رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17 ربيع الآخر 1426 هـ - 25 مايو 2005
العدد 1679

سامي محمد يحاور المخيلة وتحولات الجوهر
يوحد في منحوتاته ثنائية الموضوع والشكل

                            

 

ناصر عبدالله:

قد تتشعب التفاصيل، كي تلامس مثالا حسياً، وقد تتعرض هذه التفاصيل الى إضمار يمجد انهيار الشكل المقصود، فما يشير إليه الواقع، هو مثال حتمي وقع فعله بحكم المداولة والتفاعل·· والذات حلقة تنشطر تارة، وتارة تتكامل، كي تظهر مغزى لسعيها الفاعل والمؤثر· بهذا التحقق تستلف الذات مقاصدها لتضع انجرافها سمة للتخصص أو إذعانا لفعل شعور ذاتي منفلت، ومع ذلك فالمعنى يظل بوسائطه ملحوظة لفعل الذات وإجهارها الفكري، وفي الفن تتشكل الأشياء على وفق إفادة بررت تعيينات  الفنان، فهو يقيم مشروعه ليستدل على حيز للممارسة المثلى التي تخلق له عالما لا يتحدد بخطوط الظرف الضاغطة وعلى إثر ذلك نتأمل صراع الأشياء في العمق،  ونبالغ في الثناء على تشكلها الذي يحفز فينا الوثوق من معطيات خبرتنا التي سرعان ما تهتف بقدرتنا على خلق صيغة ما، لارتباطنا بالعالم·

من خلال هذه الإشارة نطالع أعمال الفنان سامي محمد متناولا نبع انبثاق الأشياء ومسار انخراطها الغرائبي في الحياة، الذي حرص الفنان على إثارته·· فهو ينهض من خلال عموم تركيباته المقترحة بالتعرض إلى إقحام الرؤية الذاتية، في محاولة تشخيص مختزل لترسيخ واقعيته، ومن يتأمل منحوتاته يلاحظ إعلاء الجانب الروحي في علاقة الذات بالآخر من خلال الوجوه الإنسانية التي تتركز على إحساس سيكولوجي مؤثر، وإذا كان الفنان يريد لنا أن نقيم صلة بين ما نراه في أعماله وبين الواقع، فلا ننسى أنه أراد أن يقدم لنا جملة تشكيلية "نحتية" إذ أراد لعيوننا أن تظل متعلقة بالحركة الدائبة، مع اشتراك جميع مكونات العمل الفني وعناصره، فالأشكال البشرية صيغة لفعل تحجمت مضامينه وانفجرت في آن، واستدارت في تشكيل ذي مساحة معبرة في فضاء هندسي الحركة، وعلى نحو شديد الوضوح، يضع الفنان نقطة البداية لكلية أفقها مؤثر وكما يعتقد الفنان أن هذه المحاولة هي النظرة الجادة التي يمكن أن يصل بها إلى متانة المواجهة، وإفراغ الخطوة الانفعالية الحبيسة، إنه لمن الضروري أن نبرر تلك العملية البنائية التي وصفها الفنان سامي محمد في سياق حضوره المعروض إذ تبدو الأشياء في تحولاتها المدركة في العمل ذات طاقة قابلة لأن تكون إيضاحا دقيقاً لرؤية تشخيصية· كذلك فإن شروعه في تسخير فضاءات المخيلة وفق تنوع يرافق الأمثولة المنغمسة في خطوط شواهده المنحوتة، بدا هذا الشروع تعريفا لـ "تاريخية عاطفية" مجدت مجرى انفصالها عن الإمكان وتوحدت بمصيرها المختلق، وعبر محمولاته تترسخ أمامنا معطيات معنى الأخبار عن تمسكه بالأدلة التي توحي بمتحققات الصراع القائم بين الأشياء في العالم الخارجي·

من المؤكد أن الافتراض قد يبدو فاصلة لإظهار تصورات، تأخذ بعين الاعتبار تتابع سلوك ظاهرة معينة، وعلى الرغم من ذلك نجد في بعض المحاولات، براعة في تشكيل معنى يسقط بالأساس على تدوين "جوهر" يتوغل في رسم الظاهرة وفق خلاصة ذاتية محضة، ومن هنا يرتبط التعريف بالشيء بكمية التصور الذهني، الذي يعد نظاما مركبا من مرجعيات ورؤى متحركة دائما وإذا ما حاولنا تجسيد فعل الـظاهرة داخل الذات، فإننا حتما سنجد في هذا التجسيد فضاءات الإضافة الذاتية، التي تمنح التشكيل المعروض بنائية خاصة وعلى نحو مقارب، وفي تجربة الفنان سامي محمد الطويلة والثرية نجد الكثير من المماثلات المتكونة، للمفردة، وتحولات "الوضع التكويني" كحركة لهذه المفردة داخل فضاء المنحوتة، هنا يمكننا أن ندرك الكيفية التي تتوزع من تنظيم الذات لانثيالاتها، فالتجربة التي قدمها الفنان خلاصة أطلقتها الذات، لتحضر وقائع تفطن لها الشعور وامتزج بها، كذلك، وبهذا  الاهتمام تتعوذ تصورات الفنان بموضوع العلاقات الإنسانية المعذبة والمفجوعة في كل زمان ومكان، فالمنحوتة تفيض بحوارية تفجر مناخها، وبتأويلات تقتضي الهيمنة على الكثير من المسميات العالية: التضحية، الاستنجاد، الجوع، القهر، السلام، الحب·

