رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 جمادى الأول 1426هـ - 6 يوليو 2005
العدد 1685

في مجموعته الشعرية "جبل شمس"
طالب المعمري يكتشف مساقط النور في رحلة هادئة

                                                          

 

يقتصد طالب المعمري في استخدامات اللغة الى حد خداع القارئ، ففي "العادية" البسيطة - التي يرى كفايتها - من قاموسه الشعري يقود قارئيه الى مناطق واسعة من المعنى، ومن الصور البكر المتداعية في مشهده الشعري· وكأنما أراد بهذا اليسر وهذه البساطة الظاهرة "تعمية" القارئ الى حين يبلغ به آخر المطافات وأبعد بوابة ستفضي الى إدهاش الصور ومفاجآت المعنى·

ففي مجموعته الشعرية "جبل شمس" (اسم لأعلى قمة جبلية في سلطنة عمان) الصادرة عن مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر (2005)، يحاور الشاعر العماني طالب المعمري الطبيعة من حوله، لائذا بصمتها البليغ، ومعتصما بجبلها العجوز، فبدا في أغلب نصوصه التي يبحث فيها عن الخلاص كالهارب الى البرية البعيدة يدفن في رملها بقاياه الثمينة هناك ويعود هانئا مطمئنا الى ليل مسقط:

في هذا الشق الجبلي

الذي لا ترى العين

إلا ملمحا

لسماء بعيدة·

ملمح ببعده القريب

يهوي بنيازكه

عليّ

كأنني المستهدف الوحيد

في هذه القسوة والعزلة

المكشوفة على الموت·

إذاً هو هروب الى الذات، وعزلة ممتلئة بوجوديتها، رغم ما يساور الشاعر من شكوك بالنجاة، لشعوره باستمرار المطاردة والاستهداف· لذا يبدأ المعمري، كما انتهى، من جديد:

كما النهاية

لحذاء قطع الدروب

لا زالت شهوة الرحيل

تطارد خطاه

 

حوار داخلي

 

العفوية والتلقائية في التعبير عند المعمري، لا تأخذان حديثه بعيدا عن مدار الشعرية، ولا توقعان نصه في الإعادة والتكرار أو الزيادة، بل تؤكدان على مقدرة فذّة تقلب حجر الكلمات لتكشف عن عشبة نضرة، تخلقت تحت يديه، ومجازات نقلت معانيها الى مناطق عذراء:

كلما انتظمتْ الخطوةُ

تهربُ قدماي

عما خططت له

لهذا تُفْلس

ذخيرتي ولغتي سريعا

وينتفض في جيبي

الفراغُ

وبهذا الدفق الشعوري نفسه، يواصل، بصور أخرى:

وكلما اقترب الهدف

من مرمى النظر

تتساقط

عصافير الروح

مغشيا عليها

من الألم والخوف·

التأمل، الصمت، الصدى، الحوار الداخلي مع عناصر الطبيعة، جميعها طوق نجاة تتشبث بها يد المعمري بين حين وآخر، لتنجيه من شهوة بحر قاس، أو من يوميات مدينته الرملية الضاجة، والحارقة، والقاتلة بمللها المزدحم·

في نص "خارج البيت طوال النهار" يتجوَّل الشاعر في فراغ المدينة، يمر في شوارعها المعتادة ومنازلها وحدائقها، يدخل الفندق "الذي كان يوما / برجا في الصحراء"، ويمر نهاره مثل كل الأيام المتشابهة، السابقة واللاحقة، بلا جديد· وهو في يومياته الصامتة هذه يخترع حيلة لقتل الفراغ والصمت، بمضغ علكة لتزجية الوقت، كمن يؤلف لهوا ساخرا خاصا به·

 

جبليون أمام البحر

 

في نص "أمام البحر" يرسم المعمري ابن البحر الملول، اللاجئ لدفء "جبل شمس" صورة كاملة وعميقة - لا يحسنها سواه - للجبليين الغرباء المنحدرين بجِمالهم الى شواطئ البحر، حاملين بساطتهم وبراءتهم وحاجتهم للعيش من خيرات أزرقه، ويصور هنا دهشة الجبليين وخوفهم من التعامل مع الماء، كوحش غامض وجديد على مخيلاتهم الصلدة:

حين كانوا

يزوروننا في الباطنة

يسحبون معهم

حنينَ جبالهم

وصدى لذكرياتٍ غائمة·

تتوالى المشهدية النابضة بالحركة، واللون، والصوت المعبر، لهؤلاء القادمين الغرباء المبللة قلوبهم بالمخاوف، والواقفين "أمام البحر" بحيرتي: الخوف منه، والحاجة إليه:

صامتون والأزرق

صامت

وحين تتراقص

أسماك "العومة"

على صفحة مائه

تترسم لوحة فضية

وتطوي صفحات موجاته

كتابه المطلسم

يصيبهم الدوارُ والدوخةُ

لذا يكابدون معاناة

خوفهم البيّن

إذ لم تعتد أعينهم

أن ترى ما هو

أكبر من أفلاج قُراهم

وفي هذا المشهد المائي، لم يعرض الشاعر سوى ما قد تراه عين المتفرج الحذر، الواقف على رمل الشاطئ بعيدا عن عمق البحر ومخاطره الأكثر شراسة، لذا هو لا يريهم إلا طرف المشهد، ويتمثله في سمكة "العومة" المعروفة بطعمها غير الشهي عند أهل الخليج·

لم تحمل نصوص المعمري الشعرية ثقل قضية ما (إضافة الى تخففها - كما قلنا - من أي ثقل لزخرفة لفظية)، حتى حينما يدير الشاعر حواراته مع مسقط (حين سقطت مرساةٌ/ عمّدوك اسما)، كموطن تاريخي كان حلماً شهياً للغزاة والطامعين في خيراته وكنوزه المنسية، أو في استدعائه لتاريخها النضالي في الدفاع عن لؤلؤتها الثمينة، وتحطم أطماع الغزاة على أسوارها العالية "كم أن سيوحَك تجففت فوق حصواتها الدماء"· لم يختر الشاعر من كل هذا سوى الشعري فقط، عبارة، وصورا·

في رحلته الشعرية الى "جبل شمس"، لم يتسلق المعمري قمة، ولم يعتكف بين حجاراته العالية، كل ما هنالك أنه اقتبس من بين أصداء الجبل حكمة كونية، تعلن: موت الريح العابرة، وخلود الصوت·

نشمي ·م

طباعة  

شعر
 
نداء الى الناشرين العرب:
أنقذوا "فتاة البرتقال"

 
قراءة
 
مدارات شعرية
 
وتد