
· إسرائيل تحرص على توريط كل يهود العالم بممارساتها الإجرامية ضد الفلسطينيين
· توسيع نطاق معاداة السامية يُفرغ هذا المصطلح من مضمونه
· معظم رؤساء حكومات إسرائيل تورطوا في ارتكاب مجازر ضد العرب
· لوبان يجاهر بخططه لإقامة معسكرات تجميع للعرب ولا أحد يتهمه بمعاداة السامية
· لماذا تحظى كتابة شعارات معادية على كنيس يهودي بالاهتمام أكثر من قتل المئات من المدنيين الفلسطينيين؟
· مشاعر العداء لليهود ولدت في الشرق الأوسط مع بدء المشروع الاستيطاني في فلسطين
· لماذا لا يتم تجريم المشاعر المناهضة للفرنسيين أو الأمريكيين مثلما هو الحال مع اليهود؟
بقلم: مايكل نيومن (بروفيسور الفلسفة في جامعة ترينت الكندية)
كان رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد محقا حين تساءل عن السبب في تجريم معاداة السامية وغض النظر عن معاداة مجموعات أثنية ودينية أخرى في العالم كالهنود أو المسلمين أو الأرمن أو الأفارقة·
ولم تمض سوى أشهر عدة حتى جاء الجواب ومن الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي وقف أمام تجمع انتخابي في فلوريدا حيث تعيش ثاني أكبر جالية يهودية في الولايات المتحدة بعد نيويورك، وقبل أسبوع واحد من انتخابات الرئاسة، ليعلن قراره الخاص بمكافحة معاداة السامية في العالم·
هذا الموقف للرئيس بوش لخص باختصار مواقف الساسة الغربيين بشكل عام، والأمريكيين بشكل خاص من هذا الموضوع واستغلاله لأسباب سياسية ولتحقيق مصالح ذاتية منه·
لقد ظلت أجهزة الدعاية الصهيونية وبمؤازرة آلة الإعلام الأمريكية الضخمة، وعلى مدى عقود طويلة تستخدم تهمة معاداة السامية وسيلة للابتزاز وسيفا مسلطا على رقبة كل من يجرؤ على انتقاد السياسات أو الممارسات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني·
فماذا يعني مصطلح "معاداة السامية"؟ ومن أين نشأ؟ ولماذا؟ وهل هناك كراهية لليهود لأنهم يهود اليوم؟ وهل هناك خطر من تنامي مشاعر معاداة اليهود اليوم وتحولها الى أعمال عنف ضد اليهود كما حدث في أوروبا في الأربعينات من القرن الماضي؟ وماذا يقول المثقفون على طرفي الصراع العربي - الإسرائيلي عن هذا المصطلح؟
لقد ارتأت "الطليعة" إلقاء الضوء وعلى مدى ثلاث حلقات، ابتداء من اليوم، على هذه المسألة من خلال ثلاثة كتّاب هم اليهودي مايكل نيومن والأمريكي بريان كلوغ والفلسطيني إدوارد سعيد·
يأخذ أحد الكتاب اليساريين اليهود بين الحين والآخر نفسا عميقا، ويفتح قلبه الكبير ليقول لنا بأن انتقاد إسرائيل أو الصهيونية لا يعد معاداة للسامية· ثم يهنئون أنفسهم بصمت على شجاعتهم ويكتبون بتنهد خفيف أي وخز مقلق حيال عدم ائتمان غير اليهود - ناهيك عن العرب - على مثل هذه المعرفة الخطيرة·
أحيانا يسارع البعض من غير اليهود ممن تطمح أنظمتهم إن لم تكن هوياتهم الى اليهودية الى تذكيرنا بوجوب أخذ معاداة السامية مع كل هذا على محمل الجد· من يعلم إذا ما كان شن إسرائيل، مدعومة من قبل أغلبية كبيرة من اليهود، حربا عرقية ضد الفلسطينيين هو سبب كاف لتحفز دفاعاتنا؟ من يدري فقد يثير هذا بعض الامتعاض·
