ليلة انتفاضة "الزلم" الشجعان
يوم انتفاضة مدينة البصرة البطلة
بقلم المحامي عزيز الساعدي*
إذا كان تعريف التاريخ من الوجهة الفكرية السائدة هو "الصراع بين المستبدين من الحكام الطغاة والمظلومين المستضعفين" أو كما يفسره الماديون "التاريخ ما هو إلا صراع الطبقات"·· ومهما تباينت التعريقات التي تطرح من قبل وجهات النظر المختلفة فالتاريخ لا تكتبه إلا الطبقة المستبدة الحاكمة وفقا لمصالحها وهو ما يسمى أو يطلق عليه "التاريخ الرسمي" أما تاريخ الطبقة المستعبدة أو المظلومة المستضعفين المغيبة والثائرة عادة ضد قيم وقوانين وأخلاقيات الأسياد فيطلق عليه "التاريخ الشعبي" غير المدون ويمنع الاطلاع عليه إذا دون سرا·
هذه هي سيرورة التاريخ في كل زمان ومكان، وتاريخنا منذ الأمويين والعباسيين مرورا بالتاريخ المعاصر للعراق ما هو إلا ذلك الصراع الدموي والعتيق بين الحكام الطغاة المستبدين والشعب العراقي الثائر دوما ضد الظلم والاستبداد منذ استشهاد سيد الشهداء "الحسين بن علي" حتى صلب "الحلاج" على يد الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي وصولا الى مهندس المقابر الجماعية الطاغية صدام حسين ونظامه الشمولي·
ولأهمية الأحداث التاريخية والمصيرية في حياة شعبنا العراقي وما تشكله الانعطافات الجذرية التي تقع كالانتفاضة والثورة والانقلاب فقد أصبحت لدي عادة تدوين المذكرات مهمة يومية· فمنذ وقوع حرب الخليج الثانية في ليلة 17/1/91 وغزو الكويت من قبل جحافل الطاغية صدام حسين كتبت في دفتر مذكراتي يوميات هذا الغزو المشؤوم المقترحات والنتائج والأحداث التراجيدية والمصيرية التي وقعت وتركت بصماتها المأساوية على مستقبل بلدي في زمن جمهورية الرعب·
وخلال تصفحي في هذه المذكرات برز أمامي تاريخ 20/2/1999 حيث كتبت "في تاريخ 20/2/1999" ما أعلن في إذاعة بغداد عن اغتيال المرجع الديني آية الله محمد صادق الصدر ونجليه في الساعة السابعة من مساء الجمعة عند خروجه من مسجد الكوفة·
وبعد انتشار الخبر لاحظت مساء ذلك اليوم في منطقة "حي الحسين" جموعاً كثيرة من الشباب الوجوم باد على وجوههم يتهامسون والحزن يلف كلماتهم·
- لقد تجرؤوا وقتلوه·· سوف لن نسكت·· يجب هذه المرة أن نرد عليهم - الى متى السكوت - أمس قتلوا الصدر الأول وأخته العلوية بنت الهدى واليوم الصدر الثاني وغدا يعلم الله سينالون من بقية علماء الحوزة·
ثم عانق الشباب بعضهم البعض وعيونهم تطلب الثأر العاجل من القتلة العفالقة·· حينها تقدم مني أحد الشباب من أصدقائي وهمس في أذني قائلا "أوصيك بعائلتي وبتسديد ديوني" عانقني وذهب يومها كنت أشعر بأن ضربة الثائر التي سيقوم بها هو لا الشباب - أغلبهم طلاب في كلية الطب والهندسة في جامعة البصرة - قادمة لا محالة وهذه المرة سوف يكون الانتقام رهيبا وعلى مستوى حادث الاغتيال الإجرامي الرهيب الذي راح ضحيته الشهيد آية الله محمد صادق الصدر ونجلاه·
وعلى الأثر انتشرت قطعان البعث في مدينة حي الحسين وجميع أنحاء المحافظة، وبدأت باعتقالات واسعة للشباب الجامعيين وبالعشرات وغالبيتهم من طلبة الجامعة·
ولم يمض سوى خمسة وعشرين يوما على اغتيال الشهيد محمد صادق الصدر حتى اندلعت انتفاضة مارس الباسلة ليلة 17/18 وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل·
في تلك الليلة المباركة كانت السماء صافية والنجوم منيرة كمصابيح عملاقة مزروعة وسط السماء الزرقاء تنير الطريق للثائرين الأبطال·
فسمعت إطلاق نار كثيف من جهة حي الحسين المقابلة لحي الجمعيات حيث مقر سكني فاستيقظت زوجتي مذعورة من شدة كثافة إطلاق النيران وهي تقول: استرنا يا رب، ما هذا الهول·
قلت لها وأنا أحاول أن أسيطر على انفعالي بهذا القادم الجديد "الزغاريد الثورية" الذي يحمل بشائر الثورة المرتقبة ضد الطاغية صدام حسين وأزلامه·
هؤلاء "الزلم" الشجعان الذين انتفضوا للثأر لنا للعراق العظيم وعيوني أثناء هذا الجواب أخذت تمطر دمعا ممزوجا بالغضب المقدس·
التفتت زوجتي نحوي قائلة باستغراب:
- تقول إن هؤلاء هم "الزلم الشجعان!"
