رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 ربيع الأول 1426هـ - 13 أبريل 2005
العدد 1673

ثورة الديمقراطية تجتاح أوروبا الشرقية ولا حصانة لبوتين

                                                                                  

 

·         دول الاتحاد السوفييتي السابق ظلت تحت حكم الكوادر الشيوعية حتى وقت قريب

·         جيران روسيا ينظرون إليها بخوف أو ازدراء أو بالاثنين معا!

 

بقلم زبغنيو بريجنسكي

(مستشار الأمن القومي لإدارة جيمي كارتر)

 

التغييرات الأخيرة التي حدثت في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان تعكس حقيقتين رئيسيتين في دول منظومة الاتحاد السوفييتي السابق· الأول هي أن التعدية الجيوسياسية التي برزت نتيجة لانهيار الهيمنة الإمبريالية للكرملين أصبحت حقيقة لا يمكن الرجوع عنها بالرغم من جهود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستعادة سيطرة موسكو على الدولة التي استقلت حديثا· والثانية، هي أن جيل الشباب الروسي أصبح يشعر بشكل متزايد، بعدم الرضا بل حتى الاشمئزاز إزاء السلطوية البيرقراطية الفاسدة التي سادت معظم أرجاء المنطقة لردح من الزمن· ويبدو أن المعارضة السياسية الجديدة تستمد قوتها من التباعد الديمغرافي الحقيقي·

وتكشف المظاهرات الاحتجاجية العنيفة ولكن المقموعة حتى الآن، في روسيا البيضاء حيث الدعم الروسي لدكتاتور بدائي وفقدان موسكو لنفوذها في مولدوفيا، عن مدى جهل الرئيس بوتين بالاتجاهات السياسية الجديدة· فالسياسات التي ينتهجها تزيد من عزلة روسيا، لدرجة أن معظم جيرانها اليوم، يشعرون بالخوف منها أو الازدراء لها أو كليهما معا·

 

مدلولات استراتيجية

 

ولهذا السبب قرر الرئيس بوش أن يسبق زيارته المقبلة الى موسكو في شهر مايو المقبل، توقفٌ في كل من لافتيا وجورجيا، إضافة الى زيارة - قبل ذلك - للرئيس الأوكراني المنتخب الى واشنطن· وهذه خطوات لها مدلولاتها الاستراتيجية· فالهدف الرئيسي من زيارة بوش هو المشاركة في احتفالات الذكرى الستين للانتصار على النازية·

وربما كان من الأفضل لو أن الحكومة الروسية استغلت ذكرى الانتصار على هتلر للتنديد بالستالينية وبالهيمنة على أوروبا الوسطى لأكثر من 45 عاما· فحينذاك تكون المناسبة فرصة للمصالحة كما هي للاحتفال· فأوروبا الوسطى والشرقية بحاجة لمثل هذه المصالحة مع روسيا، ويمكن لروسيا أن تحقق مكاسب من وراء ذلك لا تقل عن تلك التي حققتها ألمانيا من المصالحة الألمانية - الفرنسية والألمانية - البولندية·

ولكن مثل هذه الخطوات لا تأتي إلا من ساسة لديهم إيمان عميق بالديمقراطية من أمثال الأوكراني فيكتور يوشنكو والجورجي ميخائيل شاكاشفيلي· ويبدو أنه لا يوجد مثل هؤلاء الزعماء الشجعان في موسكو، ولكن الرئيس بوش سيتحدث الى مثل هؤلاء القادة من الجيل الجديد حتى لو لم يلتق بهم· فالكثير من الشباب الروسي سيراقب وسيتمع ويتساءل لماذا تظل حياتهم رهينة للحنين الى الماضي·

ولا بد أن يكون للأحداث الأخيرة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، تأثيرها الإيجابي على المستقبل· فالنضج السياسي الذي أبداه الأوكرانيون يعكس ثقافة ديمقراطية حقيقية تثير الإعجاب في بلد كان للتو محكوما من قبل زعيم ينتمي الى النخبة السوفييتية البائدة· ولا بد أن يكون لحملة الديمقراطية التي قادها الشباب الأوكراني تأثيرها على نظرائهم الروس·