لكن لي وجهة نظر مختلفة، فأنا أعتقد بوجوب عدم أخذ موضوع معاداة السامية بشكل جدي· على الإطلاق بل يمكننا أخذه على سبيل الهزل، وأعتقد أنها عبارة ليست ذات أهمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ربما إلا لتحويل الانتباه عن القضايا الحقيقية· وسوف أحاول برهنة حقيقة هذه الادعاءات كما سأدافع عن ملاءمتها·
لا تعني "معاداة السامية"، بكلام ملائم ومحدد، كراهية الساميين، فهذا خلط لأصل الكلمة وتاريخها مع التعريف· إنها تعني كراهية اليهود· لكننا هنا، وفورا، نصطدم بلعبة قذائف الهوية اليهودية الموقرة· "انظروا! نحن نشكل دينا، لا! عرقا! لا! كيانا ثقافيا! نأسف··· دينا!" وعندما نمل من هذه اللعبة يغروننا بلعبة أخرى: "معاداة الصهيونية هي معاداة السامية!" والتي تستبدل سريعا بـ "لا تخلطوا الصهيونية باليهودية! كيف تجرؤون، أيها المعادون للسامية؟!"·
حسنا، لنتمتع بروح رياضية ولنحاول إيجاد تعريف واسع لمعاداة السامية كما يرغب أي مؤيد لإسرائيل: يمكن لمعاداة السامية أن تكون كراهية سلالة اليهود أو ثقافتهم أو دينهم أو كراهية الصهيونية· كراهية أو عدم محبة أو معارضة أو جفاء بسيط·
لكن لن يجد مؤيدو إسرائيل هذه اللعبة ممتعة كما كانوا يتوقعون· فتضخيم معنى "معاداة السامية" ليشمل كل شيء قد يلحق الضرر بإسرائيل سياسيا إنما هو سلاح ذو حدين· قد يفيد إصابة أعدائك لكن المشكلة تكمن في التعريف المضخم، فكل تضخم يبخس الرواج· فكلما زاد عدد الأشياء التي تعتبر معادية للسامية، قلت بشاعة لفظ معاداة السامية· ويحدث هذا بسبب عدم مقدرتك على التحكم بالحقائق في الحين الذي لا يمكن لأحد أن يمنعك من تضخيم التعريفات· وتحديدا، لن يستطيع أي تعريف لمعاداة السامية استئصال الحقائق المتينة المؤيدة لفلسطين والتي أناصرها كما يفعل معظم الناس في أوروبا وعدد كبير من الإسرائيليين وعدد متزايد في أمريكا الشمالية·
تلاعب بالمصطلحات
وما الذي يشكله ذلك من فرق؟ افترض على سبيل المثال، أن يقول إسرائيلي يميني بأن المستوطنات تمثل السعي وراء طموحات أساسية للشعب اليهودي وأن معارضة الاستيطان تعد معاداة للسامية· قد نضطر لقبول هذا الادعاء، فهو بالتأكيد صعب الدحض· لكننا لا نستطيع التخلي عن الاعتقاد الراسخ بخنق المستوطنات للشعب الفلسطيني وتدميرها أي أمل للسلام·
وعليه تذهب بهلوانات المتلاعبين بالمصطلحات سدى: ويمكننا فقط القول بأننا لا نهتم بالطموحات الأساسية للشعب اليهودي، فتشييد المستوطنات أمر خاطئ ولا بد أن نضيف، بما أننا مجبرون على معارضة بناء المستوطنات، فإننا مجبرون على أن نكون معادين للسامية فمن خلال تضخم التعريف، أصبح من الملزم أخلاقيا أن نعتنق شكلا من أشكال "معاداة السامية"·
ويزداد الأمر سوءا إذا ما صنفت معاداة الصهيونية بأنها معاداة للسامية، فبسبب المستوطنات، حتى لو لم تمثل طموحات أساسية للشعب اليهودي فهي امتداد ظاهر للصهيونية، ومعارضتها فعلا تجعلك معاد للصهيونية، وعليه، تكون أيضا معاديا للسامية، فكلما اتسعت معاداة السامية لتشمل معارضة السياسات الإسرائيلية، كلما بدت أفضل· آخذين بعين الاعتبار الجرائم الملقاة على عاتق الصهيونية وثمة قياس منطقي بسيط آخر: إن معاداة الصهيونية التزام أخلاقي وعليه فإن كانت معاداة الصهيونية تعد معاداة للسامية، فإن معاداة السامية أيضا التزام أخلاقي·