- نعم "الزلم الشجعان" ما وجه الغرابة في هذا؟
أجابت بانفعال واضح·
- وأنت ألست "زلمة من الزلم"؟
أجبت بحزن شديد لقلة حيلتي:
- "الزلم" الآن في الشوارع يسجلون تاريخا جديدا للعراق وشعبه ويضيؤون بتضحياتهم لنا الطريق·· "الزلم" يقاتلون في الشوارع ونحن نائمون في أحضان زوجاتنا يا للعار!؟ سكتت زوجتي على مضض وكأني بها تقول في سرها لماذا تعذب نفسك وتشعر بعقدة الذنب·· إنك قد أصبحت عجوزا ومعوقا لقد أديت واجبك منذ الصغر تجاه بلدك وشعبك ودفعت ثمنا غاليا غربة وتشريدا أو اضطهادا أو سجنا وملاحقة وفقدت كرسي القضاء، وظيفتك··· ارحم نفسك يا رجل لماذا هذا الإحساس الخاطئ بأنك جالس تتفرج على الأحداث؟
وبزغ فجر يوم الخميس المصادف 18/3/1999 خرجنا إلى الشوارع نتقصى الأخبار فعلمت أن الثوار قد احتلوا محافظة البصرة بالكامل حيث امتدت الانتفاضة الباسلة من قضاء إلى الخصيب وحي الحسين ومناطق الجمهورية والكزيزة - خمسة أميال - والقرنة وشط العرب ونواحي وأقبية البصرة كافة·· وباعتراف السلطات العفلقية كانت الانتفاضة جرىئة ومنظمة بشكل دقيق وجريئة ويقف خلفها شباب واع ومثقف لذا فقد تمت تصفية المقرات الحزبية البعثية التي هرب جرذانها من أزلام البعث مذعورين الى جحورهم بعد أن تمت تصفية وقتل العناصر البعثية القيادية، وقد استمرت الانتفاضة حتى تاريخ يوم 21/3/1999·
حتى ذلك اليوم تم استدعاء قوات الحرس الجمهوري القادمة على عجل من بغداد يقودها الجلاد "علي كيمياوي"·
وقد بدأت قوات الحرس الجمهوري منذ يوم 25/3/1999 بعمليات مداهمة المنازل وهدمها وإعدام الثوار بالجملة ودفنهم أحياء في منطقة البرجسية في الزبير وقد نفذ عمليات الإعدام بالثوار الطلبة وجميع المنتفضين كوادر حزب البعث بمجزرة جماعية رهيبة·
وكانت قوافل المعدومين تضم الشباب الجامعيين والأساتذة والعمال والكسبة والفلاحين ومختلف فئات الشعب العراقي، وقد اغتصبت نساء المنتفضين وزوجاتهم وشقيقاتهم بطريقة وحشية، وإن عمليات الإعدام كانت تتم من دون تحقيق أو محاكمة وكانت الأحكام تنفذ بمجرد قول مبني على الاشتباه أو الوشاية·
وقد جاء في المذكرات الملاحظة التالية: إن جميع الإذاعات العربية والخليجية القريبة من موقع الحدث وكذلك الإذاعات العالمية لم تذكر شيئا في نشراتها وتقاريرها المسموعة والمرئية عبر الفضائيات عن هذه الانتفاضة حال وقوعها ولم تذكر شيئا عن المقاومة الباسلة للشعب العراقي، كذلك لم تذكر شيئا عن الإجراءات القمعية التي تم بها سحق الانتفاضة التي قام بها النظام الدكتاتوري·
وجاء في المذكرات أيضا ما يلي "لم ألحظ طوال أيام الانتفاضة وسحقها تحليق الطيران المعتاد للقوات الأمريكية والبريطانية في سماء البصرة" لقد كان تعتيم عام ومقصود لتغييب انتفاضة الشعب العراقي والإجراءات القمعية التي اتخذها النظام الشمولي لحزب البعث ضد المنتفضين، وكان هذا التعتيم مدفوعا ثمنه من قبل النظام البعثي للصحف والمجلات والفضائيات وشخصيات عالمية وعربية كشفت أخيرا جريدة "المدى" عن السكوت لقاء دفع كوبونات النفط الى ملوك ورؤساء دول ومؤسسات دولية كثيرة وشخصيات فنانين وأدباء وسياسيين محترفين كالممثلة "رغدة" ومحمد صبحي ووزير العدل الأمريكي السابق كلوي ورئيسة وزراء إندونيسيا الحالية وغيرهم وكتاب كرئيس اتحاد الأدباء والكتاب العرب·
إن ذكرى انتفاضة مارس في 17/3/1999 الباسلة تفرض علينا تخليدها وذلك باتخاذ الإجراءات التالية:
1 - إقامة نصب تذكاري تخليدا لأولئك الثائرين الشباب الذين ضحوا بحياتهم من أجل تحرير العراق من عبودية النظام العفلقي الشمولي·
2 - إقامة ندوات واجتماعات لشرح مضامين هذه الانتفاضة تساهم فيها كل القوى والأحزاب السياسية لشرح مضامين تلك الانتفاضة باعتبارها نبراسا يضيء الطريق للأجيال المقبلة·
3 - جعل يوم 17/3/1999 عطلة رسمية يحتفل ويحتفى به رحم الله شاعر العراق والأمة العربية الجواهري الكبير حينما قال:
يوم الشهيد تحية وسلام
بك والنضال تؤرخ الأعوام
المجد والخلود لثوار الانتفاضة الأبطال
والخزي والعار للطغاة البعثيين الذين ذهبوا الى غير رجعة الى "مزبلة" التاريخ·
* عضو المنظمة الوطنية للمجتمع المدني وحقوق العراقيين