رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 صفر 1426هـ - 16 مارس 2005
العدد 1669

مواجهة الإرهاب(6)
نحن كمدنيين ليبراليين جاءتنا الكثير من التهديدات ولم تعبأ الحكومة بها
د. البغدادي: الحكومة قادرة على القضاء على الإرهاب ولكن لديها حسابات خاصة معه

 

 

·         التيار الديني القبلي متفرد ومتوحد في الساحة.. والحكومة بحاجة له

·      الشيخ ناصر المحمد  "بط الجربة" والحكومة والتيار الديني لم يعلقا على حديثه الصريح

·         وزارة الأوقاف واللجنة غير مؤهلين أصلا للحوار مع الإرهابيين لاختلاف المنطلقات

 

أجرى الحوار هادي درويش:

تنشر "الطليعة" سلسلة من اللقاءات مع نخبة من القيادات الفكرية والعلمية لتسليط الضوء على بعض الجوانب الغائبة في تفسير ظهور السلوك الإرهابي ومظاهر الكراهية التي بدأت تنتشر بشكل كبير داخل مجتمعنا، وبعيدا عما تقدمه الأجهزة الرسمية من حلول جزئية ولحظية لتطمين المجتمع بأن ما يحدث ليس بظاهرة، وكذلك بعض الكتل والتجمعات السياسية التي جعلت من انتشار هذه الظاهرة فرصة لتصفية حسابات سياسية أو محاولة لإبعاد التهم عن بعضها·· بعيدا عن كل ذلك نقدم للقارئ هذه اللقاءات التي قد تفتح لنا جميعا آفـاقا جديدة للحل·

في هذه الحلقة، نستضيف الدكتور أحمد البغدادي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت ضيفاً سادساً في سلسلة لقاءات الطليعة حول سـبل مواجهة الإرهاب وفيما يلي نص اللقاء:

 

·     "الطليعة": ما الإرهاب؟ ومن الإرهابي؟

- الإرهاب هو كل فعل عنف لفظي أو مادي "باليد" يشمل إلحاق الأذى بالغير أو بالممتلكات وليس بالضرورة أن يتضمن قنبلة أو سكيناً، فربما يتضمن تسميم مياه أو فك "برغي" في قطار ويؤدي الى قتل مئات أو الآلاف·

أما الذي يقوم بهذا العمل فهو إما نتيجة تصور عقائدي ديني أو غير ديني كأن يكون شيوعيا متطرفا أو قوميا متعصبا كما النازية أو الفاشية التي تعتبر من القومية المتطرفة، فالإرهابي له فكرة تعود الى مرجعية دينية أو مرجعية سياسية أيديولوجية وهو بالنهاية متعصب لها ولا يقبل أي جدل حول كونها غير حقيقية لأنه يعتبرها حقا مطلقا ولا يمكن أن يخطّأ لأنه يرى نفسه دائما على حق·

الإرهاب ليس محددا بمكان أو زمان أو عقيدة معينة، لكنه محدد وفق المرجعية التي يأخذها، فإن كانت مرجعية دينية كما هي الحال عندنا ممن يطلق عليهم إسلاميون أو إرهابيون إسلاميون أو مثل الألوية الحمراء في إيطاليا التي تعتبر عقيدة سياسية أو مثل ما كان يقوم به جورج حبش من خطف للطائرات فهذه قومية متشددة·

الإرهاب هو فعل إيذاء لفظي كالتكفير أو التحريض على القتل أو فعل يدوي يمكن أن يكون بالقتل أو تسميم الآبار أو العنف التقليدي كاستخدام المتفجرات أو قتل الآخرين، فمن يقوم بهذا العمل نتيجة تصميم وإرادة واعية فهو إرهابي·

 

·    "الطليعة": هل من الممكن أن تكون الأحداث الإرهابية الأخيرة هي الوحيدة من فترة ما بعد غزو النظام العراقي الغاشم حتى هذه الفترة؟