أي جرائم؟ معظم المدافعين عن إسرائيل توقفوا عن إنكار ارتكابها للجرائم ويلمحون فقط الى أن الإشارة إليها فيها القليل من معاداة السامية ففي النهاية، ليست إسرائيل بأسوأ من سواها، أولا، ما معنى هذا؟ فحين كنا في عمر الست سنوات عرفنا بأن عبارة "الكل يقوم بهذا" ليست عذرا أم أننا نسينا؟ وثانيا لا تصبح أفضل عندما تفصل عن الهدف منها، نعم، لقد قتل الآخرون مدنيين، وراقبوهم يموتون وهم محتاجين للعناية الطبية ودمروا منازلهم وأتلفوا محاصيلهم واستخدموهم كدروع بشرية، لكن إسرائيل تقوم بهذا لتصحح عدم الدقة في تأكيد الكاتب الصهيوني إسرائيل زانجويل عام 1901 على أن "فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض"· وتأمل في خلق أرض خالية تماما من غير اليهود، هجر منها العرب حيث يلعب ويضحك فيها أطفال اليهود على أرض قاحلة تسمى "السلام"·
لقد سافر الصهاينة آلاف الأميال قبل عهد هتلر بوقت طويل لطرد شعب لم يسبب لهم أقل أذى واستمروا برسم الخطط لتجاهل حتى مجرد وجوده، لكن فظائع الصهيونية لم تكن جزءا من الخطة الأولية· فقد ظهرت عندما تحولت الغفلة العنصرية لشعب تم اضطهاده الى فكر قائم على التفوق العنصري لشعب مضطهد· ولهذا نجد أن القادة الذين وجهوا عمليات الاغتصاب والتشويه وقتل الأطفال في دير ياسين قد اعتلوا منصب رئاسة الوزراء في إسرائيل· لكن جرائم القتل هذه لم تكن كافية، فحاليا، في الوقت الذي يتاح لإسرائيل فيه أن تنعم بالسلام، فإنها تدير جولة أخرى من التشريد، ببطء، متعمدة جعل فلسطين مكانا غير قابلا لعيش الفلسطينيين بل ملائما لعيش اليهود فقط، ولا تستهدف بهذا الدفاع عن نفسها أو ضبط النظام العام بل تسعى الى اندثار شعب آخر، صحيح إن إسرائيل تمتلك ما يكفي من القدرات العسكرية لمحوهم بمستوى أمريكي بدلا عن المستوى الذي انتهجه هتلر في العنف، فهذه إبادة جماعية ألطف وأهدأ وتصور مقترفيها على أنهم ضحايا·
دولة عنصرية
إسرائيل دولة عنصرية، لا دينية، ولطالما كنت ذا فكر غير ديني كوالدي، وتمنحني بيولوجية ولادتي حق المواطنة الإسرائيلية، في حين لربما، تكون أنت أشد حماسا لليهودية لكنك لن تتمتع بحق المواطنة، ويتم ضغط وقتل الفلسطينيين من أجلي لا من أجلك ويتم إجبارهم على الرحيل الى الأردن، لكن لا، فقتل المدنيين الفلسطينيين لا يشبه قتل المدنيين الفيتناميين أو الشيشان، فالفلسطينيون ليسوا "دمارا جانبيا" في حرب ضد قوات شيوعية أو انفصالية مجهزة تجهيزا جيدا بل يتعرضون للقتل لاعتقاد إسرائيل بوجوب اختفاء كل الفلسطينيين أو موتهم ليتمكن أناس كان أحد أجدادهم من اليهود، من بناء قسائم على حطام بيوتهم، وهذا ليس بخطأ دموي لقوة عظمى متخبطة بل شر ظاهر، في الاستراتيجية المتعمدة لدولة تعتقد وتلتزم بقومية عرقية متزايدة القسوة، حصدت القليل من القتلى نسبيا حتى الآن، لكن أسلحتها النووية قادرة على قتل نحو 25 مليون إنسان في ساعات قليلة·
