هكذا هم
نشمي مهنا
الشعراء والكتاب والفنانون المتمردون غير الممتثلين لمسطرة المجتمع وقلمه، وأوامره ونواهيه، هم غالبا خالقو إبداعه الحقيقيون·
هي ليست صفة مكتسبة أو متعمدة للدلالة على التميز، لكنها ميزة مغروسة بالفطرة، وما يعاب على أحدهم هو بالأصل مديح وإشارة الى عدم امتثال لحياة آمنة منظمة يرتضيها القطيع·
الخبر الذي تناقلته شاشات الإنترنت منذ أيام عن نهاية الشاعر العراقي عقيل علي المأساوية، تؤكد أن المهمشين هم أصل المتن وأجمل ما فيه، وحياته التي أرادوا التشهير بأسرارها قبيل وفاته بأسابيع كانت كتابة صادقة لقصيدة رائعة معاشة·
قبل ذلك كان تشرد جان دمو وفقره ومبيته الليلي الارتجالي على الأرصفة وفي الشوارع المعتمة قصيدة أخرى مقروءة على صفحات حياته اليومية·
لا شيء يعيب· لا فقره ولا حاجته ولا إدمانه على الكحول ولا تشرده، ولا أفكاره الصادمة لمألوفاتنا·
الناس أشبه بالمدن· المدينة المنظمة النظيفة لا تترك في نفوسنا أثرا أو ذكرى، بينما المدن الضاجة بأسواقها الشعبية وفوضى بسطات الباعة ومعمار حواريها المخالف لأي نظام هندسي تظل روائحها عالقة في الذاكرة·
ما يغيظ هو ما يحاول نفيه بعض نقادنا "الوطنيين" من تمرد عرف به مبدع هنا أو هناك، بدافع الحرص على "وهم" المكانة، أو تنظيف سيرته من أي "شرور" علقت بها· كنفي التمرد في فكر وحياة شاعر مثل فهد العسكر وتحوير أفكاره في المجتمع والدين أو إنكار تعاطيه الخمر أو حرمانه من "ليلاه" التي فسرت - مرات - على أنها الكويت!
وكذلك مع الشاعر عرار ومع غيره ممن لو كانوا على قيد حياتهم لما ارتضوا بدلا عن الأصل، ولما قبلوا الترقيع المشوه·
مهمشون ومتمردون وعصاة، هم هكذا، علينا القبول بحقيقتهم كما هي، أما الرفض فلن يغير شيئا من حرياتهم الجميلة ولن يقيد سوى متعنا بإبداعاتهم، وإن كنا نخشى خطرهم على حياتنا الهانئة، فالخطورة تأتي من الآخر الذي نبّهنا إليه ميللر "كلما رأيتم رجلا ذا ميول كلاسيكية، رجلا لا يصاب بالجنون ولا يمارس الانتهاك، اقبضوا عليه وزجّوه في السجن: إنه يشكل خطرا على الإنسانية"·
nashmi22@hotmail.com