حكايات قصيرة جدا
نشمي مهنا
يتذكرنا الموتى أم نسونا بزحمة انشغالاتهم؟
على مقعده الخشبي في حديقة "الرابطة"، جلس وحيدا ليلة البارحة، تعلو رأسه سحب بيضاء، ترسم فوقه دوائر لا تنتهي· طرف خيطها الرفيع بين إصبعيه، كأنما يمسك بذكرى بعيدة·
براءته الساطعة لا تتحرج من فضح الطفل داخله، في فرحه وأساه وعشقه وغضبه· براءته أيضا لا تذعن لحكمة السبعين من السنوات· لا يهمها سوى أن تتمدد بطول قامته ووسع قلبه وعلى نبرات صوته·
من بين سحبه تلك، أطلت عليه ملامح وجه محبب الى نفسه، مغروس فيه·
هذه الغائبة منذ شهور·· عادت··
فرأى نفسه واقفاً أمام الموظف الحكومي في أواخر الستينات يستخرج لأمه شهادة ميلاد، أيام كانت الأمهات لا يحملن من الوثائق الثبوتية سوى الكرت الصحي·
حاول إقناع الموظف ولم يفلح· كيف سيجيء باسم "المبلِّغ عن الولادة"؟! التاريخ بعيد، بعيد جدا، والولادة منزلية و·· و··
فاقترح أن يُسجل هو كـ"مبلِّغ"، فاقتنع الموظف·
وظل اسمه ملازما لاسم أمه في شهادة ميلادها، كشاهد مجازي·
تطيب له هذه الخاطرة دائما· فأمه ولدت بالفعل على يده، كقصيدة خيّرة طويلة، ستظل بلا خاتمة·
تداعت صور أخرى ليلة البارحة، ولم ينتبه إلا على حرارة بدأت تتصاعد بين إصبعيه·
غابات جنوب السرة
تفاجأ بسند الصرف، وقيمة المبلغ (مليون وثلاثمئة ألف دينار كويتي) رمى القلم من يده، واستدعى المديرين المختصين·
لم يكمل حتى قهوته الصباحية، بعدما تجرع مرارة المفاجأة·
هو يعلم جغرافيا ديرته جيدا، لا يوجد فيها ما يستدعي هذه المبالغة المشبوهة·
شرحوا له أن الوزير السابق هو من قرر صرف هذا المبلغ الى التاجر "حمد" مقابل أن تقوم شركته بأعمال الإزالة للتحضير لبناء مدينة جديدة· رد بغضب، وأدار كرسيه الى يساره، وفرش على الطاولة مطوية لخريطة صادرة من بلدية الكويت قبل مشروع المدينة بسنوات، وأخرى جديدة، بعد استكمال المشروع·
"أين هي الغابات التي أزالتها الشركة·· من جنوب السرة؟!"·
السؤال نفسه ما زال يتردد في أروقة النيابة العامة، بعدما أحال الوزير الجديد كل موظف ظن أن في الكويت غابات إفريقية!
خارج نطاق التغطية
"ناهد" صحافية شابة، متحمسة لعملها الجديد، ولأوامر مسؤولها الذي خيرها بين الصفحة الفنية والمجتمع والثقافة· "الثقافة في بلدكم سهلة" وأضافت بثقة "رغم أني لم أكمل الثلاثة شهور هنا، إلا أنك سترى مني قضايا لم تطرح من قبل وتغطيات وحوارات تجنن!"·
في مساء أربعاء صيفي، وقفت على باب ديوانية "الرابطة" وحيت روّادها، محاولة تقليد اللهجة الجديدة عليها "مساكم ربي بالخير"·· وعرّفت بنفسها· اعتذرت عن دعوتهم لها بالجلوس لاستعجالها "كل ما أريده هو إجراء مقابلة صحافية جريئة·· ممكن ألاقي عندكم موبايل فهد العسكر؟"·
"السبيعي" في الغرفة الملاصقة، انفجر بالضحك ولم يتم ركعته الثانية، فدخل يفرك عينيه ويستغفر "عاد لو قايله صقر الشبيب·· ممكن! لأن العسكر ما يرد على الأرقام اللي ما يعرفها من برّا المقبرة"·
من يكتم فرحته·· يحزن
البنت الصغيرة "المتبْتبه" ذات الضفيرتين الطوليتين، أنزلها أبوها عند الباب الخلفي، وأوصاها أن تحفظ السر عنهم·
خبأت غنيمتها في الحوش تحت باب خشبي مرمي·
بعد أن خلعت نعليها ولفتهما تحت إبطها· طارت بجناحين من الفرحة·
دخلت عليهم، عيناها تلمعان بشيء لا يحتمله قلبها الصغير·
حركة أهلها في الصالة أبطأ بكثير مما فيها من عاصفة، وأصواتهم أقل ضجيجا من دقات قلبها·
دقائق· ونادت أختها الصغرى "عندي سر بس لا تقولين حق أحد"·
أقسمت أختها "والله العظيم ما قول"·
"تعالي" وراحت تتبعها الصغرى·
نفضت كيس النايلون· فسقطت "عروسة صغيرة" تتكلم وتضحك وتبكي بالضغط·
ملأ الصراخ المتواصل أرجاء البيت، حاولت الأم والجدة والأخ الأكبر تهدئة الصغرى طوال الليل، ولم تنفع كل محاولاتهم· لا الوعود بـ "صباح غد" ولا "انتظري أباك"·
تسللت البنت "المتبتبه" الى الحوش مرة أخرى، وأخفت "عروسها" بعدما ضغطت عليها بكل قوة حتى تُسكت ضحكها المتواصل·
لم تعرف البنت أن الوصية كانت بحفظ السر عن أختها هذه بالذات·
ولم يعرف الأهل أن عصفورة الفرح لا يمكن لها أن تبيت وحيدة في القلب الصغير وأن الفرحة لا يمكن أن تكون فرحة إلا بإشهار·
nashmi22@hotmail.com