وفود ومهرجانات وعقول خفيفة!!
نشمي مهنا
كي لا نكون ثقيلي دم، وغير ودودين، وعكري مزاج، وغير مضيافين، وبخلاء لابد أن نبدأ بالقول: أهلا بضيوفنا وأصدقائنا أعضاء الوفود الثقافية العربية الزائرة، وننبّه أن كل ما نكتبه هنا من أسطر لا يمسهم من قريب أو بعيد·
فأصل الحكاية علة في عقول خفيفة وُليت أمر ثقافتنا، استوجبت منّا الاعتراض والمصارحة·
ففي كل مناسبة ثقافية مبجلة، وضخمة، وماسيّة تقام في قاعات فنادقنا ذات الخمسة نجوم، تعود الفكرة تجول في الذهن، وتلح عندما أتملى الوجوه الرسمية المزدحمة والضيوف المؤبدين، ثم تنتفض كلما علا صوت "الهذر" الثقافي، فتقتل في النفس وميضا خافتا جئت به، وعدت - مثل كل مرة - (في كل مرة أقول آخر مرة!) ممتلئا باليأس، أو بالملل الذي يجبرني - طوال الفعالية - على تأمل أشكال المايكروفونات، والكاسات اللامعة والكراسي وقناني الماء المعدني ومفارش الطاولات الأنيقة، أو أتأمل سقف القاعة وزخرفات الديكور لعلي كنت أريد التأكد أن سقف ثقافتنا خالٍ تماما - مثل كل مناسبة - من الأقمار·
أتساءل: لماذا هذا السعي غير المجدي، وغير الموصل إلى اللبّ؟! لماذا علينا أن نختار أبعد الطرق وأكثرها التواء للوصول إلى القليل؟!
الفعل الثقافي الحقيقي مثل أي نشاط آدمي، بالإمكان توقع نتائجه لو أعملنا ربع خلايا المخ، وأرحنا الثلاثة أرباع (لمن اعتادوا دوما العمل بتشغيل الربع فقط لتلفٍ في البقية!)·
أو بإمكان مسؤولينا التحايل أكثر (لتلافي الإحراج!) والعمل بالنظرية المهملة "التجربة والخطأ"!!
كم مناسبة مرت، ومهرجان احتفالي مرّ على أسماعنا بخفة، وصرفت فيه "الألوف المؤلفة" دون عائد ثقافي حقيقي وملموس!!
ملموس؟! قد يعترض أحدهم على "ملموس" كمعنى مستهجن سطحي في شأن لا يقبل هذا التصنيف، بدعوى أن الثقافة عمل تراكمي يُبقي أثره الشفاف في الوعي دون أن يمكّننا من "لمسه" أو عدّه وإحصائه أو انتظار قطف محاصيله الموسمية·
وأعود لأصر: إن لم يكن ملموسا فهو هدر وتبديد للطاقات والأموال أو توصيف يناسب أصحاب المنافع والمصالح الثقافية المتبادلة والسرقات الخفية·
بإمكان مسؤولي مكاتبنا الثقافية "الوطنيين" المنتشرين كالسوّاح في العواصم العربية، ممن لايعرفون من العمل الثقافي إلا تبادل الوفود وترشيح أصدقائهم (أصدقائنا) لزيارة فنادقنا (ونسيانهم في الإقامة الفندقية الجبرية يتجولون بين الغرف وفي بهو الفندق!) أن يبدعوا باقتراح شيء آخر، أو أن يعودوا إلينا، فأهلهم ونحن نشتاقهم·
أليس أجدى أن تخصص ميزانية الوفد الثقافي الزائر (بتكاليف تذاكر السفر وإقامته ومكافأته ومخصصات مرافقيه أو من يفترض أن يرافقه) باقتراح مشروع متبادل بين الطرفين بتحمل تكاليف إصدارات كتب وروايات ومجموعات شعرية لأسماء مختارة حتى يتعرف كل طرف على ثقافة الآخر غير المتاحة؟!
ألا تكفي بعض هذه المصروفات "المهرجانية" لفتح مدرسة في قرية نائية وتعليم أطفالها أبجديات الثقافة الحقة؟!
وإن أرادوا حصر أمر الثقافة بالعناوين القريبة للثقافة فقط، خوف الشطط وامتثالا للبيروقراطية فبإمكانهم إنشاء دور نشر مشتركة، أو مكتبات أو دوريات ومجلات، تتلقفها نفوس هناك وهنا ظامئة للقراءة، ومحتاجة إليها، وبعيدة عنها، كل ذلك بما يعادل ميزانية مهرجان ثقافي باذخ، تدور أنشطته في قاعة مغلقة، لم يترك أثرا أو يضيف ما يدعون "تراكميته" ولو حتى في إصدار يلم أوراقه المبعثرة والمنسية·
يخطر في بالي أننا غير جادين·
يخطر في بالي أنهم يعلمون، إلا أن في ذلك "لقمة عيشهم"!
يخطر في بالي أنهم لا يضحكون ولا يستهزئون، لو ذُكروا بنكتة جحا حينما أشار إلى أذنه الأبعد!
كما يخطر في بالي وأتذكر، كلما دخلت "فندق الثقافة" ورأيت الـ 200 مدعو والثريات المتلألئة في القاعة المستأجرة، وكلما قرأت عن مهرجانات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وسنوية "العربي" ودورات مؤسسة جائزة البابطين ومؤسسة سعاد الصباح (رغم أن الأخيرتين تقعان في خانة القطاع الخاص الذي يجيز الحرية في شأن أموالهما وإن لم يعني التأييد بالضرورة) إلى أننا لسنا بحاجة إلى دليل عبقري، يقودنا إلى الطريق السريعة المعبدة، التي ستوصلنا إلى آلاف أطفال "البدون" المتروكين بلا تعليم يطلق ألسنتهم بتهجية حروف "و ط ن"، وأبناء الأسر المتعففة، والخريجين غير القادرين على مواصلة دراساتهم الجامعية، والمدارس المتهالكة، وغياب الكتاب ودور النشر وغيرها·
نحتاج هذا وأكثر، ونحتاج أيضا إلى ثقافة العربي الشقيق، إلى كتابه لا الاكتفاء بجلسة قهوة معه في فندق ملكي على شاطىء الخليج·
ضيوفنا الأصدقاء، أهلا بكم، وعلى الرحب والسعة·
لوسمحتم، أعيرونا خلال زيارتكم هذه بعضا من كتبكم ومجاميعكم الشعرية، فمسؤولونا في عاصمتكم لا يعرفون أيكم الشاعر أو الصحافي أو الروائى أو ممثل وزارة إعلامكم!·
nashmi22@hotmail.com