- منذ التحرير الى الآن  مرّ نحو 15 عاما صدرت خلالها الكثير من الفتاوى عن علماء في المملكة العربية السعودية تدعو الى قتل أشخاص منهم د· شملان العيسى وعبدالله الرويشد، وكذلك مساجد "الجمعة" وما فيها من تحريض ضد الليبراليين وتكفيرهم، ولكنه تجسد الآن وظهرت صورته بشكل مؤذ جدا عندما أصبح موجها ضد الحكومة ومؤسساتها وخصوصاً رجال الشرطة·

نحن مدنيون ليبراليون جاءنا الكثير من التهديدات ولم تعبأ الحكومة بها، وتم تحطيم الكثير من محلات الفيديو ولم تعبأ الحكومة كذلك، وعثر على الكثير من الأسلحة بدعوى أنها للشيشان والبوسنة ولم تعبأ أيضا الحكومة، وتعرض السيد أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة "السياسة" للاعتداء في جريدته ولم تعبأ الحكومة، لكن الواضح الآن أن هؤلاء ينتمون الى تنظيم واضح على مستوى العالم ألا وهو تنظيم القاعدة، والهدف الذي يسعون إليه هو الوصول الى النظام والسلطة، وهو ما تأثرت به السعودية والكويت ومصر أما بالنسبة الى سورية فقد قضى حافظ الأسد على الإخوان المسلمين لأنهم آذوا النظام، للأسف الشديد إن العنف وصل الى أعلى مراحله وهو التوجه للنظام بعد تكفيره وهي أمور موجودة منها التكفير اللفظي واليدوي خاصة ضد الأفراد والمؤسسات ولكنه تجسد الآن ضد النظام، ومن ثم أصبح ضد المجتمع ككل، هذا الإرهابي أصبح يضع نفسه في مواجهة الدولة بعد أن أعلن بن لادن أن كل نظام سياسي موالٍ للغرب هو نظام كافر، فبالتالي هذا يعتبر التجسيد الأعلى للعنف الإرهابي·

 

·    "الطليعة": كثيرا ما كنت توضح في مقالاتك أن هذا الإرهاب والغلو نشأ من خلال مساعدة حكومية، إذا كانت الحكومة هي من ساعدت على إنشاء الإرهاب من خلال إعطاء الأرضية الخصبة لنشأة الإرهاب، ألا تقدر الحكومة على القضاء عليه؟

- الحكومة قادرة ولكن لديها حسابات، التيار الديني والقبلي متوحد ومتفرد في الساحة، والحكومة بصورة أو بأخرى بحاجة إليه في مجلس الأمة والمجتمع، ولأن الحكومة الكويتية حكومة استبدادية كأي حكومة عربية أو إسلامية فهي بحاجة لمن يقف معها، وبالتالي من يقف معها هو التيار القبلي الديني فهي تسكت عن أخطائه ولذلك غالبا ما ترى تصريحات الحكومة بأن هؤلاء فئة ضالة ومغرر بها ولا يعطون الإرهاب حجمه الحقيقي، يأتي وزير العدل ليقول بأن الجنس الثالث أكثر من الإرهابيين، وترى الحكومة قدر المستطاع أن تحد من هذه العملية حتى تضمن سلامة الآخرين وكذلك تحالفاتها·

 عندما جاء الشيخ ناصر المحمد "رئيس الديوان الأميري" الذي "بط الجربة" ولكن يلاحظ أن هناك تجاهلاً تاماً على المستوى الرسمي لحديثه وتجد أن الحكومة وكأنها لم تسمع أو تقرأ عن تصريحاته الأخيرة، ما عدا بعض الصحف التي أشارت إليه كـ"الطليعة" و"السياسة" و"القبس" مع العلم أنه كشخص بهذا المنصب والموقع السياسي ويتكلم من منطلق المعلومات الموجودة لديه باعتباره أحد صناع القرار كونه رئيس الديوان الأميري الذي يعتبر من الأسرة الحاكمة ومقربا من صناع القرار في الأسرة الحاكمة، فحتما هو لا يطلق التهم جزافا أو يتحدث من فراغ وإنما مما يعلمه من أرض الواقع، والتيار الديني لم يعلق على تصريحاته وبالخصوص كتاب هذا التيار·