إن التذكير بمسألة الانشداد إلى الأحداث التي تتكامل وحداتها التكوينية، عبر دينامية، وفرها الفنان في مجمل اعتماله، ويبدو هذا التذكير محتوى فرض كميته،  لا ليكون ملاحظة ذاتية، بقدر ما يمكن أن نعي من خلال وظيفة الإشارة التي نستخلصها من الشكل·

وعلى الرغم من تلك الطراوة المدهشة في أعماله المختلفة الخامات، غير أنه يفاجئنا بالصعب والعسير عندما تتوحد ثنائية "الموضوع والشكل" في بناء تشكيلي واحد، كما لو أن العمل على متابعة ملامح الوجوه لم يكن إلا الخوض أو البحث عن إرهاصات النفس في زحام الأبعاد التي تكون الشكل غير أنها جميعا تشترك في الإيحاء بالقنوط، وبذلك يتداخل خطان تعبيريان في أعمال سامي محمد عبر مراحله المختلفة: خط تأملي / جمالي، استخدمه بطريقة "الإيحاء" وخط تعبيري / رمزي ساقه بطريقة التشاؤم، وهكذا ومن خلال المزج بين هذين الخطين يتوحد في النتيجة النهائية "كيان واحد" ومع ذلك فالجملة أو المفردة التشكيلية المفعمة بالحيوية عنده، بها بداية وليس لها نهاية، أي رسم الفكرة في ذهنه ومن ثم اتخاذ قرار المباشرة فيها هو البداية·

والفنان سامي محمد وضع أمامنا إيقاعا لتلك التوابع التي تتناسق كي تبرز الدلالة التي لا تتقيد بأدائها الإدراكي وحسب، بل تتعداه إلى إثبات المعالجة الدقيقة، التي اعتمدها الفنان للوصول إلى تصور ذهني، يضيف إلى منجزه قدرة تعبيرية موفقة، وعبر هذا التشخيص تمتلك الصياغة المعروضة نشاطها في تصنيف ما استحدثه الفنان من إضافات على جسد الكتلة المنحوتة، فالحركة والرموز "الجدران، الصناديق" ثنائية أنتجها الفنان للدعوة إلى مغايرة تتزين بها صفة الشكل المنتقى، ومهما بدت الإحالة التي تقصدها الفنان من ذلك، فإن الاعتقاد بضرورة الانتباه إلى أن فضاء المنحوتة هو حكاية لصراع عاطفي تقلبت مواضيعه من خلال السطوح والأحجام والإضافات فتصور بوساطة سمة التعلق الدقيق الذي تشاغل به الفنان واهتم به بقصد الإبلاغ عن إشارة تاريخية تابع الفنان تشكيلاته مستمدا من آفاق البناء المحلي المكاني الذي عرف في المحيط الذي عاش فيه وما تحتويه من علامات وأشكال ورموز ذات تقطيعات تفرض على المتلقي فكرة ارتباط هذه الإشارات بطقوس وممارسات لها أثرها في حياة "المدون"· والفنان سامي محمد من تشخصياته بعث تأكيدات التفكير بتلك العلامات والأشكال، وتسيدها على الذات والأشياء·· فهو لم يعد ملزماً بالسرد التوضيحي للأشكال المتزاحمة في الذاكرة، بقدر ما حاول تحرير تنظيم تتابع هذه الأشكال وإحياء التوافر البصري  الذي يمكن أن تخلقه تلك التوظيفات التي أسهم الفنان في إيجادها من خلال معالجة ماهرة وصبورة·

إن تجديد مسار التعليق علي تميز البنائية التي تنضوي تحت شواهد وقائع اجتماعية، كان تصنيفا لاحظه الفنان للاستدلال على نقطتين:

الأولى: توضيح الاتجاه الانفعالي الذي يمكن أن ينشغل به كفنان، وتثبيته في خطوط المنحوتة المنشأة·

الثانية: اقتطاع الصفة التكوينية التي توثق نبرة الفضاء الذي انتقاه الفنان وعمل على الإبلاغ عن جوهر المحاولة والرؤية والمعالجة·

