رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 جمادي الأول 1426هـ - 22 يونيو 2005
العدد 1683

الدعم الزراعي عبء على الدولة
الدعم الحكومي لصغار المزارعين... لا لكبار المنتجين

 

 

·         تجاوزات كثيرة في صرف الدعم النباتي سواء على الإنتاج أو على المساحة

·         العلف المدعوم يباع  في السوق السوداء!

·         الدعم صار تكسبا وسحبا من الخزينة العامة للدولة

 

كتب غازي الفيصل:

تعد قضية الدعم الزراعي أكثر القضايا تداولا في أوساط المزارعين ومربي الثروة الحيوانية والصيادين في الكويت·

وهي قضية قديمة بدأت في أوائل الستينات بمنح أراض لعدد من المواطنين في العبدلي والوفرة من دون مقابل مادي ثم نظير أجور رمزية مع المساعدة بتجهيز القسيمة لتغدو مزرعة منتجة وذلك بمشاركة الدولة ممثلة في إدارة الزراعة - آنذاك - بتكاليف حفر الآبار الارتوازية وسط المزارع، ثم تغير شكل الدعم، فتحول مع بداية إنشاء الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية عام 1982 الى دعم للبيوت الزراعية وانتهى - إلى ما هو عليه الآن - بدعم نقدي عن المنتج المباع عبر جهات تسويقية محددة وبناء على لائحة دعم معتمدة تصدر بداية كل موسم زراعي وتشمل أكثر من عشرين منتجا زراعيا تجود بها مزارع الوفرة والعبدلي·

وأيا كان نوع الدعم الحكومي الآن، فهو كما أرى عبئا على كاهل الدولة آن الأوان للتخلص منه· وإذا كان هناك مبرر قديم لصرف الدعم سواء بالمساهمة في تكوين البنية التحتية أو الأساسية للمزرعة الإنتاجية مثل حفر الآبار وإيصال الكهرباء·· أو بتقديم المستلزمات الزراعية مثل بناء البيوت الزراعية المحمية الحديثة·· أو بتقديم الدعم المادي النقدي فإنه لا مبرر لتقديمه الآن بعد أن شب المزارع عن الطوق، ووقف على قدميه، وشمر عن ساعديه، منتجا لعشرات الأصناف الزراعية وبكميات تفيض عن حاجة السوق المحلية، وأحدث مشكلة جديدة في الكويت تسمى مشكلة التسويق الزراعي المحلي·

إن ما قدمته الدولة خلال أربعين عاما من الدعم المباشر وغير المباشر للمزارعين وتحديدا في الوفرة والعبدلي يقدر بمئات الملايين من الدنانير، فهل وصلنا الى إنتاج مربح أو اقتصادي بالمفهوم الصحيح؟ الإجابة: لا! والدليل أن المزارعين يدعون الخسارة ويشكون ويشتكون يوميا للقاصي والداني·· رغم صرف الدعم لهم·

إن فلسفة الدعم وجدت أساسا لمساعدة المنتجين الصغار أو صغار المنتجين·· على الثبات والصمود في وجه المنتجين الكبار أو كبار المنتجين·· وهي أساسا لمساعدة الذين يعملون بأيديهم في حرف صغيرة مهمة للناس· وحتى في هذه الحالة أو تلك فإنه أي الدعم لا يستمر الى ما لا نهاية، إنه يتوقف عندما يتحول المنتجون الصغار الى كبار·· أما من يبقى منتجا صغيرا، فلا يستحق الدعم الحكومي، لذا فإن الدعم الحكومي المجدي يكون لمواطن متفرغ للعمل الزراعي·· يحوز قسيمة زراعية·· هنا أو هناك من مناطق الكويت الزراعية·· لفترة وجيزة، يقدر خلالها على تحويل قسيمته الى مزرعة منتجة·· وليس الى ما لا نهاية·

لذلك كان قرار مجلس إدارة الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية في عهدة المهندس محمد سيد الرفاعي، قرارا صائبا في رأيي عندما قرر أن يكون الحد الأعلى لدعم المزرعة الواحدة عشرين ألف دينار سنويا - ليس أكثر - لكن بعض المزارعين الكبار·· اخترقوا هذا القرار الصائب وعطلوه بتجزئة مزارعهم الشاسعة الى مزارع صغيرة، فحصلوا على أعلى بكثير من الـ (20) ألف دينار المحددة رسميا!