هل نريد القول إن إتهام، ليس الإسرائيليين فحسب، بل حتى اليهود عموما بالاشتراك في هذه الجرائم ضد الإنسانية هو معاداة للسامية؟ مرة ثانية، لربما لا، لأن ثمة حالة منطقية لمثل هذه التأكيدات، ولنقارن، على سبيل المثال، ذلك بالمزاعم بأن عامة الألمان كانوا شركاء في الجرائم النازية، وهذا أبدا لم يعن أن كل الألمان حتى آخر رجل منهم أو امرأة وطفل كانوا مذنبين، بل يعني أن معظمهم كانوا كذلك، وذنبهم، بالطبع، لم يكن دفع السجناء العراة الى داخل حجرات الغاز، بل تمثل في دعم أولئك الذين خططوا لمثل تلك الممارسات - أو كما تخبرنا الأدبيات اليهودية المنمقة الكثيرة - ذنبهم هو في عدم إنكار الرعب المنتشر حولهم وعدم تجرئهم على إنكاره قولا ومقاومته وفي الموافقة الجماعية الصامتة، ولا بد من ملاحظة ألا يفترض أن يشكل الخوف من خطر ما عذرا لعدم القيام بمقاومة نشطة لمثل هذه الجرائم·
حسنا، ففي الواقع لن يعاني أي يهودي من أي خطر إذا ما أراد التكلم ضد ما يحدث إذ إن المعارضة الكلامية هي الشكل الوحيد المطلوب للمقاومة، فإن تكلم الكثير من اليهود، سيكون لكلامهم وقع عظيم، لكن الأغلبية العظمى منهم صامتة، وفي معظم الحالات، يكون السبب هو تأييدهم لإسرائيل، ولربما لا بد الآن من التخلص من فكرة المسؤولية المشتركة برمتها، لربما يستطيع شخص ذكي إقناعنا بهذا، لكن في الوقت الحالي، تبدو الحالة اليهودية في تواطئها مع الجريمة أقوى بكثير من الحالة الألمانية، وعليه فإن لم تكن عنصرية، فإن من المنطق أن نقول إن الألمان كانوا شركاء في جرائم ضد الإنسانية، إذا فليس من العنصرية ومنطقي أن نقول الشيء ذاته عن اليهود، وإذا ما تم إهمال فكرة المسؤولية المشتركة، سيظل من المنطقي القول بأن الكثير، ولربما معظم الراشدين اليهود يؤيدون دولة ترتكب جرائم حرب، لأن هذا فعلا صحيح، وعليه فإن كان قول مثل هذا الكلام يعتبر معاداة للسامية، إذن فإنه لأمر منطقي أن يكون المرء كذلك·
وبعبارة أخرى فهنالك خيار آخر، أما أن تستخدم مصطلح "معاداة السامية" ليناسب أجندتك السياسية، أو أن تستخدمه كمصطلح إدانة، لكنك لا تستطيع اختيار الأمرين معا· ولأن معاداة السامية تظهر في كل مرة منطقية وأخلاقية، فلا بد من تضييق تعريفها بعيدا عن الجدلية، وسيكون من السليم تحديد معاداة السامية بالكراهية العرقية المعلنة لليهود، ومهاجمة أناس لأنهم ببساطة ولدوا يهودا، لكن هذه السلامة ستكون غير ذات فائدة: فحتى النازيين لم يدعوا كراهية الناس لأنهم ببساطة من اليهود، بل زعموا كراهية اليهود لأنهم أرادوا السيطرة على العرق الآري·
ومن الواضح أن مثل هذه الرؤية لا بد أن تعتبر معاداة للسامية، سواء كانت للعنصري المتشائم الذي اخترعها أو للحمقى الذين استساغوها، ثمة طريقة واحدة لضمان أن يشتمل مصطلح "معاداة السامية" على جميع الممارسات والمواقف السيئة تجاه اليهود فقط، لا بد لنا من البدء بالاتفاق على كل ما يقع تحت هذه المصنفات والتأكد من أن المصطلح يشير الى كل تلك الممارسات فقط، ولعل لدينا من الالتزام الأخلاقي ما يكفي للقيام بهذا·
جريمة عنصرية
فمثلا، لدينا جميعا ما يكفي من الأخلاقيات للقول بأن جميع الممارسات والأحقاد ذات الأساس العرقي تعتبر شرا، ولذا فمن السليم اعتبارها من معاداة السامية، لكن ليست كل "العداوات ضد اليهود"، حتى لو كان هذا يعني العداء تجاه الأغلبية العظمى من اليهود، معاداة للسامية وكذلك الحال بالنسبة إلى كل عداء تجاه الديانة اليهودية أو الثقافة اليهودية·
