
· كيسنجر وكارتر وبيكر.. الأمريكيون الوحيدون الذين كسبوا ثقة العرب والإسرائيليين معا
· باراك حضر الى كامب ديفيد بأجندة واضحة: فإما أن يقبل عرفات بمقترحاته أو الحرب!
· يمكن لأمريكا أن تظل صديقة لإسرائيل وتلعب دور الوسيط النزيه في المفاوضات
بقلم: آرون ديفيد ميلر
لقد تصرف الكثير من المسؤولين الأمريكيين الذين انخرطوا في عملية صنع السلام بين العرب وإسرائيل، بمن فيهم كاتب هذه المقالة، كمحامين عن إسرائيل، حيث التفاهم والتنسيق مع الإسرائيليين على حساب رعاية مفاوضات سلمية ناجحة· وإذا ما أرادت الولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط النزيه والفاعل في النزاع العربي - الإسرائيلي، فعليها مراعاة احتياجات الجانبين معا·
إن الدفاع عن مبدأ "إسرائيل أولا" قد يكون مغريا، حيث يمكن الزعم بأن إسرائيل تعيش في محيط خطر وأن الولايات المتحدة هي صديقها الوحيد، وبأن إسرائيل تتمتع بأهمية كبيرة للمصالح الأمريكية وأن الولايات المتحدة ملتزمة بأمنها، ولكن من الناحية العملية، تحتل إسرائيل أراضي يطالب العرب باستعادتها، ولذلك، فإنه ليس من الممكن تحقيق السلام دون أن تثق إسرائيل بنفسها لدرجة تجعلها قادرة على التخلي عن هذه الأراضي·
وبناء على تجربتي في العمل في وزارة الخارجية لست إدارات متتالية، وانخراطي في عملية السلام الإسرائيلية - العربية، فإنني أؤمن بأهمية علاقة قوية بين إسرائيل والولايات المتحدة، فالعلاقة الحميمة مع إسرائيل هي التي تمنح أمريكا - وأمريكا فقط - القدرة على القيام بدور الوسيط النزيه والفاعل، لقد قبلت كل الحكومات العربية بهذه الحقيقة، ولا تزال تطالب باستمرار الانخراط الأمريكي في عملية السلام، على الرغم من تراجع مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة·
دبلوماسية حكيمة
وفي الواقع، ربما فهم العرب شيئا نسيناه، فحين كانت دبلوماسيتنا حكيمة وعملت كمحام للطرفين العربي والإسرائيلي، حققنا النجاح·
وعلى مدى تاريخ صنع السلام العربي - الإسرائيلي، تمكنت ثلاث شخصيات أمريكية من الاضطلاع بدورها بفاعلية، هي وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر ووزير الخارجية في عهد بوش الأب، جيمس بيكر اللذان حظيا بثقة إسرائيل لكنهما أوفيا باحتياجات العرب للتوسط في مفاوضات فك الاشتباك في السبعينات ومؤتمر مدريد عام 1991، إضافة الى جيمي كارتر الذي رعى مفاوضات كامب ديفيد عام 78 ومن ثم معاهدات السلام الإسرائيلية - المصرية عام 1979·
ولسوء الحظ أننا كثيرا ما نفقد الرؤية لحاجتنا أن نكون محامين لكل من العرب والإسرائيليين، وآخر نموذج على ذلك الجهود التي بذلها بيل كلينتون 99/2000 للتوسط من أجل التوصل لاتفاق سلام نهائي بين إسرائيل والفلسطينيين·
ومع كل سلامة الدوافع والنوايا، استمعنا وتبعنا المواقف الإسرائيلية دون أن نسأل ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى مصالحنا ومصالح الجانب العربي ولنجاح المفاوضات· فسياسة الـ "لا مفاجآت" التي تقوم على أساس أن نتشاور مع إسرائيل أولا وتجريد سياستنا من الاستقلالية والمرونة اللازمتين لصنع سلام حقيقي· فإذا كنا عاجزين عن تقديم مقترحات سلام على طاولة المفاوضات دون التنسيق مع إسرائيل أولا، ونتراجع عنها إذا رفضتها إسرائيل، فكيف يمكن أن نكون وسطاء فاعلين؟ وحين يتعلق الأمر بالمفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، لا نحاول إيجاد اتفاق مقبول للطرفين، بل لطرف واحد هو إسرائيل·
وهذا النقد يجب ألا ينتقص من جرأة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد أو فشل ياسر عرفات في الدخول في مفاوضات جادة· ولكن القضية الأساسية لم تكن سخاء باراك ولا نكوص عرفات· لقد كان على الولايات المتحدة التركيز - قبل كل شيء - على تقييم هادئ وموضوعي للعناصر الضرورية من أجل التوصل الى اتفاق مقبول لكلا الطرفين· ولو أدركنا مدى اتساع الفجوة في المواقف بينهما، لقاومنا ضغوط باراك من أجل عقد قمة حاسمة يتم فيها التوصل الى اتفاق أو تنهار الأمور كما شاهدنا، ومن ثم إلقاء اللوم على الفلسطينيين لفشل القمة· وما كنا نقوم به في الواقع، هو الدفاع عن المواقف الإسرائيلية قبل وأثناء وبعد القمة·
ولم يعد من المجدي الدخول في جدل حول من "أضاع قمة كامب ديفيد"· والمفيد هو استخلاص الدروس للمستقبل·
ومن هذه الدروس هو أنه يجب ألا يكون هناك تناقض بين مصالحنا الخاصة مع إسرائيل وقدرتنا على الاضطلاع بدور الوسيط الفاعل في المفاوضات بين العرب وإسرائيل·
بداية غير موفقة
ويمكن أن نظل الصديق الوثيق لإسرائيل وفي الوقت نفسه، العمل مع الإسرائيليين والفلسطينيين لضمان تلبية احتياجات الجانبين· وفي هذا السياق، يبدو أن بداية إدارة جورج بوش (الابن) ليست موفقة، لقد انحازت لجهة تحقيق المطالب السياسية والأمنية لإسرائيل دون حساسية مماثلة لمطالب الزعيم الفلسطيني الجديد محمود عباس الذي لديه كل الدوافع والنوايا الطيبة لتحقيق السلام، لكنه بحاجة الى مساعدتنا·
والآن، وإذا ما نفذ شارون وعوده بالانسحاب من قطاع غزة وتمكن الفلسطينيون من وقف العنف والإرهاب، فلا بد لإدارة بوش أن تستعيد زمام المبادرة والاضطلاع بدورها الذي يستند الى الدفاع عن كلا الطرفين·
فالفلسطينيون بحاجة الى قرار إسرائيلي بتجميد الاستيطان والبدء بمفاوضات الوضع النهائي، والإسرائيليون بحاجة الى نهاية شاملة للإرهاب والعنف والتحريض·
وإذا كانت الإدارة مستعدة لاتخاذ مواقف حازمة، ومنصفة، فربما تجد نفسها أمام فرصة حقيقية ليس فقط لتمرير خطة الانسحاب من غزة، بل أيضا، التحرك لإرساء الأسس لقيام دولتين تعيشان جنبا الى جنب بسلام وأمن، ولكن أيا من ذلك لن يتأتى بسهولة أو بسرعة، وهذا شأن كل شيء ذي قيمة في هذه الحياة واسألوا كيسنجر وكارتر وبيكر عن ذلك·
" عن صحيفة واشنطن بوست "