
أشاع اكتشاف وجود نقار الخشب ذي المنقار العاجي في محمية من محميات ولاية أركنساس الأمريكية موجة من الحماس والأمل في أوساط الأمريكيين، وتأملات واسعة حول العلاقة بين الطبيعة والإنسان، وسبب كل هذا هو أن هذا الاكتشاف جاء بعد مايقارب نصف قرن من إعلان انقراض نوعٍ هذا الطائر، وإطلاق مراث تندد بمن كان السبب في انقراضه· يومها تم تصويره كضحية أسطورية لما أحدثه الصيادون وجامعو النوادر من تخريب للبيئة، ولما أحدثه اقتلاع ملايين الهكتارات من أشجار الغابات وتحويلها إلى عجائن ورق ونشارة خشب·
اكتشاف بقاء هذا الطائر على قيد الحياة كان مفاجأة سارة، فقد اعتبره البعض "هبة عظيمة" و"كأساً مقدسة" خرافية عثر عليها الباحثون أخيرا، وتدخل وزير الداخلية ليحذر هواة الطيور من التجمع في منطقة الاكتشاف، ومن الإغراق في عشق الطائر إلى حد قتله فمن العشق ما قتل كما يقولون·
ووجد الكاتب الروائي "جونثان أوزن" علاقة متبادلة بين حماية الأمريكيين لهذا الطائر وحمايتهم لأنفسهم، فالأمريكيون كما يقول وجدوا في اكتشافه أكثر من طائر كان مفقوداً، فهم في بحثهم عنه واستعادته كانوا يستعينون بالإله نفسه الذي استعانوا به حين غزوا البراري غير المأهولة· ولفت النظر إلى أنه ليس هناك من أحد لا يحب فكرة الانبعاث والبدء من جديد، في بلد لا يركـــز كثيـــرا على المــوت والاحتضار·
الباحثون الذين عثروا على الطائر بعد توارد أخبار عن وجوده، أعادوا إلى الأمريكيين مخلوقاً رائعاً، بلغ من الجمال، بلونيه الأبيض والأسود، حدّ أن شبهه أحدهم بلوحة من لوحات الرسام الفلامينكي "فان دايك"، ورأى البعض الآخر أنه امتلك حياة جديدة، وسيعيش من أجل أناس آخرين ربما لم يسمعوا به، وسيودون حماية بيئته الطبيعة، وبذلك سيساهم هذا الطائر في حماية بيئة الكثير من الحيوانات أيضا·
واللافت للنظر أن مجرد توارد أخبار عن وجود هذا الطائر دفع السلطات إلى إعلان مناطق واسعة من الغابات محميات طبيعية يمنع قطع أشجارها أو الصيد فيها·
وأثارت ردود الفعل هذه الكاتب الروائي المذكور أعلاه، فبدأ يتحدث عن هوية الطائر الرمزية، ليس كمجرد صورة في كتاب، أو كائن يعيش بين الأشجار، بل عن دور رمزي يشير إلى دور الطبيعة في حياتنا، وكان عالم الطبيعة "تانر" قد لاحظ أن أكثر التفسيرات التي شاعت لأسباب انقراض الطائر هي أنه "لم يستطع تحمل وجود النوع الإنساني أو التوافق مع التقدم الحضاري"· وهو أمر يماثل ما نجده لدى الإنسان من مثالية أحياناً، حين يرحل إلى أمكنة أخرى رافضاً "التدجين والتمدين" ويلاحظ الروائى مفارقة هنا، فيقول عن الأمريكيين، إن لهفتهم على الاستقلال وجموح الحرية اللذين يبدو أنهما يربطانهم بالعالم البري، كانا هما الحافز ذاته الذي عرض الأماكن البرية التي تغذي الروح الأمريكية الوطنية للخطر· ويخلص إلى أن من نعم هذا الاكتشاف للطائر ذي المنقار العاجي، أنه يمكن "أن يساعدنا على رؤية أنفسنا على حقيقتها، فنميز بين الرغبة في أن نكون أحراراً (نطلق الرصاص ونتطور ونقطع الغابات ونتوسع) والرغبة في أن نعيش بين أشياء حرة لا يمكن أن تعيش إلا إذا كنا أقل حرية·