فأنا على سبيل المثال، نشأت على الثقافة اليهودية وكسائر الناشئين في بيئة معينة انتهت بي الحال لكراهيتها، لكن من غير الحكمة اعتبار كراهيتي عداء للسامية، ليس فقط لأني يهودي، بل لأنها كراهية غير مؤذية، ربما غير مؤذية بكل ما في الكلمة من معنى، فهي بشكل ما تشجع بعض الممارسات أو المواقف المؤذية التي نريد وصفها بالمعادية للسامية، وما الفرق؟ فقد يكون للمشاعر العنصرية المبالغ فيها والتي تعتبر كل اليهود قديسين ظرفاء حنونين ونابغين، الأثر ذاته، وقد تكون المخاطر الناتجة بسبب كراهيتي أقل بكثير لتؤخذ بعين الاعتبار، حتى أن الاشمئزاز العام من بيئة معينة يكون آمنا في الغالب، فالثقافة الفرنسية تبدو مكروهة في شمال أمريكا ولا يعتبر أحد، بما في ذلك الفرنسيين، هذه الممارسة نوعا من الجريمة العنصرية·
ولا يمكن حتى اعتبار كل الممارسات والمواقف المؤذية لليهود، معاداة للسامية، فالكثير من الناس يكرهون الثقافة الأمريكية، وبعضهم يقاطعون البضائع الأمريكية، كل من الموقف والممارسة يمكن أن يؤذي الأمريكيين بشكل عام، لكن لا يوجد ما يوجب الاعتراض الأخلاقي على أي منهما، وتعريف هذه الممارسات بالمعادية لأمريكا سيعني فقط أن شكلا من معاداة أمريكا مقبول جدا، وإذا ما سمينا معارضة السياسات الإسرائيلية بالمعادية للسامية على أساس أن هذه المعارضة تؤذي اليهود عامة، فإن هذا سيعني فقط أن شكلا من معاداة السامية مقبول أيضا بالدرجة نفسه·
فإذا ما كان لمصطلح معاداة السامية أن يكون مصطلح إدانة، يجب حينها أن يطبق على الممارسات والأفكار والمشاعر الأبعد من العصنرية، لكن لا يمكن تطبيقه على ما هو أبعد من العداء الجدي وغير المبرر لليهود· لقد ابتكر النازيون تخيلات تاريخية لتبرير جرائمهم، وكذلك المعاصرون من معادي السامية الذين يثقون بوجود بروتوكولات حكماء صهيون وكذلك يفعل العنصريون المنغلقون ممن يتذمرون حيال سيطرة اليهود على الاقتصاد، وهذه هي معاداة للسامية بالمعنى السلبي والمحدد للكلمة، إنها أفعال أو دعاية منظمة لإيذاء اليهود ليس بسبب شيء يمكنهم تجنب فعله بل لأنهم على شاكلتهم تلك، وينطبق ذلك على المواقف التي تحاول الدعاية طبعها في الأذهان، وعلى الرغم من عدم كونها عنصرية على الدوام فإنها تنطوي على محفزات للعنصرية والنية لإحداث ضرر حقيقي، لكن المعارضة المبنية على أسس معقولة لليهود لا تقع تحت هذا الوصف، ولا حتى الكره المسالم لما هو يهودي·
لقد اقترحت أنه من الأفضل تضييق تعريف معاداة السامية حتى لا يصبح أي فعل معاديا للسامية وغير معترض عليه في الوقت نفسه، لكن من الممكن أن نذهب الى أبعد من هذا، بما أننا الآن قد انتهينا من اللعب·
فلنسأل عن دور معاداة السامية الحقيقية والسيئة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي العالم ككل·
مما لا شك فيه وجود معاداة متأصلة للسامية في العالم العربي مثل توزيع بروتوكولات حكماء صهيون والخرافات حول سرقة دم أطفال غير اليهود، هذا غير مقبول بتاتا، بعبارة أخرى إن أخبارك أن تقبلك كون معاداة السامية شرا، وإنه بقبولك غير هذا تضع نفسك خارج عالمنا الأخلاقي هو شيء، لكن أن يقوم شخص بإجبارك على التصريح بأن معاداة السامية هي شر الشرور كلها، هو شيء آخر تماما، نحن لسنا أطفالا نتعلم الأخلاق، إنها مسؤوليتنا نحن أن نحدد أولوياتنا الأخلاقية، ولا يمكننا القيام بهذا وأعيننا معلقة بالمناظر المرعبة في العام 1945 أو الاستماع الى نداءات المكروبين من الكتاب المعذبين، لا بد لنا من أن نسأل عن مدى الضرر الذي تحدثه أو من الممكن أن تحدثه معاداة السامية ليس في الماضي بل اليوم، ويجب أن نسأل أين يمكن لهذا الضرر أن يحدث ولماذا؟