 أنا أعتقد أن الحكومة من حقها أن تعمل تحالفات والخطأ ألا تقدر قيمة التحالفات إن كانت النتيجة سلبية أم إيجابية، وكل حكومة يمكن أن تتحالف مع أحزاب أو جماعات ولكن أن يصل الأمر الى أن تتهاون في خطر كالإرهاب لكي يقف التيار الديني معها، فإن الحكومة ستكون الخاسر النهائي من هذا التحالف·

 

·     "الطليعة": الحكومة سلمت اللجنة الخاصة بمحاربة الإرهاب ما يقارب 5,5 مليون دينار لحل قضية الإرهاب، ما تعليقك؟

- الحكومة لديها القناعة حالها كحال كل الحكومات العربية باستثناء مصر التي تعلمت الدرس، بأن من يحاور الإرهابي الذي هو صاحب المرجعية الدينية يجب أن يخاطبه واحد أيضا يملك مرجعية دينية، ومن المعروف في الدين أنه من السهل أن تؤول الآية نفسها بأكثر من وجه، فبالتالي تعتقد الحكومة بأن الإرهاب سوف يسمح لهؤلاء الذين ينتمون لوزارة الأوقاف دون أن يعوا أن هذا الإرهابي يكفر حتى وزارة الأوقاف وحتى النظام كله، مصر عندها تجربة رائدة في الحوار وأخيرا فشلت واعتمدت على الجانب الأمني، هي كسرت ظهر التيارات الدينية بالجانب الأمني وجعلتهم يطلقون دعواهم للسلم الاجتماعي من خلال السجون، مصر أقالت ثلاثة وزراء داخلية لأنهم لجؤوا للأزهر محاولين التخاطب مع الطرف الآخر "الإرهابي" وفشلوا في الحوار·

الأمر الآخر أن وزارة الأوقاف سواء ممثلة بوزيرها أو الأشخاص الذين تم اختيارهم في اللجنة غير مؤهلين أصلا للحوار مع الإرهابيين لاختلاف المنطلقات، وزير الأوقاف ومن معه هم في جانب الحكومة وهؤلاء الإرهابيون يكفرون الحكومة وبالتالي مهما يقل هؤلاء "وزارة الأوقاف واللجنة" في الدين فلا يؤخذ بكلامهم كثقة لأنه ينطلق من مصلحة وموالاة للحكومة وهذا لا يمكن أن يقبله الطرف الآخر ألا وهو الإرهابي، ولذلك الحوار ليس له معنى ولكن الحكومات تعتقد أنها ستصل الى نتيجة والحقيقة أنه "كلام فاضي" والدليل أن هذه اللجنة لم تقم بشيء حتى الآن·

 

·    "الطليعة": دائما ما كنت تقول بأن جزءاً من العملية الإرهابية سببها المناهج، حدثنا عن وجهة نظرك؟

- أنا ذكرته في أكثر من مقالة من منطلق تدريسي لابني بأن الدعاء على الكافر والذي لا يدفع الزكاة فهو مرتد ويجب أن تطبق عليه عقوبة الردة، والتركيز على آيات الجهاد وعلى آيات القتال وتشرح بعض الآيات وبالخصوص "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" هم النصارى واليهود، كل هذا جزء موجود في المناهج فلا يوجد شك بأنك تغذي عقلية الشباب وخاصة من المعاهد الدينية في هذه الأمور، فإذا ما أضيف إليه بأن نوعية المدرسين سيئة ممن ينقلون المعلومة والوزارة لا تراقب فهذا وضع سيئ فإذا ما أضيف إليه من جانب آخر أن يحرموا الموسيقى والوزارة لا تتحرك وهناك مدارس ترفض موسيقى النشيد الوطني، كل هذا يؤدي الى ماذا؟ إذا لم يكن يؤدي الى عمليات إرهابية فإنه سيؤدي الى تشدد ديني، ثم تتلقفه المساجد التي يخطب بها متشددون دينيون آخرون فتكون النتيجة أن لدينا شبابا يقاتل في الفلوجة وعندنا تكفير للنظام الذي يوالي الولايات المتحدة الأمريكية، المناهج تتحمل جزءا من هذه المشكلة وكذلك المساجد تتحمل وإهمال الأسرة·

لو كانت المناهج مدنية صرفة، ولا تطرح القضايا الخلافية في مسألة الردة والجهاد وغيرها وتركز فقط على الأخلاق فمن الممكن أن نتلافى هذه المشكلة·

