رسالة أبو عفش والعنوان الخطأ!
نشمي مهنا
أحب نزيه أبو عفش وأحب شعره، وعندما تنزّل عليّ قدَرٌ - يشبه لحظة شعرية - فتعرفت به عن قرب، أحببته أكثر· هذا النزيه يشبه شعره، هادئ بعمق، مسالم كراهب ومتسامح كمؤمن لا يشترط اليقين·
من يقرأ ملامح وجهه، وإيماءات حزنه، ويتقصى منابع شعره البعيدة يعرف أن له هما أعلى من يومياتنا، وتأملات أكثر شفافية من سماء صوفي·
* * *
بعد حدث اغتيال الحريري، وتبعات الحدث، توقعت أن ينفجر غضبه في وجه نظام العسكرة والبعث، مثلما فعل "قلة" من المثقفين السوريين على شبكات الإنترنت وصفحات "النهار" و"المستقبل"، لكنه لم يفعل، وفاجأنا بعد طول انتظار وترقب ومتابعة بمقال مطول، خرج به عن هدوئه ولغته الشعرية ليصب غضبه على اللبنانيين وعتبه على السلطة في دمشق·
وهنا المفاجأة، أن يبدل هذا الرائع مواقع العتب والغضب (من يستحق العتب وعلى من الغضب؟) ويوجه رسالة الى العنوان الخطأ، منتظرا أن تصل!
نزاهة أبو عفش تكمن في تاريخ مواقفه الناصعة التي تجبرنا على العتب اليوم على رسالته/ المقالة، ولا تدع مجالا - بالطبع وبالتأكيد - للتشكيك في مضامينها ودوافعها ونوايا صاحبها·
* * *
قبل أسابيع كتب الشاعر محمد خالد القطمة على صفحات "القبس" مقالا معكوسا أيضا، اختلط عليه (أو خلط فيه) أمر "الوطنية" بـ"الاستبداد الوطني"، وسورية بنظام الحكم، والسوريين بأهل السلطة البعثيين·
لا يهم، لأن الكثيرين من أصدقائنا السوريين تفاجأوا بعد الحدث بهجوم مباغت كان يرمي سهامه الكثيفة الى داخل القلعة الدمشقية، لم يكن يوصي سهمه الأعمى بالهدف، في الوقت الذي ظن أهل المدينة السوريون أن السهام المارة فوق رؤوسهم كانت تتقصدهم!
مَنْ يستطيع أن يتميز بالموقف المحايد، وقد تغذينا كشعوب على خطابات سلطتنا السياسية في مهودنا؟ وكيف يقوى على الوقوف في مناطق الحياد مَن يرى اسم بلاده "نيشانا" في ساحة عامة؟!
لا أحد يستطيع ضبط هذه الشيزوفرينيا الجميلة سوى القلة الناجية·
كنت أعتقد أن نزيه أبو عفش من هذه القلة، من محمد علي الأتاسي وماهر شرف الدين ولقمان الديركي وخالد خليفة وصبحي حديدي وآخرين···
كنت أعتقد أنه سيتخلى عن رايته البيضاء، ويقود الفرصة النبية الى ساحات دمشق الموحشة·
* * *
كتب أستاذي وصديقي نزيه أبو عفش مقاله المطول الغاضب عن صورة "السوري" المشوهة في عيون اللبنانيين، وطالب بمحاسبة أيادي العبث التي أوصلت اسم سورية الى "شتيمة"، وقال "كان علينا، حفاظا على كرامة الجيش والشعب معا، أن نخرج منذ ثلاث عشرة سنة (بل وأكثر··) بدون أن ننتظر اللحظة التي يُرغم فيها كل مواطن علي دفع ضريبة المهانة والإذلال"·
وقال "ما كان يجب أن نحميه تحوّل فجأة الى محمية، والمحرِّرُ - في نظر أهل البيت - تحول الى غازٍ"·
وقال "رايات شامخة وقلوب منكسة: تلك كانت الصورة·· ونريد تفسيرا"·
كلام جميل·· لكنه ناقص!
الصحيح أن الضريبة يدفعها الآن النظام السوري وحده لا الشعب، ما لم يضع أفراد من الشعب أنفسهم في خانته· و"التحرير" كان بالفعل غزوا لأنه لم يحرر إلا أيدي السرّاق وقطاع طرق الحرية· أما "التفسير" الذي يريده أبو عفش فهو - بالمعنى الأكثر واقعية - محاسبة رجال السلطة·
إذاً، الرسالة كان عليها أن تحمل عنوان الرئيس السوري وبطوابع بريدية محلية دمشقية فقط (أو كان ذلك أولى)·
* * *
وقال صديقنا أبو عفش - الذي كسر بغضبه بيت القصيد والمقصد - إن اللبنانيين أعلنوا بعد حدث الاغتيال "حان موعد تنفيذ الحكم بإعدام سورية"، وإن أصابع الاتهام أرادت أن تشير الى سورية عن كراهية وبدافع "سعار الثأر"، وإنه "سيكون بوسع الجميع أن يثبتوا أن من صلب يسوع المسيح، وقطع رأس يوحنا المعمدان، وقتل سبارتاكوس، وأحرق مراكب فينيقيا·· هي سورية طبعا"·
كتابة غاضبة (بقلم نظيف ونوايا بيضاء) أضاعت أسطر الصفحة، فتداخلت كلمات "سورية" و"السوريين" والسلطة الحاكمة!
لم يقل أحد إن مواطنا سوريا "زعلانا" من الحريري دبّر اغتياله، أو إن "الإخوان المسلمين في سورية" رتّبوا المتفجرات في طريقه، أو إن أحد رعاة الغنم على الحدود أراد التوسع في مرابعه الخضراء!
أما حوادث القتل والاعتداءات على السوريين الأبرياء من العمال وباعة الخضار وغيرهم فهي مرفوضة والجميع يعرف أنها جريمة "طائشة" غير مسؤولة، لكن غير صحيح أنهم "ماتوا·· ولم يخرج صوت من فم أحد!··"، وغير صحيح أيضا أن الأتاسي "ضيف النهار" - كما وصفه - "مستثنى الى حين، من قائمة الازدراء· وغدا سيكتشفون "السوري" الصغير المتنكر خلف ثيابك"·
لا ازدراء لشعب بريء لا يحمل خطايا نظامه، ولا تحقير مثلما يتوقع صديقنا الغاضب لكاتب باقٍ في بيروت ينشد الحرية· هذا التحقير الذي افترضه أبو عفش لمحمد علي الأتاسي بعد حين، رافضا إياه، ومستخدمه وصفا لـ "عربان النفط"، نقله من خطأ افتراض الى خطأ ازدراء آخرين بعيدين عن الحفر، حينما قال "لكن، فقط، لتبقّ المطربات والرقاّصات (بشرط أن يُتقنّ اللغة الفينيقية حصرا··) لعلّ "شارع زيتونة" جديد سيكون بحاجة الى خدماتهن النبيلة في ميدان السياحة وتوطيد أواصر الأخوّة مع أشقائنا "عربان" النفط المبجلين"·
* * *
جميعنا ظمأى للحرية، نحن وهم وأنتم، نشرّع نوافذنا لأي ريح قادمة تنقذنا من خرابنا، نكتب ونتغزل ونعشق، وندير بوصلات أرواحنا باتجاه أي ضوء خافت، ونراسله، علّنا نعثر على الشمس، بشرط أن نتأكد أن رسائلنا مختومة بعناوين صحيحة·
nashmi22@hotmail.com