نتيجة وليست سببا
ولنفرض أن ثمة خطرا كبيرا من معاداة السامية في العالم العربي، لكن معاداة العرب للسامية ليست سببا لكره العرب لإسرائيل أو حتى اليهود إنها نتيجة، أن تطور معاداة العرب للسامية يناسب تماما تجاوزات الفظائع اليهودية، وهذا ليس عذرا لهذه المعاداة بل للتقليل من شأنها، لقد جاءت معاداة السامية للشرق الأوسط مع الصهيونية وسوف تزول حين لا تعود الصهيونية لتشكل خطرا توسعيا، وفي الواقع فإن سببها الرئيسي ليس الدعاية المعادية للسامية بل لجهود إسرائيل المنظمة والدؤوبة منذ عقود من الزمن لتوريط كل اليهود في جرائمها، وإذا ما استمرت المعاداة العربية للسامية بعد إبرام اتفاق سلام، يمكننا جميعا أن نلتقي ونتذمر منها، لكن حتى عندها لن تسبب لليهود أي أذى حقيقي، وستخسر الحكومات العربية فقط عند سماحها بمهاجمة مواطنيها من اليهود، لأن مثل هذا التصرف سوف يستدعي تدخلا إسرائيليا، ولا توجد أسباب كافية لتحقيق مثل هذا الاحتمال، فإذا لم تستفزهم كل الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل مؤخرا، فمن الصعب تخيل ما بمقدوره استفزازهم، قد يتطلب الأمر عملا إسرائيليا بشعا وإجراميا لدرجة يطغى فيها على مثل هذه الهجمات·
إذا كان ثمة آثار فظيعة لمعاداة السامية، فمن المرجح حدوثها بصورة أكبر في أوروبا الغربية، فانبعاث الفاشيين الجدد فيها حقيقي بالفعل، لكن هل تشكل خطرا على اليهود؟ مما لا شك فيه أن الزعيم الفرنسي اليميني جان لوبان - مثلا - معاد للسامية، لكن لا يوجد أي دليل أيضا بنيته على القيام بعمل بدافع موقفه هذا، بل على العكس فهو يقوم بكل ما يمكنه لتهدئة اليهود، وربما يجند مساعداتهم ضد من يستهدفهم حقيقة، أي العرب، ولربما لن يكون أول شخصية سياسية يجعل من نفسه حليفا مع أناس لم يحبهم لكن إذا كان يخبئ خطة سرية جدا ضد اليهود "قد" يكون ذلك أمرا غير اعتيادي، فإن هتلر والمتحمسين من الروس المعادين للسامية كانوا صرحاء جدا حيال نواياهم ولم يتوددوا للدعم اليهودي، وهناك حقيقة أن بعض يهود فرنسا يرى أن لوبان يمثل تطورا إيجابيا بل إن البعض يرى فيه حليفا·
بالطبع هناك أسباب تاريخية لخشية حدوث هجوم مروع على اليهود، وكل شيء ممكن، قد تحدث مذبحة لليهود أو للجزائريين في باريس غدا، أيهما أكثر احتمالا للحدوث؟ إن كان لنا أن نأخذ دروسا من التاريخ فلا بد أن تطبق في ظروف مشابهة، فأوروبا اليوم لا تشبه أوروبا عام 1933، وهناك احتمالات إيجابية أيضا: فلا ترجح احتمالية حصول مذبحة منظمة على احتمالية أن تخبو معاداة السامية الى شر غير فعال؟ إن أي مخاوف حقيقية لا بد أن تستند الى أدلة ما على وجود خطر حقيقي·
إن حصول هجمات معادية للسامية قد يوفر الدليل، لكن مثل هذا الدليل يلفق دوما: إذ لا يتم التفرقة بين الهجمات على النصب والرموز اليهودية مقارنة بالهجمات الفعلية على اليهود، بالإضافة الى تضخيم حجم الزيادة في عدد الهجمات لدرجة يغيب فيها المستوى الأدنى المطلق للهجمات عن الانتباه، لقد ازدادت الهجمات الرمزية فعليا الى أرقام مطلقة ملفتة، لكن ليس الهجمات الفعلية، والأهم هو أن معظم هذه الهجمات ينفذها مقيمون مسلمون: بعبارة أخرى ينفذ تلك الهجمات أقلية مضطهدة وملاحقة بقوة ومكروهة على نطاق واسع وليس هناك أدنى احتمال بأنهم سيقومون بحملة جادة للعنف ضد اليهود·