 

·    "الطليعة": ما حلولك للقضاء على الإرهاب، على الأقل على مستوى دولة الكويت؟

- كل المشاكل في أي دولة لا تحل إلا بالتعليم أولا وثانيا وثالثا وثم تأتي بعد ذلك للإعلام، ولكن التعليم هو الأساس، لأن التعليم هو أساس النشء أنا لدي طفل في المرحلة المتوسطة يقول له منهج التربية الدينية بأنه يجوز الدعاء على الكافرين والظالمين، ويقولون له من لا يدفع الزكاة المعترف بها فهو كافر وجاحد وخارج من ملة الإسلام ومرتد وغيرها، هذا الطفل يتلقى هذه المعلومات ماذا سينتج عنه؟ أنا لا أذكر في جيلنا درسنا هذه الأمور في المدارس، ولذلك يجب على من يضع منهج التربية الإسلامية والذي يدرس هذه المادة يجب عليه ألا يكون من كلية الشريعة، يجب أن يكون خريج التربية على ألا ينتمي لإحدى الجماعات الدينية بل يجب أن يكون مدنيا، وإغلاق كلية الشريعة والمعاهد الدينية لأنها بلا فائدة ولا تقدم معرفة وتستهلك من الميزانية الكثير، ولا فائدة منها طالما أنه بالنهاية يتم استيراد الخطباء والأئمة من خارج الكويت·

إن كنت تريد أن تتعلم يجب أن تنشئ عند الطفل المواطنة والبعد عن القبلية والمذهبية والتعصب الديني، هذا النوع من المناهج لا يمكن أن يضعه شخص لديه تعصب ديني، بل يجب أن ينتمي للفكر المدني كما كنا ندرس نحن في السابق، لكن للأسف لا يوجد عندنا في كلية الشريعة ورجال الدين الكويتيون متأثرون بالمذهب الوهابي في السعودية وهذه نكبة وبالتالي لا بد من تغيير المناهج، الحل الأول والأخير هو في تغيير المناهج·

 

* * *

 

حقوق المرأة والمناهج

 

وعلى هامش اللقاء قال الدكتور أحمد البغدادي "للأسف الشديد أن الليبراليين خصوصا النواب الليبراليين ممن يملكون الاستقلال الفكري يتهيبون مواجهة التيار الديني، يعني هل من المعقول أن من يقف ضد حقوق المرأة الذي هو د· وليد الطبطبائي هو رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الأمة؟ وحصل عليها تكليفا!! ولم يقم أحد بترشيح نفسه من المستقلين والليبراليين!! أليس هذا عيبا؟

الأمر الآخر هو أن على الليبراليين ألا يداهنوا الحكومة لأن "واحدا من ربعهم" سوف يكون وزيرا!! هذا وضع غير صحيح، جميعنا يعلم بأن الحكومة مخطئة ويجب مواجهتها، لكن أن نترك كل هذا لأن واحدا من "جماعتنا" سوف يكون وزيرا هذا وضع خاطئ أو أن الحكومة تسمع لنا، حتى أن الوفود التي تذهب الى سمو رئيس مجلس الوزراء أسلوب غير صحيح، حتى المرأة عندما ذهبت له للمطالبة بحقوقها أيضا أسلوب غير صحيح، ما يجب على الإنسان أن يستجدي حقه بل يجب أن يأخذ حقه·

بالنسبة الى النظام التعليمي إذا لم تكن الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان جزءا من النظام التعليمي فلا فائدة من أي شيء آخر، نحن لدينا شعب %99 منه لم يقرأ الدستور الكويتي!! وأنا أتحدث عن الذين يدرسون في الثانوية والجامعة، وأتمنى وإن كانت لدي قناعة تامة بأنها لن تحدث ما دام أن الليبراليين يركضون وراء الحكومة، وكل هدفهم أن يعينوا وزيرا دون النظر الى المبادئ الدستورية التي للأسف الشديد تهان ولا تطبق"·

طباعة  

خلال ندوة "حقوق المرأة الآن" في ديوان النيباري
حقوق المرأة مسلوبة والحكومة قادرة على إنصافها