حتى الدعم للمستلزمات الزراعية لم يعد مجديا رغم أنه يضمن تحديث وسائل الإنتاج وبخاصة أساليب الري الحديثة واستخدام الأفضل من الأسمدة والمبيدات، فمن يضمن أن يستخدم المزارعون جميعا، المستلزمات الزراعية المدعومة ونحن نسمع عن القيام ببيع عبوات المبيدات الحشرية التي توزع (شهريا) مقابل حفنة قليلة جدا من الدنانير!

أما الدعم عن المساحة المزوعة·· فلا تقل سوءا عن دعم المستلزمات الزراعية، لأن التجاوز فيه لا حدود له والتلاعب فيه لا رادع له!

 

الشبرة والدعم

 

بقي الدعم على الإنتاج المباع  في شبرة الشويخ، حيث يحصل كل مزارع على مقابل نقدي محدد في لائحة معلنة عن كل كيلوغرام يبيعه في هذه الشبرة·· واللائحة تشمل أكثر من عشرين صنفا زراعيا تزرع في الوفرة والعبدلي·· وقد أسفر هذا الدعم النقدي عن انهيار أسعار المنتجات المحلية، فقد وصل سعر بيع صندوق الخيار - مثلا - زنة 3 كيلو غرامات الى 25 فلسا فقط والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا؟

وللإجابة نقول: الأسباب كثيرة من بينها "الدعم" فالمزارع مستعد لبيع الصندوق بأي ثمن، لأنه سيحصل من وراء بيعه هذا على 150 فلسا دعما حكوميا عدا ونقدا من هيئة الزراعة·· بعد ذلك!

وهكذا نرى أنه وبدلا من أن يتوقف المزارعون عن إنتاج الخيار بهذا الكم الهائل الذي يفيض عن حاجة السوق المحلية نجدهم يزيدون من زراعته، عاما إثر عام ويسمونه المحصول النقدي أي الذي يعود عليهم بالمال الوفير وقس على ذلك الأصناف الزراعية الأخرى من طماطم وبطاطا وباذنجان وملفوف وزهرة لكن لكل صنف أيامه، ومافيا السوق من دلالين وبائعين ووسطاء قلائل يعرفون هذه الأيام ويتلاعبون فيها أو خلالها من دون حسيب أو رقيب·· ينقذ المستهلك من خطر هذه المافيا الخطرة!

 

دعم الأعلاف

 

فالدعم صار عبئا على الدولة، فلماذا الاستمرار به؟ ومآخذنا لا يتوقف عند الدعم الحكومي المقدم للمزارعين النباتيين فها هي القسائم التي توزع في مشاريع تربية الحيوان في كبد والوفرة·· تتحول الى منتجعات واستراحات·· وتوزع لإرضاء أكبر عدد ممكن من المواطنين، لذا قلصت المساحة من 2500م2 الى 1250م2 للجاخور الواحد في كبد·

لقد تضاعفت أعداد الجواخير، أقصد الاستراحات الموزعة على المواطنين بعد أن قرر مجلس إدارة هيئة الزراعة تقليص مساحة الجاخور من 2500م2 الى 1250م2· والمستحق للجاخور أو للاستراحة - سمه ما شئت - هو الذي يحضر تحصينات عدة وهنا يجري التلاعب، فمن ذا الذي يضمن ألا يدخل الباطل فيها؟ وهل الأغنام المحصنة أو المحصية موجودة بالفعل لدى هذا المربي أو ذاك؟

أما العلف المدعوم الذي يوزع على المئات الذين يعدون أنفسهم مربي ثروة حيوانية من دون أن يكون لدى الكثير منهم غنم ولا ماعز ولا إبل·· فإن معظمه يباع في السوق السوداء باعتراف مسؤولي هيئة الزراعة أنفسهم!