من المحزن دخول - لا قتل - بعض العشرات من اليهود الى المستشفى بسبب الهجمات التي وقعت مؤخرا عبر أوروبا، لكن من يحول هذا الأمر الى أحد أهم مشاكل العالم ببساطة لم يمعن النظر في العالم، إن هذه الهجمات شأن يخص الشرطة وليست سببا لمراقبة أنفسنا أو الآخرين لمنع مرض روحي قاتل، إن مثل ردة الفعل تلك مناسبة فقط في حال حصول هجمات عنصرية في مجتمعات غير مبالية أو معادية للأقليات المعتدى عليها، يجب على القلقين حقا حيال النازية العائدة مثلا توفير مخاوفهم للهجمات الأكثر دموية والمتغاضى عنها بشكل أكبر ضد الغجر، إذ يعج تاريخ اضطهادهم بالكثير مقارنة بماضي اليهود، إن موقف اليهود مقارب أكثر الى موقف البيض، والذين هم بالطبع، ضحايا لهجمات عنصرية·
حسابات قاسية
ما من شك في أن الكثير من الناس يرفضون مثل هذه الحسابات القاسية، وسيقولون لأن الماضي مازال يلوح بالأفق حولنا، فإن أي زلة معادية للسامية تعتبر عملا فظيعا، وفظاعته لا تقاس بالحسابات الكمية، لكن إذا ما وسعنا نظرتنا الى الأمر، فإن أهمية معاداة السامية تقل ولا تزيد، إن اعتبار أي سفك لدم يهودي بؤسا، يتجاوز كل المقاييس والمقارنات، هو ضرب من العنصرية بوضوح وببساطة لأنه يعطي أهمية لدماء عرق معين على سائر الأعراق، إن حقيقة اضطهاد اليهود لقرون ومعاناتهم بشدة منذ نصف قرن لا تمحو حقيقة أن اليهود في أوروبا اليوم هم مطلعون ولديهم أقل بكثير ليخشون منه ويعانون بسببه من غيرهم من الجماعات العرقية، بالطبع إن الهجمات العنصرية ضد أقلية جيدة الوضع هو أمر سيىء بالقدر نفسه كما هي حال الهجمات العنصرية ضد أقلية ضعيفة وفقيرة، لكن المهاجمين الأشرار بالدرجة نفسها في الحالتين لا ينفذون هجمات تبعث على القلق بالقدر نفسه·
واليهود ليسوا هم من يعيشون في ظل معسكرات الاعتقال، إن خطة لوبان "لمعسكرات الترحيل" أعدت للعرب لا لليهود، وعلى الرغم من احتواء بعض الأحزاب السياسية البارزة على الكثير من المعادين للسامية، فإن أحدا منها لم يبد أي إشارة على تفصيل أو تنفيذ أجندة معادية للسامية، ولا يوجد حتى أي سبب محدد لافتراض أنهم سيغيرون لهجتهم حين يفوزون بالسلطة، فالنمسا التي تحوي هايدر لا تشكل خطرا على اليهود ولا حتى كرواتيا تودجمان، ولو فرضنا وجود مثل هذا الخطر، فهناك دولة يهودية جيدة التسليح النووي على أهبة الاستعداد للترحيب بأي لاجئين تماما كالولايات المتحدة وكندا، وقولنا بأن لا أخطار حقيقية حاليا لا يعني تجاهل أي أخطار قد تبرز مستقبلا· فإن بدأت "الجبهة الوطنية" في فرنسا مثلا، بالمطالبة بإقامة معسكرات ترحيل لليهود أو خلق سياسات معادية لهجرة اليهود فعلينا الانتباه حينها، لكن لا يجب أن نصاب بالذعر لأن ثمة خطرا نتصوره قد يحدث، فهناك الكثير من الأشياء الأخطر من هذا تدور حولنا·