لقد أصبحت التعددية السياسية الديمقراطية تطوق روسيا من كل الجهات، ولكن لأن هذه الدول الجديدة أضعف من روسيا فإن هذه الأجواء بحد ذاتها، قد لا تمثل تهديدا جديا لروسيا· ومع ذلك، فإن النموذج الذي تقدمه سوف يضغط بالتأكيد باتجاه خروج الشباب الروسي لتحدي التقاليد السلطوية والشوفينية التي لا تزال تحكم عقلية النخبة الحاكمة هناك·

ولن يتأخر ذلك كثيرا لا سيما في ظل التأثيرات التراكمية للاتصالات مع العالم وتأثيرات الديمقراطية في الدول المجاورة والانجذاب الفطري لأوروبا في أذهان الشباب الروسي ومقارنة الوضع فيها مع بقية دول القارة·

 

مصاعب خاصة

 

فالشباب الروسي جيد التعليم، ويزيد عدد الدارسين منهم في الغرب باضطراد· وفي الواقع، سيحل في الكرملين عما قريب، شاب روسي من خريجي الجامعات الغربية، محل خريجي المخابرات السوفييتية "كي· جي· بي"· ومع تسارع حركة التاريخ، لا يمكن للمرء أن يستبعد إمكانية حدوث ذلك بأسرع من المتوقع· فالروس يعرفون الماركسية أفضل من الغربيين، وقد كان كارل ماركس هو الذي قال إن "الوعي يتأخر عن الحقيقة"· وقد كان محقا في ذلك·

وفي أقصى شرق الاتحاد السوفييتي السابق، يواجه التغيير السياسي مصاعب خاصة· فقد ظل يحكم الجمهوريات التي استقلت حديثا في آسيا الوسطى، قادة ارتبطت بشكل مباشر مع النظام السوفييتي السابق· وقد تغيرت مسمياتهم لكن أدوارهم السياسية لم تتغير· وبالإضافة الى ذلك، فإنه في الوقت الذي رحبت القيادات السياسية في تلك البلدان بالاستقلال وعملت على تعزيزه، إلا أنها ظلت وفية للقيم السوفييتية القديمة والعلمانية على الطراز الستاليني المنبثق عن اللادينية، وهو الأمر الذي يقابل بالارتياح في الغرب الذي لــديه الكثير من المخاوف من الأصولية الإسلامية·

ومع ذلك، فإن المشكلة هي أن شعوب هذه الدول هم من المسلمين الذين هم ليسوا أصوليين ولا متشددين بيد أنهم يتمسكون بإيمان عميق· فالهوية الإسلامية هي جزء عضوي من الهوية الوطنية للشباب الذين انفتحت أمامهم حرية التعبير عن أنفسهم بعد عقود من القمع، وزاد من مخاطر تحول هؤلاء الشباب نحو الأصولية، تلك الأساليب القاسية التي انتهجها القادة الذين تلقوا تدريبهم على أيدي النظام السوفييتي السابق· وهذا قد يعطي الحركات الشعبوية في المنطقة صورة مختلفة وأكثر عنفا مما حدث مؤخرا في أجزاء من الاتحاد السوفييتي السابق·

وكلما أسرعت روسيا نفسها في التحول الى الديمقراطية، كان التغيير في المنطقة بأسرها سلميا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة ويعزز التعددية السياسية ويمنح موجة الشباب الثورية صبغة ديمقراطية· ولكن لن يفيد مستقبل الديمقراطية في المنطقة، أن نمنح شهادة الديمقراطية لنظام غير ديمقراطي في موسكو·

كما أنه ليس من المطمئن لجيران روسيا ألا تقوم حكومة بوتين بإدانة ماض إجرامي في نظر الكثيرين في العالم· فالوضوح حيال مثل هذه القضايا يمثل شرطا مسبقا لقيام الديمقراطية·

ومن ناحية أخرى ربما لا تكون متوقعة، فإن الاحتفالات المقبلة بالانتصار على النازية، قد تعمل على تسريع عملية دفن إرث ستالين مرة واحدة والى الأبد·

" عن وول ستريت جورنال "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

اغتيال الحريري قد ينهي حكم عائلة الأسد
 
لا علاقة للتطورات الأخيرة في المنطقة بمبدأ بوش