وبعيدا عن استخدام الأشكال التي تحدد الفكرة بخواص المنحوتة الشكلية، سعى الفنان سامي محمد إلى استثمار التنويعات التي تفسر انتمائه إلى إظهار إمكانية المنحوتة على تقبل الكثير من الإثارة والصياغات الفاعلة، بهذا الوصف تتدفق أحوال المفردة ومن خلال انغمارها في نسيج من الحكائية، التي يمكن إن تتأملها في الصياغة التي أسسها الفنان، يتجدد فيض الهيئة المبتكرة، واتساع مجالات أشكالها التعبيرية·· فقد نجد في أقصى الممارسة التي قدمها نوعاً من المبالغة في الإشارة إلى بعض الأشكال، ونجد في جانب آخر تحويرات بصرية لأشكال أخرى تتحدد في حركة الجسد التي تقيد شبكة من التدخل الغرائبي المؤلم، كما عمد الفنان إلى الاعتماد على تزيين صياغاته الشكلية بإضافات تتجانس مع تفاصيل الأشكال المنهمرة على الكتلة المعروضة·· وبذات المحاولة·· استطاع الفنان سامي محمد الإشارة الى التناظر الذي يمكن أن يبعثه التداخل الشكلي في بناء المفردة، هذا التتابع أو الانفصال البصري، الذي يقترن بمهارة الصياغة المعلنة، هو إجهار توافر عليه الفنان لتوضيح صفات جديدة يمكن أن نجدها في التشكيل الموصوف·· فالجسد إيضاح لمستويات: (الانتقال الانبثاق الخلاص الحركة التمثيل)، هذه التاريخية التي تتجدد في شكل الجسد داخل الفضاء المحيط هي في ذاتها اهتمام حسي منشؤه اهتمام الفنان بخرافة التصميم الجمالي والحركي للجسد، وفي ذات الوقت تنوع للتفكير·· والفنان القادر على تحرير فكره من ضغوطات الظرف، يرى الأشياء ويختارها، ويحولها إلى مدركات حسية تفتعل تأثيرها بحكم الإثارة الشكلية التي ابتدعها الفنان وصاغها في كيفية علامية ماهرة·

وفي عودة إلى المشهدية، التي سجلت الشروع المقترح، في إظهار جمالية المنجز من خلال اتساعات عديدة، نجد الفنان سامي محمد لا يتركنا تماما لدوامة التداخل، بل يحسب إيقاعات الحركة وينحت الفراغ "أحيانا" ويحدد مراكز القوى الرئيسية والمراكز المساعدة لها، ولعل التأكيد على موضوعية الوجوه عند الفنان ارتكزت على أشكال درامية، فهي تكوّن مركز القوى الممتدة من جانب سيكولوجي تأثيري، كإنشاء يرى فيه الفنان لغة تكميلية، تحرك المساحات المتنوعة في اتجاهاتها، وكما يتظاهر المضمون بتفاصيل الشكل، نجد الفنان في محاولته هذه يعمل بدوره على إثراء محمولاته بدلالات يتقاطع عندها المجال المثالي الذي يمكن أن تشي به، فنحن نرى تكوينا يحتفظ بشعائر ذات مضمون يحمل رؤية الفنان الذاتية، فيبدو وضعها التكويني "الرجل يخترق الجدار" معنى للانتشال والإنقاذ والبحث، هذا التراكز في تقديم مفهوم يتقاطع مع مكابدة الذات وتمردها على الواقع، يبدو إظهارا لإنشاءات جامعة للتكوينات الرتيبة والمتكررة في المشهد الفني المعروض عموما، ومع الصياغة المنظورة هذه، يؤطر الفنان مساهماته بمؤثرات إضافية تعزز من المناخ التعبيري الممتلئ الذي نستشفه، كي تتكامل أمامنا "طقسية" الممارسة اللابسة لمفردات المنجز المقترح، ومع ذلك فثمة خاصية روجت لإحياء ما ينطوي عليه التأويل من تحول في الجوهر والرؤية، إنها علاقات مصنوعة من قبل فنان شاء أن يحاور الذات البشرية بملامح الوجوه وحركة الأجساد العنيفة، يقول النحات الروماني "برانكوزي": "البساطة ليست هي الهدف، لكن المرء يصل إلى البساطة على الرغم منه كله اقترب من المعنى الحقيقي للأشياء"·

" عن "الخليج"

طباعة  

وتد
 
"الأماكن المقدسة في القدس والخليل" للجحمة في "العلوم الإنسانية"
 
"أفانين الشعر في التراث" في رابطة الأدباء
الطيان: اهتم العرب بالزخرفة اللفظية لسد النقص بفنون الرسم والنحت

 
عطرُ امرأة
 
حفل "الرابطة" الختامي