشيء الكثير من المشابهة والتكرار وخاصية التحنيط حيث نقوم بدور فاعل وديناميكي ونبذل جهودا كبيرة في سبيل إلغاء الجانب الابتكاري والإبداعي، المخزون فطريا في تكوينها مقابل تعوديها على آلية نمطية غير متطورة في التفكير والبحث، بل ومحددة الاتجاه·
لا شك أن رعاية الموهوبين والمبدعين في الصغر، وتوفير المناخ اللازم لهم، الذي يساعدهم في تنمية مواهبم والارتقاء بها الى مستويات أفضل، يعد من وجهة نظر عملية موضوعية واحدة من صور تجديد أساليب التفكير في المجتمعات المدنية المعاصرة، التي تأخذ بشروط صناعة مقومات الحضارة، وشروط صناعة التقدم، وإرساء دعائم المجتمع، واستقرار أنساقه ومفاهيمه، وهذا ما عبر عنه بوضوح الباحث العربي ثائر حسين مدير عام مركز "ديبونو لتعليم التفكير·· De Bono بقوله: "إن إقرار تعليم التفكير في المدارس وإدراجه في قائمة المواد الدراسية يعد ضرورة تربوية لا يمكن الاستغناء عنها ولا مفر من الأخذ بها إذا كان الهدف بناء جيل مفكر، وإنشاء مجتمع متماسك يتصف أبناؤه بالإدراك والوعي·
وفي الوقت الحاضر تعالت الأصوات من قبل المربين فأخذوا ينادون بضرورة تعليم التفكير للطلبة، نظرا لأنه مهارة عقلية يجب إعطاؤها الاهتمام المباشر، وهناك شعور أيضا بأن التفكير يمكن تنميته بالاهتمام المركز وممارسة بعض المهارات الأساسية·
لقد انتشر تعليم التفكير في الكثير من دول العالم، فعلى سبيل المثال تقوم فنزويلا بتعليم التفكير لطلبتها، وكذلك الكثير من مدارس الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا وآيرلندا، وثمة مشاريع أخرى لتعليم التفكير في بلغاريا وماليزيا وغينيا والهند وغيرها·
وعلى الرغم من أن بعض الدول المتقدمة قد قطعت شوطا بعيدا في مجال تعليم التفكير، وبذلت في سبيل ذلك جهودا ظاهرة، إلا أن بعض الدول الأخرى لم تأخذ هذا النمط من التعليم بعين الاهتمام·
وثمة أسباب كثيرة تحتم على المؤسسات التعليمية الاهتمام المستمر بتوفير الفرص الملائمة لتطوير مهارات التفكير لدى الطلبة بصورة منظمة وهادفة، ومن هذه الأسباب:
- التفكير ضرورة حيوية للإيمان واكتشاف نواميس الحياة·
- التفكير الحاذق لا ينمو تلقائيا، إنما يتطلب تعليما منظما هادفا، ومرانا مستمرا، ولا يتحقق هذا اللون من التفكير إلا بالمران والقدرة الطبيعية والكفاية في التفكير·
- دور التفكير في النجاح الدراسي والحياتي، فالتعليم الواضح المباشر لعمليات التفكير اللازمة لفهم موضوع معين يمكن أن يحسن مستوى تحصيل الطالب، ويعطيه إحساسا بالسيطرة الواعية على تفكيره·
- التفكير قوة متجددة لبقاء الفرد والمجتمع معا في عالم اليوم والغد· فالمناخ الصفي الآمن المتمركز حول الطالب هو التعليم النوعي الذي يوفر فرصا للتفاعل والمشاركة ويتيح للمتعلم فرصة التفكير، لأن تعليم مهارات التفكير والتعليم من أجل التفكير يرفعان من درجة الإثارة والجذب للخبرات الصفية، ويجعلان دور الطالب إيجابيا وفعالا·
اهتمام·· وثراء
انطلاقا من ذلك، وفي ظل غياب المراكز، والهيئات المؤسساتية القومية التي ترعى المواهب والطاقات الإبداعية الصغيرة، والفتية في أقطارنا العربية، فإننا نحيي ونثمن الجهود الكبيرة التي يبذلها الخبراء التربويون، والإعلاميون والنفسيون والمتخصصون في الطفولة في "المجلس العربي للطفولة والتنمية" في دعم المواهب الفنية العربية الخلاقة وتنميتها بالاتجاه الصحيح، والأخذ بيدها نحو مزيد من العطاء والإنتاج الإبداعي المتطور· وذلك عبر ما يطرحه "المجلس العربي للطفولة والتنمية" من برامج ومسابقات، وفعاليات ثقافية وفنية واجتماعية الهدف منها كما أسلفنا توفير أكبر قدر ممكن من الحماية الإنسانية للطفولة العربية ومساعدتها على النمو والتطور وممارسة دورها في ظروف وبيئات صحية، وتعليمية، واجتماعية مناسبة، علاوة على احتواء الطاقات والمواهب والعقليات الإبداعية الابتكارية عبر تشجيعها المستمر سواء انطلقت هذه الجهود من خلال برامج المجلس ذاته بصورة مستقلة، أو من خلال برامج الشراكة مع الهيئات الأخرى المعنية برعاية الطفولة العربية وتشجيع المواهب والطاقات الإبداعية الخلاقة وهو بالتالي ما يحقق الأهداف الكلية التي ينطلق منها المجلس في برامجه واشتغالاته كونه:
1 - منظمة عربية غير حكومية ذات شخصية اعتبارية تعمل في مجال الطفولة وما يتصل بها، ورعايتها وتنميتها في الوطن العربي·
2 - منظمة إنمائية إنسانية متخصصة في شؤون الطفولة وما يتصل بها، تعمل على دعم وتنسيق الجهود الحكومية والأهلية وتشجيع وتبني الأفكار والدراسات والمشاريع المقررة لرعاية ونماء الطفل العربي، والعمل على إدماجها ضمن خطط ومشاريع التنمية الوطنية·
