رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8 جمادي الأول 1426 هـ - 15 يونيو 2005
العدد 1682

درس "أوسيراك" لكل من أمريكا وإسرائيل..
لا يمكن وقف البرنامج النووي الإيراني بالقوة

                                                           

 

·         إسرائيل دمرت المفاعل العراقي عام 1981 لكنها عملت على تسريع البرنامج النووي لصدام

·         التفتيش الدولي هو الذي أوقف البرنامج العراقي حيث فشلت عمليات القصف طوال 43 يوما عام 91

·         خضير حمزة: "العاملون في البرنامج كانوا 500 شخص فأصبحوا 7 آلاف بعد الغارة الإسرائيلية

 

بقلم جوزيف سيرينشيون*

تهدد إيران باستئناف العمل في برنامجها لتخصيب اليورانيوم، فإذا فعلت ذلك، فإن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي سوف تنهار والأزمة سوف تتصاعد· فهل هناك خيار عسكري أمام الولايات المتحدة أو إسرائيل للتعاطي مع هذه الأزمة؟

يبدو أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يعتقد بوجود مثل هذا الخيار، أو على الأقل هذا ما كان يعتقده في شهر يناير الماضي· ففي مقابلة إذاعية معه يوم تتويج الرئيس بوش لولاية ثانية قال تشيني: "إن إيران تأتي في صدارة قائمة أولوياتنا" وأوشك على المصادقة على العمل العسكري مشيرا إلى أن "الإسرائيليين قد يقررون التحرك أولا ثم يتركون للعالم إصلاح الفوضى الدبلوماسية التي ستحدث نتيجة ذلك"·

(ودعونا نعد إلى التاريخ القريب· في يونيو 1991 أعطى وزير الدفاع "آنذاك" ديك تشيني صورة للمفاعل النووي العراقي "أوسيراك" OSIRAK إلى الرجل الذي أصدر الأوامر لسلاح الجوي الإسرائيلي بشن الهجوم على المفاعل عام 1981 وكتب عليها "مع الشكر والتقدير على العمل الرائع الذي قمتم به ضد المفاعل العراقي عام 1981، وهو العمل الذي سهل مهمتنا في عاصفة الصحراء"· وربما نسي تشيني أن إدارة الرئيس ريغان استنكرت الهجوم آنذاك، كما فعلت معظم الدول· وربما لا يدرك تشيني أيضا أن الغارة الإسرائيلية عملت - في الواقع - على تسريع البرنامج النووي العراقي بدلا من شلّه، لقد كانت الغارة ناجحة على المستوى التكتيكي ولكنها فشلت من منظور استراتيجي·

فبعد قيام إسرائيل بقصف المفاعل العراقي في السابع من يونيو عام 1981 باستخدام طائرات أمريكية الصنع من طراز "إف - 15 و إف 16" المزودة بتكنولوجيا متقدمة أعلنت إدارة ريغان أن "الولايات المتحدة تستنكر الهجوم الإسرائىلي على المفاعل النووي العراقي، لأنه ليس من شأن مثل هذا الهجوم سوى تصعيد التوتر القائم بالفعل في المنطقة"·

 

السيناريو الأسوأ

 

ودافعت إسرائىل عن الغارة بالقول إن المفاعل العراقي كان - على الرغم من النفي المتكرر - يستهدف إنتاج القنبلة النووية التي سوف تستخدم في النهاية ضد إسرائيل· لقد كان الإسرائيليون محقين - على الأقل - في ما يتعلق بنوايا صدام إنتاج القنابل النووية، وكان العراق يوشك على استكمال بناء المفاعل وقت الهجوم، لكن لم تكن قد توفرت له قضبان اليورانيوم بعد·

وكان قد جرى نقاش ساخن حول الغارة داخل الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيغن، وطالب الكثير من المسؤولين ومن أبرزهم الجنرال يهوشوع ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية بضرورة مواصلة إسرائيل السعي لمحاولة إيجاد حل غير عسكري لهذا التهديد، لأن العراق سيحتاج إلى ما بين 5-10 سنوات لإنتاج المواد اللازمة لصنع القنبلة النووية، وفي النهاية، إنحاز بيغن إلى السيناريو الأسوأ والمتمثل بأن العراق سيكون قادرا على صنع القنبلة النووية خلال عام أو عامين، وأمر بشن الهجوم·