وقد يجيب البعض بأن، الأمور ليست بتلك الخطورة لأن اليهود وغيرهم كانوا متيقظين جدا في معركتهم ضد معاداة السامية، لكن هذا غير مقبول، أولا لأن التيقظ والانتباه لمعاداة السامية شكل من أشكال الرؤية عبر النفق، فكما يتعلم الفاشيون الجدد، أن بإمكانهم عدم لفت الانتباه إذا ما لزموا الصمت حيال اليهود، وثانيا، لم يكن هناك خطر كبير على اليهود حتى في الدول المعادية تراثيا للسامية ككرواتيا أو أوكرانيا، حيث العالم لم يكن "متيقظا"، فالدول التي لا تحظى بالاهتمام ليست بأكثر خطرا من الدول التي تسترعي الكثير من الاهتمام، أما عن ردة الفعل المتيقظة للوبان في فرنسا الذي يعود على ما يبدو الى تحول الفرنسيين باتجاه الفاشية الجديدة أكثر من تعنيف منظمة معاداة التشهير، وإذا اعتبرنا المنظمات اليهودية والكتاب الجادين الذين يهاجمون معاداة السامية ينقذون العالم من كارثة يكون هذا كمن يعتبر أن برتراند رسل والكويكرز كانوا السبب الوحيد في إنقاذنا من حرب نووية·
قد يقول البعض: مهما كانت الأخطار الحقيقية، فإن هذه الأحداث حقيقة تعذب اليهود وتعيد ذكريات أليمة لا يمكنهم احتمالها، قد يكون هذا صحيحا للقلة منهم الذين ما زالوا يحتفظون بتلك الذكريات، لكنه ليس بصحيح بالنسبة لليهود بشكل عام، فالحوادث المعادية للسامية وجو معاداة السامية المتنامية لا يزعجانني كثيرا· فعلى الرغم من كل الذكريات والهموم المؤلمة فإنها لا تشكل حملا ثقيلا مقارنة بالمعاناة الجسدية الفعلية الواقعة بسبب التمييز ضد الكثير من غير اليهود·
وليس هذا التقليل من شأن كل ما هو معاد للسامية، ففي كل مكان قد نسمع أحيانا معاديا شرسا للسامية في بولندا وروسيا، في الشارع وفي الحكومة على السواء، وعلى الرغم مما قد يشكله هذا الأمر من خطر، لكنه أيضا لن يتأثر بالصراعات الإسرائيلية الفلسطينية، ومن المستبعد لتلك الصراعات أن تؤثر عليه بطريقة أو بأخرى، علاوة على ذلك، وعلى حد علمي، لا يوجد مكان فيه عنف ضد اليهود بمقدار ما هو موجه ضد العرب، وعليه فحتى لو كانت معاداة السامية، في مواضع معينة، أمرا مأساويا جدا، يمكننا فقط استنتاج أن الشعور بمعاداة العرب أخطر بكثير، وبما أن كل مجموعة معادية للسامية هي أشد معاداة للمهاجرين ومعاداة للعرب، يمكن محاربة مثل هذه الجماعات لا باسم معاداة السامية بل دفاعا عن العرب والمهاجرين وعليه فإن خطر معاداة السامية الذي تشكله تلك الجماعات لا ينبغي أن يجعلنا نفكر حتى في التركيز على معاداة السامية: لأنها ستحارب بالقدر نفسه باسم تحقيق العدالة للعرب والمهاجرين·
باختصار، فإن الفضيحة الحقيقية اليوم ليست معاداة السامية بل الأهمية الممنوحة لها، لقد ارتكبت إسرائيل جرائم حرب، وورطت اليهود بشكل عام في تلك الجرائم، وتعجل اليهود عموما في توريط أنفسهم، الأمر الذي حث على كراهية اليهود، لم لا؟ بعض الكراهية ناتج عن العنصرية، وبعضها ليس كذلك، ومن يهتم؟ لم يجب علينا أن نلقي انتباها لهذا الموضوع على أي حال؟ هل أثار سباق إسرائيل للحرب أي ضغائن مريرة ذات أهمية الى جانب الحرب نفسها؟ هل للاحتمال المستبعد بإمكانية قتل تلك الكراهية نظريا لبعض اليهود في زمن ما وفي مكان ما أي أهمية مقارنة بالاضطهاد المادي الحقيقي والشرس للفلسطينيين ولمئات الآلاف من الأصوات المؤيدة لأن يساق العرب الى مخيمات الترحيل؟ آه، لكنني نسيت، فلنترك كل ما يشغلنا فقد رش أحدهم شعارات معادية للسامية على حائط كنيس يهودي·
المصدر: Counterpunch
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com