 

الدعم للصيادين

 

وهناك الدعم الحكومي المقدم للصيادين، فهل من يلقى هذا الدعم ينطبق عليه مفهوم "صياد" ونحن لا نذيع سرا إذا قلنا بأن الصيادين الذين يلقون الدعم الحكومي بعيدون كل البعد عن مهنة الصيد أو حرفة الصيد· وهم مثل معظم زملائهم المزارعين النباتيين ومربي الثروة الحيوانية· يجلبون عمالة وافدة لتعمل عنهم، زرعا أو تربية أو صيدا، بينما هم يكتفون بزيارات تفقدية متباعدة أو متقاربة لمواقع عملهم وعمالهم للتوجيه والإرشاد من أجل الاستفادة من أكبر نصيب من الدعم الحكومي·· قبل نفاده!

لذلك كله - وغيره موجود - أدعو الجهات المعنية لإلغاء الدعم الزراعي الحكومي بكل أشكاله ولجميع القطاعات: النباتية والحيوانية والدجنية والسمكية، بعد أن صار هذا الدعم عبئا على ميزانية الدولة وأداة لاستنزافها من دون طائل·

 

الدعم والأسعار والغش

 

فهناك فئات من المجتمع أولى وأحق بالدعم الحكومي، ويقينا بأن قيام الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية (الجهة الحكومية المسؤولة عن القطاعات الزراعية في الكويت) بوضع خطة علمية وعملية ترشد المزارعين الى أفضل سبل إنتاج المحاصيل وكميات كل محصول كي لا يكون هناك فائض في إنتاج محصول على حساب محصول آخر·· يعد أفضل سبل الدعم لأن من شأن الخطة المأمولة أن تنقذ المزارعين من بيع معظم إنتاجهم بأسعار بخسة لا تكاد تغطي تكلفة صناديق تعبئتها، أو يضطرون لإطعامها للحيوانات بعد أن يسجلوها كمبيعات ضمانا للحصول على الدعم المادي الموعود·

إنني لا أبالغ إذا قلت بأن الانخفاض الحاد في أسعار المنتجات الزراعية وراءه الدعم الحكومي، فالدلالون والبائعون في الشبرة 3 يعرفون مقدار الدعم الذي سيحصل المزارعون عليه من وراء بيع منتجاتهم، ويعرفون أن الكثير من المزارعين يورد الطالح من الثمار لحساب الدعم عليها·· لذلك يتفقون على بيعها لبعضهم البعض بأسعار متدنية جدا، ليخلطوها بالثمار الصالحة، وهات يا غش بالمستهلك الذي غالبا ما يجد أعلى الصندوق مغايرا تماما لأسفله!

وفي الوقت الذي يقبل فيه المزارع ببيع إنتاجه بأسعار منخفضة جدا يرى أن إنتاجه ذاته يشتريه أخوه المستهلك بأضعاف أضعاف ما يبيعه، مما يبين أن المزارع والمستهلك هما المتضرران، والدلال والبائع هما المستفيدان من سياسة الدعم الزراعي الحالية - من دون أن يدروا·

 لقد آن الأوان لترك المزارعين والمربين والصيادين يعتمدون على أنفسهم بعد أن اغترفوا ما اغترفوا من ميزانية الدولة من دون طائل يذكر للوطن والمواطن·

 

استنزاف المياه الجوفية

 

إنني أقرأ كثيرا عبر الصحف المحلية وصحف المزارعين عن مطالبات لا تنقطع ولا تتوقف عن زيادات في الدعم·· وأرى الدولة تستجيب أخيرا لهم، علما أن زيادة الدعم تعني زيادة المحاصيل (خضراوات وثمريات) ومعظمها الآن يفيض عن حاجة السوق المحلية، كما يعني استنزافا أكبر لمخزوننا الاستراتيجي من المياه الجوفية واستنزافا أكبر للمياه العذبة المكلفة كثيرا علينا·