ولكن الهجوم الإسرائىلي أدى - في النهاية - إلى تسريع البرنامج النووي العراقي· فوفقاً للمسؤول السابق في البرنامج النووي العراقي خضير حمزة "ارتكبت إسرائيل خطأ" فقد كان صدام يخطط لإنتاج البلوتونيوم من المفاعل ببطء، حيث كان يخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما أمكن صدام إبعاد خططه هذه عن أنظار الوكالة ولكننا نعرف الآن، أن ذلك ربما كان يحتاج لأكثر من عشر سنوات، كما قدّر الجنرال ساغي وآخرون· لقد كان البرنامج يتقدم ببطء ووقع في عدد من المشكلات التقنية، في الوقت الذي كانت الحرب الإيرانية - العراقية تستنفد الموارد التي كان يمكن أن تخصّص للبرنامج، ومع ذلك، خلقت الغارة تصميماً قوياً لدى صدام لاستئناف نشاطه النووي، فقد بذل محاولات جديدة سراً، لبناء أجهزة الطرد المركزي وأجهزة أخرى، ولاسيما وحدات فصل النظائر الإكترومغناطيسية، لإنتاج اليورانيوم المخصب الذي يستخدم في صنع القنابل النووية·

وقد استمر العمل في البرنامج النووي العراقي بسرية وبمواقع كثيرة ومنتشرة في أماكن متباعدة وأوضح خضير حمزة في شهادة له في واشنطن عام 2000، "كنا حوالي 500 شخص نعمل في البرنامج فزاد العدد بعد الغارة الإسرائبلية إلى سبعة آلاف شخص، وأصبح البرنامج السري أكبر وأكثر طموحا"·

 

نجاح مضلّل

 

لقد نفذت إسرائيل غارة عسكرية مثيرة للإعجاب وقصفت أهدافا بدقة متناهية وعلى مسافات بعيدة، ولكن الغارة ألحقت ضررا بإسرائيل أكبر من العراق، وأضرت بسمعة إسرائيل العالمية التي ساءت أكثر فأكثر بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، في حين أظـهرت العراق وكأنه ضحية للعدوان الإسرائيلي، لقد تباهى المسؤولون الإسرائيليون بـ "عقيدة بيغن" التي تقدم على الضربة الاستباقية، ولكن الغارة خلقت لدى إسرائيل شعوراً بالرضا عن الذات، إذ يقول الباحث الإسرائيلي أفنير كوهين مؤلف كتاب "إسرائيل والقنبلة النووية" أن "النجاح العملياتي ثبت أنه مضلّل على المستوى الاستراتيجي" لأن الإسرائيليين ظلوا بعيدين عن معرفة جهود العراق الجديدة طوال الثمانينات لامتلاك السلاح النووي، فعلى الصعيد الداخلي، تحوّلت طموحات صدام النووية من مشروع ثانوي إلى هوس· فبعد عشر سنوات من قصف المفاعل العراقي، أي في عام 91 أصبح صدام أقرب من أي وقت مضى، من تصنيع القنبلة النووية·

وعلى الرغم من ثناء ديك تشيني على الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي عام 1981، فإن هذه الغارة لم تسهل مهمتنا عام 91 بل عقدت مهمة صعبة أصلا، فقد عمل صدام حسين على نشر وتعزيز منشآته النووية ووفر لها حماية بواسطة الدفاعات الجوية، فقد فشلت 43 يوما من القصف في عام 91 من تدمير البرنامج النووي العراقي الذي لم نستطع إيقافه إلاّ بواسطة فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة ومن خلال عمليات منهجية لتدمير المعدات النووية·

والآن، ونحن بصدد دراسة الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديد النووي الإيراني، يجب علينا ألاّ ننسى الدرس المستخلص من الغارة الإسرائىلية على المفاعل  النووي العراقي عام 1981·

 

* مدير إدارة منع الانتشار النووي في مؤسسة كارينغي للسلم الدولي في واشنطن

" عن: انترناشيونال هيرالد تريبيون "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

كي لا تصبح مصر والسعودية "كعب أخيل" الشرق الأوسط!
المجتمعات العربية غير متجانسة ويصعب فرض الديمقراطية الغربية فيها بين عشية وضحاها