وأريد أن أشير الى أن الكثير من المزارعين وبخاصة في الوفرة يتجاوزون شروط حفر الآبار الارتوازية، فيتخطون أعماق الحفر المسموح بها ليحصلوا على الماء الفوار (قليل الملوحة) من باطن الأرض، علما أن هذا الماء يعد مخزونا استراتيجيا يجب الحفاظ عليه·· وليس هدره لري محاصيل زراعية لا حاجة لنا بها أو بمعظمها· وهنا أسأل: الى متى ستظل مضخات الآبار الارتوازية أو الجوفية تنضح بالماء لري مشاعيب عدة من الجت الأخضر دون مراعاة لحساب الربح والخسارة بالمفهوم الاقتصادي الصحيح·· أو مراعاة للحقائق العلمية التي تؤكد أن زيادة استخدام الماء الصليبي (المالح) يزيد من ملوحة هذه المياه الجوفية وزيادة نسبة الأملاح في التربة الزراعية·

لكن كل شيء مسموح ومقبول·· عند المزارع طالما في النهاية يربح من ورائه!

صحيح أن المزارع يربح من وراء ذلك، لكننا نحن المواطنين نخسر مخزونا مائيا، لا يمكن تعويضه·· فإلى متى تبقى المراقبة الحكومية الجادة لاستخدام المياه في الري الزراعي غائبة؟ ولماذا لا يوضع عداد ماء·· على كل بئر·· كي يتوقف الهدر الحادث في هذه المياه·· وأين هي الثقافة المائية أو الوعي المائي لدى المزارعين؟

 

شهادة مزارع

 

إن دعوتي لإلغاء الدعم الزراعي سواء للنباتيين أو للمربين أو للصيادين، يدعمها أو يؤيدها بعض المزارعين أنفسهم، وها هو المزارع عبدالباقي النوري، في حديثه لـ "القبس" يوم 12/5/2000 يقول تحت عنوان "الدعم أصبح تكسبا وسحبا من الخزينة العامة للدولة" والكلام منقول حرفيا على لسان المزارع عبدالباقي النوري·

لقد أسأنا نحن المزارعين لأنفسنا وفهمنا خطأ الغرض من الدعم الزراعي، وبدل أن نركز على استغلاله لتنمية الزراعة وتطويرها، حاولنا أن نجعل من الدعم الزراعي مصدر رزق وكسبا تجاريا وتحصيل أموال وسحبا من الخزينة·· لتبدأ التعقيدات والقيود والشروط القاسية لصرف الدعم، وبعد ذلك أخذنا نصيح و"نولول" على ضياع الدعم أو صرفه منقوصا أو متأخرا!

كذلك أسأنا التصرف في الاستغلال الصحيح للقسائم الزراعية وخالفنا القواعد المقررة للحصول على قسيمة زراعية ومحاولة أخذ قسيمة أخرى للتوسعة دون التقيد بالأسس المقررة لذلك، فكثرت القسائم الزراعية وكثرت الأعباء، خصوصا فيما يتعلق بتوافر الخدمات بما في ذلك الكهرباء والماء والنظافة وغيرها·

وهات هجوم على الحكومة، لتقوم الحكومة بعد ذلك بوضع الأنظمة واللوائح للحد من المخالفين ليعاني منها المواطن الذي يحرص دائما على تطبيق القوانين والنظم، أما الذي دأب على مخالفة الأنظمة، فيجد وسيلة أخرى للتحايل على النظم والقوانين!

 

* * *

 

8 ملايين و650 ألف دينار دعم القطاع الزراعي

 

ناقشت لجنة الميزانيات والحساب الختامي التابعة لمجلس الأمة، الميزانية التقديرية لهيئة الزراعة للعام 2004/2005 والتي تبلغ 8 ملايين و650 ألف دينار، وتتضمن المبالغ المخصصة للدعم النباتي ودعم الأعلاف ودعم الأسماك·

وقد بلغ دعم الأعلاف فيها 3 ملايين و200 ألف دينار ودعم الإنتاج النباتي 5 ملايين دينار أما الدعم المخصص لصيد الأسماك فبلغ 450 ألف دينار!

طباعة  

نخيل الزينـة
 
رغم معارضة عشرات المزارعين
تعديل 30 مادة.. من النظام الأساسي للاتحاد!

 
ومازالت الشبرة 4 مقفلة!
 
مجلس الاتحاد الإنتاجي
 
الوفرة·· نظيفة